آثارنا المنسية فى سوق السلاح

فى سوق السلاح أنت لا تدخل منطقة سكنية بها عدد من الآثار بل إن الحقيقة والأقرب للواقع أنك تجد سكاناً يعيشون وسط الآثار الكثيرة جداً وتتخللها بيوتهم، ففى كل شارع من

فى سوق السلاح أنت لا تدخل منطقة سكنية بها عدد من الآثار بل إن الحقيقة والأقرب للواقع أنك تجد سكاناً يعيشون وسط الآثار الكثيرة جداً وتتخللها بيوتهم، ففى كل شارع من شوارعها وحارة من حواريها أثر يحمل حكاية خاصة به مع الزمن وذكريات يرويها سكانها.المؤسف أن هذه المنطقة التى تزخر بالعديد من الآثار المتنوعة ما بين مساجد وأسبلة وحمامات وكتاتيب تنتمى لعصور مختلفة، وجميعها يعانى من الإهمال وتردى الحال بسبب الجهل والتجاهل، جهل الناس بقيمة الآثار التى يضمها الشارع، وتجاهل المسئولين لوجودها.


الأهالى يعتبرونه «خرابة»

عارف باشا الدرملى آيل للسقوط

الورثة استخرجوا أوراقاً من الحى لإثبات أن المسجد عقار.. و«ساعاتى» من أبناء المنطقة تصدى لهم

أستاذ بآثار عين شمس: قدمت مشروعاً لجمعية التراث والفنون من أجل ترميمه.. لكن الأوقاف تريد تسويته بالأرض

يقع شارع سوق السلاح داخل حدود منطقة القاهرة التاريخية المصنفة عالمياً كأحد مواقع التراث العالمى على قوائم اليونيسكو منذ عام 1979. يعود تاريخ شارع سوق السلاح إلى القرن الثالث عشر الميلادى، يضم الشارع بين جوانبه حمام بشتاك.ربع المانسترلى.مسجد الطنبغا الماردانى وسبيل رقية دودو، وهذا السبيل كان يجسد قمة التطور الفنى لذلك العصر بما يضمه من مشغولات نحاسية وحوض سبيل إلى جانب أنه كان مدرسة لتحفيظ القرآن والأحاديث النبوية.

قبل أن تدخل شارع سوق السلاح وتلتقى بسكانه وتمر أمام آثاره الكثيرة ستستقبلك هذه اللوحة التعريفية بالمنطقة وآثارها، وستجد نفسك أمام مزيج من المشاعر السعيدة والحزينة فى نفس الوقت قبل وبعد قراءتها.

فبعد انتهائى من قراءتها شعرت بأهمية ماتضمه المنطقة بين جنباتها من آثار أحببت الدخول بسرعة لرؤيتها، وما هى إلا لحظة حتى اكتشفت أن اللوحة التى قرأتها معلقة فى أحد الأعمدة الحديدية التى يستند إليها مسجد عارف باشا الآيل للسقوط بين لحظة وأخرى والذى يعد نموذجاً لما وجدت عليه غالبية إن لم يكن كل آثار المنطقة!.

على لوحة خشبية تغطى الأتربة وأسلاك الكهرباء نصفها العلوى كتبت معلومات عن منشئ المسجد وتاريخه فكتب"الأمير زين الدين مقبل، أمير جاندار الملك الظاهر والمعروف باسم الأمير محمد عارف باشا الدرملى، جدده فى سنة1284"

أسفل مبنى أو بقايا مبنى المسجد محلات وورش منها محل ساعاتى وآخر ميكانيكى، حالة المسجد متدهورة للغاية ويستند إلى أعمدة حديدية مما يدل على أنه آيل للسقوط، أما جانبا المسجد فالوضع أسوأ كثيراً من الواجهة ويتعامل معه السكان على أنه "خرابة" فقد تكدست حول أحد جوانبه بقايا أثاث قديم وكل ما يلقيه السكان فى الأماكن المهجورة.

الواجهة الخارجية للمسجد لا تختلف عن الوضع بالداخل وكذلك قمته كلاهما فى مرحلة متدهورة للغاية، فالشقوق ضربت خشب المئذنة التى أحيط بها بقايا سور تهدم معظمه وحولها أكوام من الحجارة والرمال وأكوام الحجارة المتناثرة فى كل مكان، وآثار حجرة فى أحد الجوانب يطل من بين الحطام وتشكل مع لون السماء وحدة واحدة بلونها الأزرق.

فى مواجهة المسجد يوجد محل حلاق كان يجلس عنده ثلاثة رجال ينتظرون دورهم سألتهم عن قصة المسجد وما آل إليه، أخبرنى أحدهم واسمه"فرج سرور" أن المسجد كان يسكن فى الطابق الثانى له عدد من الأشخاص، وكانت توجد به مقرأة للقرآن، إلى جانب غرفة بثلاثة شبابيك كانوا يصلون بها، وأضاف: كنت صغيراً لكننى ما زلت أذكر جيداً أيام كان المسجد مفتوحاً، وبدأت حالة المسجد تتدهور فى الخمسينيات حتى أغلق نهائياً فى تلك الفترة، وصل المسجد إلى أسوأ حالاته وأصبح آيلاً للسقوط بعد زلزال 1992م وكان هناك تخوف من سقوطه على السكان فتم تثبيته بأعمدة حديدية تمهيداً لترميمه - حسب كلام المسئولين - ورغم أننا كنا نرى عدداً كبيراً من المتخصصين يأتون لمتابعة حالة المسجد من أجل الوقوف عليها لمعرفة ما يحتاجه فى عملية الترميم إلا أنهم كانوا يأتون ويذهبون بين فترة وأخرى دون أن يحدث أى جديد ومنذ ذلك الوقت والمسجد على هذه الحالة.

حسام إسماعيل، أستاذ الآثار بكلية الآداب جامعة عين شمس، ورئيس جمعية التراث والفنون التقليدية، قال لنا: قدمت مشروعاً بأن تقوم الجمعية بترميم المسجد ولم نجد من يرممه، فالمبلغ الذى يحتاجه المسجد للترميم مبلغ ليس كبيراً، والجامع سينهار، ومبلغ نصف مليون جنيه يمكن أن يجعلوا المسجد يقف على رجليه من جديد، والمسجد للأسف غير مسجل كأثر، والمشكلة أن وزارة الأوقاف ترفض دخولنا المناقصة الخاصة بالمسجد فهى تريد هدمه وتسويته بالأرض ومن ثم بناء غيره ببساطة.

ويضيف: عارف باشا الذى سمى الجامع على اسمه كان من رجال الخديو إسماعيل، وكان له بيت فى هذه المنطقة وبجواره مدرسة مملوكية لمقبل الدويدار من القرن التاسع الهجرى وكانت المدرسة متخربة أو مهدمة فبنى مكانها الجامع، لذلك قام ورثة عارف باشا برفع قضية أن هذا المبنى عقار وليس مسجداً من أجل هدمه وبناء برج سكنى أو عمارة مكانه واستطاعوا أخذ أوراق من الحى تثبت ذلك وهو نفس ما حدث مع زاوية المغربى عندما قام أحد الأشخاص بهدمه وبنى مكانه عمارة، فللأسف القاهرة التى كانت مسجلة كتراث معمارى مميز فى اليونيسكو أصبحت فى دائرة الخطر باليونيسكو.

استكمالاً لما سبق يقول عماد عثمان، كبير الباحثين بقطاع الآثار الإسلامية ومدير عام مناطق آثار شرق وجنوب سابقاً، إن هناك رجلاً اسمه "أحمد " يعمل ساعاتى وله محل أسفل جامع عارف باشا، هو أول من اكتشف أن بعض الأشخاص يقومون بالنصب من أجل تزييف الحقائق والادعاء أن هذا المبنى عقار وليس مسجداً ودخل فى حرب طويلة وذهب لكل الجهات وقابل المسئولين ولديه كل الأوراق التى تثبت كذب ادعاء هؤلاء الأشخاص ونجح فى إيقاف حكم المحكمة ليؤكد للجميع أن هذا المبنى جامع وليس عقاراً.

قصة عارف باشا صاحب الأثر أو المسجد يقول عنها أبوالعلا خليل مؤرخ الآثار الإسلامية: "أولاً أود أن أوضح أمراً هاماً وهو أن اللافتة المكتوب عليها تاريخ المسجد تصف الأمير زين الدين مقبل بـ"أمير جاندار "وهذا خطأ فاحش فالجاندار غير "الجمدار"، الجاندار هو الذى يستأذن للأمراء عند دخولهم على السلطان وهو مركب من لفظين فارسيين جان بمعنى روح، و دار بمعنى ممسك والمعنى الممسك والحافظ لروح السلطان فلا يستأذن عليه إلا لمن يأمن عاقبته.أما الجمدار وظيفة الأمير مقبل فهو المتصدى لإلباس السلطان ثيابه، وهذا الأثر غير مسجل كأثر، ومدرسة الأمير مقبل الرومى (زاوية عارف باشا)بالتبانة ومنشئ هذه المدرسة هو الطواشى - أى الخصى - الأمير زين الدين مقبل بن عبدالله الرومى الأشقتمرى جمدار السلطان الظاهر برقوق، وبعد وفاة السلطان الظاهر برقوق عام801هـ أقره ابنه وخليفته من بعده السلطان الناصر فرج بن برقوق فى نفس وظيفته لما عرفه عنه من ديانته وأمانته وورعه بل وزاده وجعله رأس نوبة الجمدارية. وفى عام 803هـ خرج الأمير زين الدين مقبل ضمن جيش كبير على رأسه السلطان الناصر فرج بن برقوق إلى الشام لقتال تيمور لنك الذى عاث فى البلاد التى اجتاحها فساداً إلا أن الجيش المصرى هزم هزيمة منكرة، ولما رأى السلطان الناصر فرج بن برقوق الغلبة ترك جيشه وعاد إلى القاهرة كسيراً، ونجا زين الدين مقبل من القتل ليقع فى الأسر ولما هدأت نار الحرب وبدأت الرسل تتردد بين سلطان مصر الناصر فرج بن برقوق والطاغية تيمورلنك وبدأ الطرفان يتبادلان الهدايا والإفراج عن الأسرى وكان من بينهم الطواشى مقبل، وعن ذلك يذكر ابن إياس فى بدائع الزهور فى وقائع الدهور فى حوادث شهر رمضان عام 806هـ (وفيه حضر رسل تيمورلنك ومعهم الطواشى مقبل الأشقتمرى وكان ممن أسره تيمورلنك من الخدام السلطانية فى واقعة الشام). ظل بعدها الطواشى مقبل خاملاً إلى أن ارتحل إلى مكة المكرمة مجاوراً بها عام 817هـ مدة عامين وعاد بعدها إلى القاهرة عام 819هـ لتدركه منيته إذ ضرب البلاد طاعون فتاك عم سائر البلاد وكان من ضحاياه الأمير زين الدين مقبل الذى توفى ليلة الثلاثاء الثالث من ربيع الآخر عام 819هـ ودفن بمدرسته التى بين أيدينا. يصف ابن داود الصيرفى فى نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الزمان الأمير زين الدين مقبل: (وكان ملازماً للديانة محباً للفقهاء والفقراء، اشتغل بالعلم كثيراً وحفظ كتاب الحاوى الصغير على مذهب الإمام الشافعى رحمه الله وكان صوته حسناً ويقرئ القرآن حسبة).

أنشأ الأمير زين الدين مقبل مدرسته بخط التبانة عند مفرق الطرق خارج القاهرة وخصصها لدراسة الفقه على مذهب الإمام الشافعى - مذهبه الذى يجله - وقرر بها مدرساً شافعياً وطلبة. وبمرور الزمن تعرضت مدرسة الأمير مقبل الرومى للخراب وكادت أن تصبح أثراً بعد حين فقيض الله لها الأمير محمد عارف باشا الدرملى مدير أسيوط وكانت داره ملاصقة للمدرسة فأعاد إعمار المدرسة عام 1284هـ / 1868م وأنشأ لها ميضأة ومئذنة قصيرة على الطراز العثمانى ومن ثم عرفت بين الناس "بزاوية عارف باشا" ويقع مسجد الأمير زين الدين مقبل المعروف بـ(زاوية عارف باشا) بشارع التبانة عند التقائه مع شارع باب الوزير بشارع سوق السلاح.


من أهم آثار الدرب الأحمر وأندر حمامات القاهرة

بشتاك.. كله راح ولم يبق إلا واجهته

كبير باحثين بالآثار: حاولنا تجديده وتشغيله لصالح مستثمر لكن الورثة رفضوا وبقى الحال على ما هو عليه

باب صغير وضئيل ينزوى على جانب أحد شوارع سوق السلاح وعلى بعد خطوات معدودة من سبيل رقية دودو، من هيئته وعمارته يبدو أنه ليس باباً عادياً، اقتربت أكثر من المدخل المغلق يبدو من سنوات نصفه السفلى دفن فى الأرض مثلما كنت أرى فى، وبالجوار منازل هجرها أهلها، ولم يعد منهم من يسكنها سوى الغربان والخفافيش.

تهالك باب الحمام الخشبى وتشوه الرخام الذى يزين واجهته وهو من اللونين الأبيض والأسود، وأعتقد أن حالته الأصلية كانت أكثر جمالاً، بجانب المدخل شباك أكله الصدأ وتفوح رائحة سيئة للغاية من محيط المكان، وبالنظر للداخل ترى غرفة فارغة إلا من "دكة خشبية"وجدران متآكلة وأثاث خشبى لا تتضح هويته من كثرة الأتربة التى غطته. هذا الأثر هو "حمام بشتاك" الموجود بسويقة العزى بشارع سوق السلاح، ويعود إلى عصر الدولة المملوكية، هذا الحمام أنشأه الأمير سيف الدين بشتاك الناصرى سنة 742هـ/ 1339 م وكان من المماليك المفضلين لدى السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وقد تولى الأمير بشتاك الناصرى العديد من المناصب فى عصر السلطان الناصر الذى كان يقدره كثيراً لدرجة أنه زوّجه ابنته، فشغل منصب: أمير شكار أى المسئول عن الصيد الملكى وكاتب السر. والأمير بشتاك له قصر كبير باسمه فى شارع المعز، ومسجد فى السيدة زينب.

حمام الأمير بشتاك، من أهم الآثار الموجودة فى الدرب الأحمر وأندر الحمامات فى القاهرة حيث لم يعد يتبقى إلا عدد ضئيل جداً منهم بعد أن كان عددهم يتعدى السبعين حماماً تخرب معظمهم وطمست معالم البقية الباقية.

كُتب على أعلى واجهة الحمام "أمر بإنشاء هذا الحمام المبارك المقر الأشرفى العالى المولوى الأميرى الكبيرى السيفى بشتاك الملكى الناصرى دام عزه"وكان يضم قسمين أحدهما للرجال وآخر للنساء، كما ذكر على مبارك فى كتابه الخطط التوفيقية. كان يجاور الحمام مستوقد لتسخين المياه لكن كل ذلك انتهى.

فى الناحية المواجهة للحمام جلس شاب فى الثلاثين من عمره اسمه"أحمد عبدالمنعم" أخبرنى أن المكان أصبح خرابة - على حد تعبيره - مضيفاً: منذ أكثر من عشر سنوات والمكان مهجور وتراكمت حوله القمامة وأصبحت حالته سيئة وليس هذا المكان فقط بل إذا دخلتى ستجدين آثاراً كثيرة بنفس الحالة المتردية ولا أحد يسأل أو يهتم، إذا كان الأثر وقع أو سرق، فمثلاً منذ سنوات تمت سرقة شبابيك سبيل رقية دودو الموجود على بعد خطوات من الحمام وغيره من الآثار كل فترة نسمع عن سرقة أثر ولا أحد يفعل شيئاً".

يقول عماد عزت كبير الباحثين بوزارة الآثار سابقاً: دخلت حمام بشتاك منذ عشرين سنة تقريباً وكان معى وفد تركى جاء لزيارة الآثار العثمانية فى القاهرة وقتها كان الحمام ما زال يعمل، وأذكر أن مستثمراً أراد استغلال الحمام وتجديده من أجل تشغيله مرة أخرى لكن للأسف الورثة رفضوا وفوجئنا أنه ملك نحو عشرين وريثاً وعندما عرضنا عليهم مليونى جنيه من أجل الموافقة على مشروع إعادة تشغيل الحمام رفضوا واختلفنا فيما يتعلق بالمنطقة الملاصقة لمبنى الحمام وهى "المستوقد"والذى تم بناؤه وتقسيمه إلى غرف سكنتها عدد من الأسر، ومنذ سبع سنوات ذهبنا من أجل تسجيله كأثر فوجدنا أن عناصر معمارية للحمام تهدمت وفقد كثيراً من أهميته والعناصر المعمارية هى التى ترتقى بالأثر من أجل تسجيله كأثر، وبقى الحال كما هو عليه، وأود أن أذكر أن الجزء الأثرى فى الحمام هو واجهته فقط لكن بقية أجزائه ليست كذلك.



ينتظر الترميم ضمن 100 أثر فى القاهرة التاريخية

«سبيل رقية دودو».. لله يا عطشان

بسبب الإهمال تحول إلى مسخ.. من أعلى عمارة بديعة ومن أسفل أسلاك شائكة

عندما تمر فى شارع سوق السلاح سيصدمك منظر أحد المعالم الأثرية التى تقف حزينة لما آل إليه حالها وما فعلته به أيدى البشر ممن يجهلون قيمته، إضافة إلى عبث بعض اللصوص به وسرقة شبابيكه النحاسية، فالجريمة التى ارتكبت فى حق هذا الأثر اشتركت فيها أطراف عدة لتصبح النتيجة هى الصورة التى يبدو عليها "سبيل وكتاب رقية دودو" حالياً. أهم أسبلة العصر العثمانى والمشيدة على الطراز العثمانى، يتميز بنقوشه الجميلة، يحمل هذا الأثر رقم337، أنشئ فى 1174هـ /1761م، بنته بدوية شاهين ترحماً على روح ابنتها رقية دودو، وبدوية شاهين كانت زوجة الأمير رضوان كتخدا الجلفى الذى قتل فى عام 1169هـ على يد أعدائه من أمراء الجراكسة ولها وكالة عرفت باسمها فى خان الخليلى. وشيدت لابنتها قبة أيضاً عرفت باسمها وهى "قبة رقية دودو"فى القرافة الصغرى بجوار قبة مصطفى جاهين أمير الحج لكنها للأسف سقطت نتيجة المجارى والإهمال.

على بلاطة رخامية مربعة أعلى الشباك الأوسط للسبيل كتب "بسم الله الرحمن الرحيم أسأل الله الكريم ينصر السلطان ويرحم من كان على اسمها الكتاب والسبيل رقية دودو بنت بدوية شاهين بسم الله ما شاء الله ما شاء الله سنة 1174"

وفى كتابة على العمود الأيمن للشباك الأوسط «أيها الوارد إلى هذا السبيل اشرب ماءً زلالاً به يشفى العليلا. الله تعالى يرحم من كان على اسمها هذا السبيلا"، وعلى العمود الأيسر لنفس الشباك كتب "سبيل لله يا عطشان الله يرحم الواقفة. وينصر السلطان ويجزيها ثواباً وإحساناً".

تحول هذا السبيل بفعل الإهمال والزمن إلى مسخ نصفه الأعلى ينم عن عمارة بديعة الإتقان وزخارف تبهر الناظرين، أما نصفه السفلى فدفن وحل مكانه الطوب الأحمر! وأحيط به بحصن متين من سياج حديدى تعلوه أسلاك شائكة تكلفت فيما يبدو مبلغاً كان ترميم السبيل أولى بها.

الأمر الإيجابى فى هذا الموضوع أن السبيل سيتم ترميمه ضمن مائة أثر فى القاهرة التاريخية وهو واحد من أربعة آثار سيتم ترميمهم فى سوق السلاح لكن من سيتم الترميم لا أحد يعلم.

مصطفى كامل من سكان الدرب الأحمر قال لنا لقد ولدت ونشأت فى هذه المنطقة وتحديداً فى الشارع المجاور لحمام بشتاك الأثرى والقريب جدا من سبيل رقية دودو، وما زلت أذكر السبيل عندما كنت أمر أمامه أثناء ذهابى للمدرسة، وأخبرنى والدى أنه كان بالسبيل كتاب لتحفيظ القرآن، ويتميز هذا السبيل بعمارته الفريدة ولطالما جذبنى تصميمه الرائع وعمارته الفريدة، وكنت أرى بنفسى المتخصصين فى الفنون والرسامين والسائحين يحملون اسكتشاتهم ويجلسون أمامه أوقاتاً طويلة لرسمه لجماله وكثرة زخارفه النباتية والخط الرائع للكتابات الموجودة عليه، والمحزن أن هذا المكان الجميل يكون مصيره السرقة والإهمال، فقد سرقت شبابيكه وبنى مكانها طوب أحمر وهذه كارثة، وأتمنى أن يتم ترميمه ويعاد فتحه من جديد واستغلال هذا الصرح الفريد فى مشروع يفيد أهل المنطقة فيجب تأهيل المبنى وإعادة توظيفه كمكان تراثى وثقافى مثل متحف للدرب الأحمر أو مركز لتعليم الحرف التراثية أو مكتبة تفيد أهل سوق السلاح والدرب الأحمر بأكمله أسوة بمتحف النسيج وبيت السنارى، ويضيف"مصطفى" من أجمل ما يميز السبيل ويعجبنى شخصياً خاصة أننى محب للتراث هو الرفرف الخشبى فى واجهة السبيل والكتاب، وأهمية الرفرف الخشبى هى توفير الظل لمن يأتى إلى السبيل وحمايتهم من الشمس.


الورثة.. الآثار.. المتربصون.. العفاريت

من يكسب بيت مدكور؟

قانون «آيل للسقوط» فزاعة يتم إشهارها لكل أثر قديم غير محمى بقانون رسمى

فى أحد شوارع منطقة الدرب الأحمر القديمة وهو شارع التبانة يقف مدخل أحد البيوت القديمة وحيداً وقد تعرت جوانبه وحلت مكانها جدران مهدمة، وتراكمت القمامة على جانبيه حتى اقتربت من أعلى مدخله شأنه شأن أى أثر تاريخى سواء من الحقبة الإسلامية أو القبطية.

بيت مدكور ليس مجرد بيت عادى تعرض للإهمال بعد هجرة سكانه أو وفاتهم، لكن له تاريخ طويل وممتد، وهناك من يقول إنه يعود إلى عصر العثمانيين، والبعض يؤكد أنه يعود لأحد أمراء المماليك، المهم هنا أن البيت معروف باسم بيت مدكور، وصاحبه هو مدكور باشا الذى كان من كبار أعيان القاهرة، والبيت تقترب مساحته من الألفى متر مربع، وسوء حالة البيت جعلت الآراء تنقسم حوله بين مطالب بهدمه، وبين مطالب بإطلاق مشروع لترميمه، وبين الرأيين يقف بيت مدكور حائراً بين أصحاب المصالح من رجال الأعمال أو الذين يحاولون الاستحواذ على الأرض، وبين المدافعين عن التراث المعمارى من جهة أخرى، ويحمل بيت مدكور رقم 13وبمجرد مرورك من بابه الخشبى القديم ستشعر أنك انفصلت كلياً عن العالم الخارجى وعدت بالزمن إلى الوراء، ففى الداخل تشعر صمتاً رهيباً تقطعه فقط صوت أوراق الأشجار التى يلقى بها الهواء على أرض البيت وصوت أحد أجهزة التليفزيون المنبعث من إحدى الغرف الجانبية مما شجعنا على محاولة معرفة من فى المكان أو من السكان الموجودون بالداخل، لكن لم يظهر أحد سوى ظهور غرفة تحيط بفناء البيت الواسع الذى ما زالت بعض عمارته الأصلية باقية رغم الحالة المتردية للمكان، الذى يتشابه مع كل الأماكن التى تركها أصحابها بعد رحيلهم ورحيل الورثة مما جعله يتحول إلى مرتع للحيوانات الضالة والقمامة التى غطت جوانب كثيرة منه، الغريب أن البيت دخل ضمن قائمة التراث المعمارى فى عام 2010 وخرج منها فى عام 2011.

 محاولات

كانت هناك عدة محاولات منذ ثلاثة أعوام لضم بيت مدكور ضمن منظومة الآثار الإسلامية من قبل وزارة الآثار رغم أن البيت ليس أثرياً أو يحمل الطابع الأثرى الذى يجب الحفاظ عليه، وكان رئيس الوزراء السابق عصام شرف قد أصدر قراراً رقم 970 لسنة 2011 بإخراج بيت مدكور من قائمة المبانى ذات الطراز المعمارى، لأن المبنى فقد كل معالمه التراثية والمعمارية، كما رفض المجلس الأعلى للآثار تسجيل المبنى ضمن الآثار، واستكمالاً لهذه الخطوات صدر قرار رقم 35 لسنة 2011 من محافظة القاهرة يقضى بهدم العقار.

 حريق يأتى على البيت

التقينا بمحمود جمال من سكان المنطقة والذى أخبرنا أن حريقاً قد اندلع فى بيت مدكور بعد ثورة يناير 2011م، وأضاف: هناك من يقول إن الحريق بفعل فاعل من قبل ملاك البيت من أجل طرد المستأجرين منه ثم هدم البيت لإقامة برج سكنى مكانه دون مراعاة للسكان الموجودين به، كما توجد بسببه خلافات كثيرة بين عدة جهات، ومنذ فترة طويلة تم طرد بعض السكان منه استعداداً لهدمه، لكن لم يحدث شىء وما زال على حالته المتهالكة والمتردية منذ مدة طويلة ولم يتحرك أحد لإنقاذه، ويقول الدكتور علاء الدين الحبشى رئيس قسم الهندسة المعمارية فى جامعة المنوفية: أهم سمات هذا الموقع المبانى التاريخية ونسيج المدينة القديمة الموجود فى شوارعه وأزقته، هذا بالإضافة إلى تركيبة المبانى التاريخية وهى تركيبة استثنائية، لذلك فإنه إذا حدث خلل فى أى من هذه المفردات يحدث بالتوازى خلل فى المنظومة، أصبح الخلل يمس بشكل مباشر تسجيل المدينة كتراث عالمى، الأمر الذى جعل هناك تحفظات كثيرة، منها أن اليونيسكو أبدت استعدادها للمشاركة فى كيفية إدارة القاهرة التاريخية، وفى النهاية فوجئنا بأننا وضعنا فى قائمة الخطر لدى اليونيسكو، وللعلم ما نتج لا يحدث إلا فى حالة عدم قدرة الدولة على حماية الممتلكات، أوعندما تعانى الدولة من حالة دمار شامل أو حرب أهلية كما يحدث فى سوريا واليمن والعراق وليبيا، هنا يجب إدراج كل الآثار فى قائمة الخطر، لكن السؤال هنا: هل ظروف مصر مشابهة لظروف الدول التى أشرنا إليها؟..

بالطبع لا، إذاً لماذا نتعمد تصدير انطباع للغير بأننا نعانى حالة من عدم الاستقرار، ولماذا نقوم بهدم التراث بأيدينا، فكلما انتقصنا من القيمة التراثية للمكان أصبحت الدعوة إلى تسجيل هذا الأثر تحت قائمة الخطر واردة، والموضوع على الملأ وهو ليس شيئاً خاصاً، التراث كيان موجود لا نستطيع إخفاءه، ونحن نقوم بمجهودات عديدة من أجل الحفاظ عليه لكن يجب أن يساندها قرارات سيادية من الحكومة نفسها، نحن نحاول إنقاذ أشلاء بوابة قديمة كتلك التى هدمت فى وكالة العنبريين منذ سبع سنوات، ومن تحت البلدوزر نجحنا فى إنقاذ 53 قطعة حجر وأعدنا تهيئتها ووضعها فى نفس البوابة، وهذه البوابة هى بوابة لأحد علماء الأزهر يدعى "حسن قراعة"، يا سادة ما أريد قوله أننا لو تجاهلنا منبع الثقافة فلن يكون لدينا ثقافة، أين القاهرة التاريخية التى كنا نتغنى بها؟.. وبالنسبة لبيت مدكور استطعنا استصدار قرار وموافقة من رئيس جهاز التنسيق الحضارى بأن نقوم بترميم أجزاء من بيت مدكور من المستأجرين لأن كل هذه البيوت للأسف آيلة للسقوط، وانهيارها رسالة واضحة باختفاء الأثر مدى الحياة، وكل المبانى التاريخية المسجلة منها أيضاً آيلة للسقوط، وعدم تدارك الأمر وخطورته على القيمة التاريخية لمصر أحد أهم أسباب خراب البيوت الأثرية فى مصر وأنا كمالك عقار على وشك السقوط وأردت ترميمه فلن يسمح لى حسب القوانين الحالية التى تمنع ذلك لكنها توافق على هدم المبنى وتسويته بالأرض دون النظر لقيمته، أنا أرى أن هناك بعض الأمور الإدارية التى لا بد من تغييرها لكى تتماشى مع المصلحة العامة، أما الوكالات والبيوت التى يتم هدمها فبسبب عدم خضوعها لقانون حماية، وما دون ذلك فقانون "آيل للسقوط" فى انتظارها، وطبعاً ليست كل آثار القاهرة مسجلة بينما المدينة بأكملها مسجلة كتراث عالمى، المفروض الدولة تتبنى الإيجابيات وتعظمها ويتم إيقاف السلبيات


 	إيناس مرشد

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الطريقة السليمة لطبخ «الضانى»

العيد فرحة بلا أمراض ولا مستشفيات

الأضاحى أونلاين راحة للمستهلك أم تغيّر فى عادات العيد

الخياط: البيع والتوزيع عبر مواقع التواصل الاجتماعى أحدثا نقلة كبيرة فى تجارة الأضاحى البنا: إشراف المسلم على ذبح وتوزيع الأضحية...

أطفال فى بيت الله الحرام.. تجربة تربوية تُحاكى أجواء «الأضحى»

لتعريفهم برمزية الأضحية وشعائر الحج د. هبة فاروق : احتفالية «الأضحى» تخلق ذكريات إيجابية للأطفال بعيداً عن تعقيدات الترهيب

الدكتور عماد فهمي: لحم خروف العيد..نكهة أقوى ودهون أعلى ومصدر جيد للبروتين

تعتبر الأضحية من الشعائر الإسلامية العظيمة التي يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى في عيد الأضحى المبارك. وهي إحياء لسنة...