وكأن التاريخ وقعت عينه على هذا المكان ليكون صفحة فى سجله الأبدى للتندر على ما سبق، والحسرة على ما آل إليه الحال، فشارع المعز بطول امتداده تخرج منه حارات وأزقة ووراء
وكأن التاريخ وقعت عينه على هذا المكان ليكون صفحة فى سجله الأبدى للتندر على ما سبق، والحسرة على ما آل إليه الحال، فشارع المعز بطول امتداده تخرج منه حارات وأزقة ووراء كل باب حكاية، ربما كانت من أسرار وجوده إلى الآن، لكن المؤكد أن اختفاءها قد يكون أول مسمار فى نعش الشارع.
بمجرد دخولك لحارة "النحاسين" المتفرعة من المعز تشعر أنك قد أخطأت المكان، وهذا ما شعرت به، إذ قمت بزيارة هذه المنطقة منذ خمس سنوات، وكانت الورش تدل على اسم المكان "حارة النحاسين " كان اللون الأحمر يكسو الطريق وكانت أطنان الذهب الأحمر تسد مداخل الورش ، وكانت أصوات الطرق والدق على الكتل النحاسية تصم الآذان، وما حدث أن الحارة فقدت كل ملامحها، وتبدل المشهد من النحاس الأحمرإلى "الإستانلس الأبيض" فبمجرد دخولك تشعر أنك فى أحد شوارع أوروبا من كثرة عربات الأكل السريع، والمصنوعة بفخامة، فى البداية قلت ربما يكون مهرجانا أو احتفالية، ولكن بالتدقيق وجدت أن الورش تبدلت وأصبحت تعمل فى "الإستانلس"، أخذت أبحث عن ورشة لم تصل إليها ذراع الحداثة وكأنى أبحث عن "إبرة فى كومة قش"، حتى وجدت صاحب ورشة صغيرة يجلس ممسكاً بيده شمعدانا نحاسيا ويجلس بجواره رجل فى انتظار الانتهاء من تصليحه، تنفست الصعداء لأننى وجدت من يستطيع تفسير ما حدث للحارة قال عوف المصرى صاحب ورشة لحام وتصليح نحاس: الحال كما ترين لا يخفى على أحد وهو ما وصلت إليه حارة النحاسين سابقا، وعندما سألته عن الأسباب قال: الصينى طبعا غرق البلد، سعره رخيص لكن الشغل اليدوى راح فى الرجلين بعد ارتفاع سعر الدولار، والزبون اللى كان بيقدر الصنعة لم يبق منه إلا القليل، والباقى لا يتحمل فرق السعر الكبير، مضيفاً: ورثت الورشة عن والدى الذى ورثها عن جدى، أنا الآن كالذى يقبض على الجمر، شغل النحاس توقف، وما أعمل به طوال اليوم لا يكفى للمعيشة، ومن ناحية أخرى لا أستطيع تغيير مهنتى التى أعشقها، لقد خرجت للدنيا وأنا مغرم بالنحاس، ومنذ سنة 2000 ونحن نطالب بتدخل الحكومة لوقف أو تقنين استيراد النحاس الصينى والمشغولات الصينية، وبسبب هذا التراخى تسوء الحالة يوما بعد يوم، لذا غير الناس نشاطهم من النحاس "للإستانلس" لأنه الرائج والمطلوب، ومين يعرف يمكن بعد 10 سنوات يتغير اسم الحارة ويبقى "حارة الإستانلس".
حلاوة روح
حاليا هى حارة النحاسين لكن النشاط اتغير للإستانلس، هكذا بدأ أحمد عامر صاحب ورشة لتصنيع النحاس كلامه، مضيفاً: المهنة هنا فى الحارة حلاوة روح مش أكتر، والحارة كان اسمها الحقيقى حارة "الدقاقين" من كثرة الدق ليل نهار على النحاس، أما الآن فكله قلب "إستانلس"، ورش النحاس ماتت بعد ما وصل كيلو النحاس 200 جنيه، طب نصنعه بكام ونبيعه بكام..؟ والزبون بيحب الرخيص، والصينى حل له المشكلة، وأقل ورشة فى الحارة عمرها 100 سنة ، وشيوخ المهنة كلهم ماتوا، دول اللى كانوا بيدافعوا عن المهنة، واللى كانت كلمتهم مسموعة عند الحكومة، النهارده الكل بيدور على المكسب وبالتالى مفيش حد عنده وقت يدور على حل مشاكل الناس، طبعا الطلب قل على شغل النحاس، زمان قوى كان الشارع بيجهز كل العرايس من المطبخ للسرير، لكن الحال الآن أصبح مقصورا على شغل "خان الخليلى" وياريت يدوم، والحق أن كل صاحب ورشة فى الحارة متمسك بالمهنة حتى الآن هو "عاشق "لها لا أكثر ولا أقل".
ورش الإستانلس
على الجانب الآخر لورش "الإستانلس" وقف عم كمال سعد صاحب ورشة لتصنيع عربات الأكل السريع يقول: لم يكن هناك حل آخر، يا إما نموت من الجوع يا إما نغير النشاط وهو ما حدث، لم يكن سهلا علينا تغيير مهنة ورثناها عن الأجداد، لكن "الحاجة مرة"، كل أصحاب ورش الإستانلس لم يقدموا على التغيير إلا بعد أن فقدوا الأمل فى تدخل الحكومة بمنع استيراد المصنوعات الشعبية والتراثية النحاسية من الصين التى أغرقت الأسواق بمنتجات رخيصة وغير جيدة، والخوف حاليا يكون ده مصير كل الحرف اليدوية الأخرى فى مصر، والحل فى يد المسئولين اللى انتخبناهم فى مجلس الشعب، حالة القلق من القادم لا تخفى على أحد، ويعرفها كل أصحاب المحلات الذين كانوا يعرضون المنتجات النحاسية فقد أبدى محمد الزهار تخوفه "صاحب محل" لبيع المنتجات النحاسية قائلا: طبعا المهنة أصبحت على وشك الضياع، والشغل مقتصر على بعض القطع الصغيرة لخان الخليلى، ونصف المحلات تقريبا بتشتغل فى الصينى، وحارة النحاسين كانت من مقاصد السياحة، وكان السياح يزورون الورش التى تصنع المشغولات النحاسية، الحارة عمرها من عمر الشارع وتغيير شكلها ونشاطها هيكون بداية لتغيير معالم الشارع الأساسية ، وهو ما حدث فى السنوات الأخيرة، فقد غيرت بعض المحلات نشاطها إلى بيع مستلزمات وتجهيز المقاهى ومحلات الفول والطعمية، كما اختفى من الشارع "مبيض النحاس"أحد أبطال المهنة ، وأصحاب المهنة فى الشارع كان يطلق عليهم "أصحاب الأنامل الذهبية" لدقة وجمال ما يخرج من تحت أيديهم، هذا ما أكده محمد الفيومى أحد النقاشين على النحاس سابقا والذى قال: بيوت مصر كان فيها نحاس يكفى شغل ألف سنة، لكن بعد ظهور الألومنيوم قام بعض التجار بشرائه بتراب الفلوس ثم بيعه للمصانع بمبالغ كبيرة، وحاليا نستورد النحاس الصينى لنطلى به الصاج، كما انتهت مهنة النقش مع انتهاء صناعة "الدق على النحاس"، وأصبح النقش يتم آلياً بطريقة "الزنكوغراف"، وضاع أصحاب الأصابع الذهبية بعد هجمة المستورد، ومات كل شيوخ المهنة وأصبح كل صنايعى يبحث عن رزقه فى أى مجال آخر غير صنعته، وكل حارة وزقاق وشبر فى المكان يحمل تاريخا يستعد للخروج من صفحات كتاب التاريخ، والممسكون على الجمر يصرخون رافضين دخول الحاضر إلى كتاب التاريخ.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعتبر الأضحية من الشعائر الإسلامية العظيمة التي يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى في عيد الأضحى المبارك. وهي إحياء لسنة...
أنشأته زيبا قادين زوجة محمد على الكبير سنة 1869 م اختيار موقع السبيل فى ميدان رمسيس لم يكن عشوائيا لكن...
النائب أمير الجزار: خطوة مهمة لمواجهة التلاعب ومنح المواطن حرية الاختيار د. بلال شعيب: المنظومة الحالية بوابة رئيسية لتجار السوق...
لا شك أن الصراعات الإقليمية والعالمية أثرت بشكل كبير على سلاسل الإمداد حول العالم خاصة مع توقف الملاحة فى العديد...