"شبشير الحصة".. جمهورية العسل فى مصر

تتشابه أماكن ووجوه معظم القرى فى مصر، وربما كثير من العادات أيضاً، ولكن تبقى الأماكن التى اختارت لها حرفة ومهنة حفرتها عبر الزمن تحمل طابعاً ومذاقاً يجعلك تشتاق

تتشابه أماكن ووجوه معظم القرى فى مصر، وربما كثير من العادات أيضاً، ولكن تبقى الأماكن التى اختارت لها حرفة ومهنة حفرتها عبر الزمن تحمل طابعاً ومذاقاً يجعلك تشتاق لزيارتها، وقرية حصة شبشير قرية بطعم "العسل " الطازج النقى لأنها هى قرية إنتاج "العسل".

القرية تقع على طريق المحلة - طنطا وتبعد عن مدينة طنطا حوالى 12 كيلو مترا، اختارت منذ قرن أن تكون مكاناً لتربية وإنتاج "عسل النحل" على مستوى العالم، يوجد فى مدخل القرية لوحة تقدير وعرفان من أهالى القرية لمن أدخلوا المهنة لها، تضم هذه اللوحة صوراً وأسماء لمن كان لهم الفضل فيما وصلت إليه القرية من الريادة فى هذه المهنة، وتتصدر اللوحة صورة  الحاج"إسماعيل عتمان" صاحب الفكرة ومؤسس صناعة وتربية نحل العسل فى القرية التى أسموها "جمهورية حصة شبشير"والمشهورة بقرية شبشير الحصة، وشوارع القرية  عبارة عن مخزن مفتوح لخلايا النحل المتراصة على جانبى الطريق، كما أن الشوارع خالية بعض الشيء من المارة، لأن الكل يعمل داخل منزله إن لم يكن فى صناعة العسل، أو تربية النحل، فسوف تجده يعمل فى صناعة من الصناعات التكميلية التى يحتاجها "النحل"، وفى شوارع قريةحصة شبشيرتستطيع أن تستوقف أى شخص وتسأله عن تربية النحل، لأنه بالتأكيد ستجده من المربين طالما من أهل القرية، ومن أمام إحدى المدارس الإعدادية فى القرية وجدت شخصاً يخرج من باب المدرسة ومع أنه كان يمسك فى يده بكشكول تحضير الدروس مما أوحى لى بأنه مدرس بالمدرسة، إلا أننى بادرته بسؤالى هل أنت من مربى النحل؟.. فقال أنا من المربين الصغار فى القرية، لكن فى نفس الوقت أعمل مدرساً واسمى مصطفى عبدالفتاح وقال: كل بيت فى القرية عبارة عن خلية نحل، لكن ارتفاع أسعار السكر جعل كثيرا من المربين يبيعون ثروتهم من نحل العسل لأن العائد أصبح لا يغطى تكاليف الإنتاج، فأنا مثلاً أشترى طن السكر فى موسم الفرز بحوالى 11ألف جنيه، بينما سعر المنتج لم يرتفع بنفس نسبة الزيادة التى تعوض هذه التكلفة، كما أن العمالة ارتفعت أجورها مما أضاف أعباء أخرى، ولو كانت القرية تعتمد على العمالة الخارجية فقط لكانت انقرضت المهنة من زمان، ولكن السيدات فى البيوت أنقذن هذه المهنة، ومنهن من تعمل طبيبة أو مدرسة لكنها فى نفس الوقت تساعد زوجها فى تربية النحل، وهذا ما يخفف من التكاليف، وأضاف مصطفى: النحل يحتاج إلى أماكن دافئة فى فصل الشتاء حتى لا يموت، لذا نقوم نحن المربين "بترحيله ونقله" إلى الساحل الشمالى ومطروح والعريش، وهذا الانتقال يحتاج إلى مصاريف أخرى منها إيجار المكان الجديد، ووزارة الزراعة من الممكن أن تساعد فى حل جزء من هذه المشكلة عن طريق زراعة ما يسمى "بخبز النحل" وهو نبات صغير يزرع على حافة الترع والمصارف لا يستفيد منه الفلاح، ولكن يفيد مربى النحل فى فصل الشتاء، هذه الخسارة دفعت بعض المربين لبيع الخلايا بسعر أرخص من تكلفتها، ولو استمر الحال بهذه الكيفية فالمهنة سوف تختفى من قرية "شبشير" رائدة صناعة عسل النحل الفاخر.

صناعة براويز العسل من الصناعات التكميلية المهمة فى القرية والتى يحتاجها النحل، والخلية هى بيت النحل ومصنع العسل، من داخل أحد البيوت الصغيرة وجدنا ثلاثة من الشباب يجلسون وأمام كل واحد منهم كومة من الخشب المتراص ولفائف من السلك المعدن، وقال لنا أحدهم: "على حميدة" أعمل فى صناعة البراويز، وأما خام الخشب فيأتى من السويد وهو من أجود أنواع الخشب ليتحمل السلك المشدود على الخلية وهذا السلك يتم تركيب الشمع عليه عن طريق العيون السداسية التى تبيض فيها الملكة ".

البيوت من الداخل سواء كانت قصوراً أو بيوتاً بسيطة سقفها مصمم على شكل سداسى، وهو شكل خلية النحل فالأهالى يتشبهون بالنحل  فى بيوتهم وكأنهم أصبحوا جزءا لا يتجزأ من حياة النحل.

عبد الله على مدير شركة مناحل ملكة مصر فى قريةحصة شبشيرأكد أن القرية لا يوجد بها عاطل أو متسول حتى السيدات يقمن بالتعبئة أو بالفرز، وقال أيضاً: بعد ارتفاع أسعار السكر اضطر بعض الأهالى لبيع ثروتهم من مناحل العسل بسبب نقص السكر، لأنحصة شبشيرتعتبر أكبر بلد على مستوى العالم فى تصدير عسل النحل وأيضاً النحل خارج مصر، ولو القرية عملت بكامل طاقتها فسوف يعادل دخلها دخل قناة السويس والكلام على مسئوليتى، وكل ما تحتاجه القرية هو دعم سلعة السكر فقط وساعتها سنريكم كيف سنسهم فى دعم الاقتصاد القومى، وكيف سنقضى على البطالة وإدخال العملة الصعبة للبلاد، لكن أن يصل سعر طن السكر لأكثر من 10 آلاف جنيه فى ظل عدم توفره أيضاً  فهو بالشىء الصعب الذى سيؤدى إلى كارثة على المهنة ولا يغطى تكاليف الإنتاج، وهناك ما يقرب من 300 ورشة نجارة تقدم خدمات لوجيستية للمهنة، فضلاً عن وجود 30 مصنعا "للاستانلس وصاج الفرازات" ومصانع للبلاستيك للعبوات ومصانع للزجاج وكل هذه المصانع مهددة بالتوقف بسبب ارتفاع أسعار السكر، أما عن الشهور التى يحتاج فيها النحل للتغذية فقال: هى الفترة من شهر فبراير إلى أغسطس حيث يحتاج النحل فيها لكميات كبيرة من السكر، بسبب عدم وجود بدائل طبيعية من الزهور فى هذه الفترة.

قال أيمن عتمان صاحب إحدى شركات الإنتاج الكبرى: العمود الرئيسى لهذه المهنة فى القرية هو الحاج إسماعيل عتمان ، المهنة موجودة من أيام الفراعنة ولكنه جعل من المهنة صناعة لكل سكان القرية حتى أصبحت "شبشير الحصة" قلعة صناعة العسل، لكن حالياً تتعرض المهنة للتخريب لأنها المهنة الوحيدة فى مصر التى ليس لها "راع"، والحقيقة أننا أصبحنا فى مشكلة كبيرة بسبب انحسار مساحات زراعة محصول القطن ، فالقطن كان يساعد المربين فى تغذية النحل طيلة أربعة شهور بالإضافة لأربعة شهور أخرى تغذية بالسكر، الآن نحتاج التغذية بالسكر طيلة ثمانية شهور،  ومع انخفاض جودة المحاصيل وأساليب التلقيح الأمر الذى أدى بدوره إلى نقص نسبة الرحيق فى الأزهار التى يتغذى عليها النحل، كل هذا أتى على حساب المهنة بالإضافة لارتفاع سعر السكر بنسبة 40% تجد أن كثيرا من المربين تركوا المهنة ولم يبق غير ورثة المهنة وهم من يحاولون إصلاح حالها، ونرجوا أن تكون فترة وتمضى، كما أننا طالبنا أكثر من جهة بضرورة مساعدتنا ولكن بسبب جهل بعض المسئولين بأصول المهنة لم نحصل على دعم، ذهبنا لوزير الزراعة قال لنا اذهبوا لوزير التموين، ووزير التموين قال لنا "هو النحل عاوز ـ هو الآخر ـ  سكر؟"

ويؤكد عتمان: النحل ركيزة أساسية فى زيادة المحصول الزراعى، فالنحلة تعمل على إخصاب الزهرة ومن ثم الثمرة تخرج بصفات جيدة، وأصحاب المزارع فى بعض الدول يجبرون أصحاب المناحل على وضعها عندهم من أجل عملية تلقيح الزهور، والنحل يطير 3 كيلومترات تقريباً فى جميع الاتجاهات، ويتم نقله  حسب المحاصيل، ففى الشتاء يسافر النحل إلى مرسى مطروح والساحل الشمالى ورفح وهى مناطق تنمو فيها الأعشاب الصحراوية وأعشاب صفراء تحفز النحل على التكاثر وإفراز العسل ونحن نحاول تأسيس نقابة للنحالين، وأنا عضو فى اتحاد النحالين العرب إلا أن أعضاء الاتحاد لا يعملون إلا بدوافع شخصية ولمصالحهم الخاصة التى تخدم الكبار ويتناسون صغار المربين، ومشاكل التصدير كثيرة بداية من صالة المطار حيث فوجئنا بالمسئولين يمنعون دخول النحل للساحة المبردة وأرغموا المصدرين على توقيع وثيقة تفيد بعدم مطالبتهم الشركة بأى تعويض عند وقوع أضرار حتى وصل النحل للخارج وهو نافق، الأمر الثانى أننا نتعامل بالدولار اليومى وخطوط الدول العربية تطلب بالدولار كاش، والدولار كل  يوم بسعر، حتى المحلول السكرى الذى يتم توزيعه على المناحل يتم التعامل معه على أنه سكر مهرب،  وعلى ما نثبت أنه محلول سكرى للنحل يكون النحل قد مات.!

ويقول عتمان: هذه المهنة كانت فى البداية معفاة من الضرائب ولكنها الآن تدفع ضرائب ولا يوجد خدمات ولا تسهيلات، ويضيف: العمود العلمى فى مصر عمود على ورق ودورات التلقيح الصناعى التى يسافر من أجلها الدارسون ليس لها علاقة بالواقع والدارسون بعد عودتهم لا يستطيعون التعامل مع الأجهزة التى من المفروض أنهم سافروا للتدريب عليها رغم وجود تطوير مستمر للسلالات فى الخارج، ولكن البحث العلمى فى مصر لا يتواصل معهم،  لكننا نحاول الآن عمل بروتوكول تعاون مع كليات الزراعة المصرية نساعد من خلاله الطلاب لزيارة المناحل وعمل دورات وندوات مشتركة نكون نحن الجهة العملية المشرفة، بينما تمثل الجهة النظرية ليكون الطالب المتخرج على دراية صحيحة بصناعة العسل.

 فوائد " لسع النحل" لخشونة الركبة!

يقوم النحل بجمع مادة "البروبلس" وهى مادة صمغية يجمعها النحل من براعم الأشجار وهى مضاد حيوى طبيعى يستعمله النحل فى تعقيم العيون السداسية قبل وضع البيض، ولو وجدت حشرة ميتة فى الخلية يقوم النحل بعمل غطاء من هذه المادة للقضاء على الحشرة الميتة وعزلها عن جو الخلية، وغالباً تكون هذه المادة فى شجر الكافور، وهذا ضمان طبيعى يضمن أن العسل الخارج من الخلية نقى 100%.. أما عن "لسع النحل" فقال عتمان: لو يعرف الناس قيمة لسع النحل لأحضر كل واحد فى بيته خلية للسع النحل وقد فعلتها كعمل خيرى للمرضى بخشونة المفاصل وتابعنا مع طبيب فوجدنا "لسع النحل" يحسن من الحالة فى خلال أسبوع، كما أن مريض السكر المبتدئ "اللسع"يجعله يشعر بنشاط البنكرياس بطريقة ممتازة، ويقضى على دوالى الساقين والشكوى من "تنميل" الأطراف، كل هذه الانواع من المضادات الحيوية الربانية وغذاء الملكات هو السحر الربانى الذى وهبه الله للعسل، فحوالى 10 جم من غذاء الملكات على كيلو عسل ويؤخذ منه ملعقة على الريق يوميا بملعقة خشب يعتبر مضادا حيويا طبيعيا لكل الأمراض".


 	عفاف علي

عفاف علي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

أم عماد: جزارة وأفتخر

تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل

التوحد الرقمى.. علة الجيل الجديد

الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...

حكاياتنا ربيع.. حتى لو مكانش الجو بديع

فى كل أحواله تتعدد الحكايات وتختلف طرق احتفال المصريين به

طقوس عابرة للزمن شم النسيم.. ربيع المصريين

تشير الدراسات أن المصريين احتفلوا بشم النسيم منذ 2700 سنة قبل الميلاد وكان اسمه فى اللغة المصرية القديمة «شمو» وتعنى...