طقوس عابرة للزمن شم النسيم.. ربيع المصريين

تشير الدراسات أن المصريين احتفلوا بشم النسيم منذ 2700 سنة قبل الميلاد وكان اسمه فى اللغة المصرية القديمة «شمو» وتعنى الحصاد وبعث الحياة

في صباح مختلف من كل عام، تستيقظ القاهرة على إيقاع أخف، كأن المدينة قررت أن تلتقط أنفاسها، وتترك لأهلها فرصة صغيرة للفرح. لا أصوات استعجال، ولا زحام معتاد، بل حالة من الترقب الهادئ ليوم يعرفه الجميع جيدا.. يوم شم النسيم، ذلك العيد الذي لا يحتاج إلى تعريف، ولا إلى دعوة، لأنه ببساطة يسكن وجدان المصريين منذ آلاف السنين.. ويمنحهم إجازة رسمية ينتظرها الكثيرون، ليس فقط للراحة، بل لطقس خاص يتكرر كل عام بنفس الحميمية.

هو يوم يجتمع فيه الأهل والأصدقاء، وتفتح فيه أبواب الحدائق، وتتحول فيه المدينة إلى مساحة واسعة من البهجة الممتدة على ضفاف النيل وفي كل شارع وحى، وقبل أن يصل هذا اليوم، تبدأ ملامحالاحتفال فى الظهور مبكرا، مع أيام تحمل دلالات خاصة في الذاكرة المصرية، مثل سبت النور" و "حد السعف"، وهما يومان يسبقان شم النسيم ويرتبطان به بشكل غير مباشر، سواء في الإيقاع الزمني أو في الطقوس الشعبية التي تمهد له.

سبت النور»

33 ففي سبت النور"، الذي يأتي قبل عيد القيامة مباشرة، يسود هدوء نسبي لكنه هدوء يحمل في داخله استعدادا لشىء قادم، اليوم يرتبط في الوجدان المسيحى بانتظار النور وبداية الفرح، وهو ما ينعكس على الشارع بشكل غير مباشر، حيث تبدأ الأسر في تجهيزات بسيطة لليوم الكبير من شراء مستلزمات الطعام، إلى التفكير في مكان الخروج.

أما حد السعف"، فهو أحد أكثر الأيام بهجة، حيث تخرج الزينة إلى الشوارع، ويحمل الأطفال سعف النخيل المشكل في أشكال جميلة من صلبان وتيجان وورود، في مشهد بصرى مبهج يملأ الكنائس والشوارع المحيطة بها هذا اليوم، رغم طابعه الديني، يضيف حالة من الفرح العام، ويبدو وكأنه تمهيد شعبي لقدوم الربيع، حيث تختلط الرمزية الدينية بروح الاحتفال الجماعي، هذا التتابع الزمنى لم يكن مصادفة، فمع دخول المسيحية إلى مصر، ارتبط موعد شم النسيم بعيد القيامة، ليأتي دائما فى اليوم التالي له، وهو ما سمح باستمرار الاحتفال دون تعارض مع فترات الصوم، خاصة أن الأطعمة المرتبطة به مثل الأسماك والبيض كانت ممنوعة خلال الصوم الكبير، وهكذا أصبح شم النسيم حلقة وصل بين طقوس قديمة جدا تعود إلى مصر الفرعونية، وممارسات دينية واجتماعية تطورت عبر العصور، دون أن تفقد روحها الأصلية، ومع صباح شم النسيم، تبدأ الحكاية التي يعرفها الجميع.

عائلات تخرج محملة بأكياس الطعام، أطفال يسبقون الجميع إلى المساحات الخضراء، وشباب يبحثون عن مكان يطل على النيل، حيث يمكنهم الجلوس لساعات طويلة بلا هدف سوى الاستمتاع في هذا اليوم، لا أحد يسأل: "هنعمل إيه ؟ لأن الإجابة ببساطة.. "هنخرج".

في الهواء الطلق

الحدائق العامة تظل العنوان الأبرز للاحتفال، حيث تتحول إلى مشاهد إنسانية مليئة بالحياة. في الحديقة الدولية، وحديقة الأزهر، وحدائق الـ زمالك وحديقة أم كلثوم بالمنيل والحديقة اليابانية بحلوان تتوزع الأسر فى مساحات واسعة، يجلس البعض على الأرض، ويفترش آخرون المقاعد، بينما يختار البعض الظل تحت الأشجار، في محاولة للهروب من حرارة الشمس، والاقتراب أكثر من نسيم الربيع.

ولا تتوقف الفسحة عند هذا الحد، فهناك من يفضل السير في شوارع وسط البلد، حيث تمتزج روحالمدينة القديمة بالحركة الخفيفة لهذا اليوم، وهناك من يقرر الصعود إلى برج القاهرة، ليرى العاصمة من أعلى في مشهد مختلف، بينما يتجه آخرون إلى المتاحف والمناطق الأثرية، في محاولة للجمع بين المتعة والمعرفة، أو حتى قضاء وقت بسيط في السينما، في تجربة لا تقل دفئا عن باقى اختيارات اليوم

تفاصيل صغيرة

لكن مهما اختلفت الأماكن تبقى التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع روح شم النسيم مائدة بسيطة، لكنها تحمل تاريخا طويلا. الفسيخ والرنجة يتصدران المشهد، ليس فقط كأطعمة، بل كطقس لا يكتمل اليوم بدونه إلى جوارهما، يقف البصل الأخضر والخس والبيض الملون، الذى يشارك الأطفال في تزيينه، في لحظة تجمع بين اللعب والتراث وراء هذه المائدة حكايات أقدم مما نتخيل، فالبيض الذي يبدو كزينة مرحة، كان عند المصريين القدماء رمزا لخلق الحياة من الجماد، وكانوا يكتبون عليه أمنياتهم ويتركونه مع شروق الشمس، إيمانا بأن النور سيمنحها فرصة للتحقق، أما البصل فقد ارتبط لديهم بفكرة الشفاء وطرد الشر، في قصة قديمة تحكى عن أمير شفى من مرض غامض، لتتحول تلك الثمرة البسيطة إلى رمز من رموز الحياة والانتصار على المرض الخس أيضا لم يكن مجرد نبات يؤكل، بل كان مقدسًا عند المصريين القدماء، رمزا للنماء والخصوبة، بينما جاء الفسيخ كامتداد لعلاقة المصرى القديم بالنيل، حيث برع في حفظ الأسماك وتجفيفها، ليكون طعاما مرتبطا بمواسم الحصاد والوفرة.

أصل الحكاية

كل هذه التفاصيل تقودنا إلى أصل الحكاية، حيث لم يكن شم النسيم مجرد يوم للخروج، بل عيدا يرتبط ببداية الحياة نفسها، تشير الدراسات إلى أن المصريين احتفلوا به منذ نحو ۲۷۰۰ قبل الميلاد، في زمن كانت فيه الطبيعة هي مركز الكون، وكانت دورة الفصول تحمل معانى أعمق من مجرد تغيير الطقس.

كان اسمه في اللغة المصرية القديمة شمو"، وهى كلمة تعنى الحصاد أو بعث الحياة، وترتبط ببداية فصل جديد يحمل الخير والنماء. ومع تطور اللغة تحولت الكلمة إلى "شم"، ثم أضيفت إليها النسيم"، في إشارة إلى اعتدال الجو وجمال هذا الوقت من العام، ليصبح الاسم كما نعرفه اليوم.

ولم يكن الاحتفال عاديا، بل كان يحمل طقوسا مبهرة.. كان المصريون القدماء يجتمعون أمام الهرم الأكبر وقت الغروب، في لحظة محسوبة بدقة، حيث يظهر قرص الشمس وكأنه يستقر فوق قمة الهرم في مشهد رمزي يعبر عن توازن الكون وبداية دورة جديدة للحياة، وكانوا يرون فى هذا اليوم لحظة خلق العالم، حيث تبدأ الحياة من جديد، ويخرج النور من الظلام، ولذلك ارتبطت به رموز كثيرة، من البيض إلى النباتات، ومن الزهور إلى الطعام، وكلها تحمل معنى واحد... الاستمرار.

ورغم مرور آلاف السنين، لم يفقد شم النسيم روحه... انتقل من عصر إلى آخر من الفرعوني إلى البطلمي والروماني، ثم إلى العصور الإسلامية، حتى أصبحعيدا وطنيا يحتفل به الجميع دون أن يرتبط بدين معين، وإذا كان الزمن قد غير شكل المدن وبدل تفاصيل الحياة، فإنه لم ينجح فى تغيير هذا اليوم، لا تزال العائلات تخرج ، لا تزال الحدائق تمتلئ، ولا تزال المائدة كما هي بنفس مكوناتها تقريبا، وبنفس المعنى الذي حملته منذ البداية.

في النهاية، قد يبدو شم النسيم مجرد فسحة"، لكنه في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير. هو لحظة يتوقف فيها الزمن قليلا، ليذكر المصريين بأن الفرح لا يحتاج إلى تعقيد وأن أبسط التفاصيل يمكن أن تحمل أعمق المعاني.

هو يوم يخرج فيه الناس بحثًا عن نسمة هواء فيجدون حكاية عمرها آلاف السنين، لا تزال تروى بنفس البساطة، ونفس الدفء، ونفس القدرة على أن تجعل الحياة أخف قليلا.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

بيب

المزيد من تحقيقات

أم عماد: جزارة وأفتخر

تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل

التوحد الرقمى.. علة الجيل الجديد

الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...

حكاياتنا ربيع.. حتى لو مكانش الجو بديع

فى كل أحواله تتعدد الحكايات وتختلف طرق احتفال المصريين به

طقوس عابرة للزمن شم النسيم.. ربيع المصريين

تشير الدراسات أن المصريين احتفلوا بشم النسيم منذ 2700 سنة قبل الميلاد وكان اسمه فى اللغة المصرية القديمة «شمو» وتعنى...