الأسباب الحقيقية وراء صرخات أصحاب مزارع الدواجن.. بعد تراجع الأسعار

ثروت الزينى: صرخات المربين حقيقية وليست مناورة.. ولابد من تدخل الحكومة د. طارق سليمان: الأزمة الحالية تكمن فى عدم كفاءة المنتجين.. والأسعار عادلة د. السيد القصير: منظومة الرقابة الفعالة نجحت فى تفكيك حلقات الاحتكار والمضاربات

بعد أشهر طويلة من الانفلات السعرى غير المسبوق الذي اكتوى بناره المستهلك، وشهدت فيه أسواق الدواجن والبيض قفزات قياسية تجاوزت كل الحدود والخطوط الحمراء، استيقظت الأسواق فجأة على وقع تصحيححاد وهبوط متتال ومفاجئ في الأسعار، هذا التراجع السريع، الذي أثلج صدور الملايين من الأسر وأعاد الأمل بإنفراجة في أسعار السلع الاستراتيجية، قوبل بصرخات استغاثة متعالية من داخل المزارع والشركات الإنتاجية، وتحذيرات لكبار المربين والمنتجين من انهيار وشيك للمنظومة وتكبد خسائر مالية فادحة قد تدفع بالكثيرين خارج السوق وبين رغبة المستهلك المشروعة في الحصول على أسعار عادلة تتناسب مع قدرته الشرائية المنهكة. وشكاوى المنتجين من عدم تماشى الأسعار الحالية لخطوط التكلفة الفعلية والإنتاجية، حاولنا البحث عن إجابة من أهل الاختصاص بشأن ما إذا كان ما يحدث في الأسواق حالياً هو عملية تصحيح تلقائية لأسواق العشوائية وجشع عانت لفترات طويلة من المضاربات الحلقات الوسيطة، أم أنه بداية الأزمة إنتاجية خانقة قد تعصف باستثمارات ضخمة تقدر بمليارات الجنيهات، بالكامل.

للتعرف على رؤية صناع القرار في القطاع الخاص والمنتجين التقينا بالمهندس ثروت الزيني نائب رئيس الاتحاد العام لمنتجى الدواجن والذي دق

ناقوس الخطر، مؤكدا أن التراجع الأخير في الأسعار لم يعد مجرد انخفاض طبیعی بل تحول إلى نزيف خسائر حاد يهدد أركان صناعة استراتيجية يعمل بها ملايين المصريين، وأضاف المهندس ثروت الزيني في حديثه الخاص أن الاتحاد دائما مع توفير بروتين رخيص للمواطن، ولكن ليس على حساب تدمير الحلقة الإنتاجية، موضحا أن الأسعار الحالية للدواجن والبيض فى المزارع هبطت إلى مستويات أصبحت فيها أقل بكثير من التكلفة الفعلية للإنتاج وهذا الوضع يعنى باختصار أن المربى يبيع اليوم بخسارة مباشرة، وإذا استمر هذا الوضع الأسابيع إضافية، سنشهد خروجاً جماعيا لصغار المربين والمنتجين الذين يمثلون عصب هذه الصناعة بنسبة تتجاوز ٦٠ وفئد نائب رئيس الاتحاد الادعاءات بأن التجار والمنتجين كانوا يتلاعبون بالأسعار قبل شهر، واصفا إياها بأنها ادعاءات تفتقد للدقة لأن الأسواق تحكمها آليات العرض والطلب الصارمة، لافتا إلى أن الصرخات التي تخرج اليوم من أصحاب المزارع هي صرخات حقيقية لإنقاذ استثماراتهم وليست مناورة، نظرا لأن تكلفة الكتكوت والأدوية والتدفئة والعمالة، بجانب العلف لا تزال مرتفعة مطالبا بتدخل حكومي عاجل لوضع آليات تحمى المنظومة، مثل تفعيل الزراعات التعاقدية بشكل حقيقي، وشراء فائض الإنتاج من الدواجن والبيض عبر الشركات القابضة للصناعات الغذائية وتخزينه کمخزون استراتيجي لإحداث توازن في الأسواق، بدلا من ترك المربى وحيداً في مواجهة تقلبات السوق العنيفة.

ومن جانبه، قدم الدكتور عبد العزيز السيد رئيس شعبة الثروة الداجنة بالغرفة التجارية بالقاهرة

تحليلاً متوازنا يربط بين آليات العرض والطلب والموسمية، حيث أشار إلى أن التراجع الكبير في الأسعار له أسباب موضوعية واضحة ترتبط بخروج الأسواق من فترة عيد الأضحى المبارك، والتي يقل فيها الطلب تقليدياً على الدواجن نظرا لوجود اللحوم الحمراء بكثافة فى الأسواق وداخل ثلاجات البيوت المصرية، وأوضح الدكتور عبد العزيز السيد في قراءته للمشهد أن هذا التراجع في الطلب تزامن مع إنتاج غزير جداً من الدواجن والبيض في المزارع، مدعوماً باستقرار الأحوال الجوية وحرارة الطقس التي ساهمت في حماية القطعان من الأمراض الوبائية المعتادة، مما أدى إلى طفرة كبيرة في المعروض تسببت طبيعيا في هبوط الأسعار ومع ذلك شدد رئيس شعبة الدواجن على ضرورة توخى الحذر والعدل في عملية التسعير، مطالباً بأهمية مراعاة التكلفة الفعلية التي يتكبدها العربي و مؤكداً أن استمرار انخفاض الأسعار إلى مستويات حادة دون النظر لراحة المنتج قد يؤدي إلى كارثة خروج صغار المربين من المنظومة الداجنة، وهو ما سيحدث عجزاً كبيراً في المستقبل، ولذا فإن التوازن والعدالة السعرية هما طوق النجاة الوحيد للسوق والمستهلك معا.

وانتقالاً إلى الجانب الفني والتنفيذي التقينا الدكتور طارق سلیمان رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة بوزارة الزراعة واستصلاحالأراضي، والذي أكد أن المنظومة الإنتاجية تشهد حاليا استقراراً كبيراً ومستداماً في الإفراجات الجمركية عن مدخلات صناعة الأعلاف من ذرة صفراء وفول صويا، وهو ما أسقط بالتبعية الحجج والذرائع التي كان يتعلل بها البعض الرفع الأسعار وأوضح الدكتور طارق سليمان أن الحسابات الفنية والحقلية التي تجريها اللجان المتخصصة بالوزارة بشكل دوري تؤكد أن تكلفة إنتاج كيلو الدواجن انخفضت بشكل ملحوظ مقارنة بالموجة التضخمية السابقة، وبناءً على أسعار الأعلاف الحالية في السوق، فإن السعر الحالي يضمن هامش ربح مقبول للمنتج الذي يدير مزارعه بكفاءة علمية وإدارية سليمة، وعن أسباب صرخات بعض المربين أشار رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة بالوزارة إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في الهدر الإنتاجي الفنى وليس في تكلفة المدخلات. حيث إن المزارع التقليدية غير المطورة وهي المزارع المفتوحة تعانى من ارتفاع نسب التفوق وتراجع معدلات التحويل الغذائي مقارنة بالمزارع المغلقة والحديثة، وشدد على أن الوزارة مستمرة في تقديم الدعم الفنى وتسهيل إجراءات تحويل المزارع للنظام المغلق عبر قروض ميسرة، مع العمل على وضع آليات تسعير استرشادية مرنة تحمى الملتزمين وتمنع التلاعب بقوت المواطنين.

ومن داخل أروقة البرلمان، كان للنائب السيد القصير رئيس لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي بمجلس النواب موقف واضح تجاه التطورات الأخيرة، حيث أكد أن البرلمان يتابع بدقة متناهية مسار الأسواق والمعاناة التي عاشها المواطن جراء الارتفاعات السابقة غير المبررة مشدداً على أن التحركات الحكومية الأخيرة جاءت متوافقة مع التوصيات البرلمانية الصارمة بضرورة الضرب بيد من حديد على أيدي أي متلاعب بقوت الشعب المصري، وأفاد القصير بأن منظومة الرقابة والخطط التنفيذية المشتركة بين وزارات التموين والزراعة والأجهزة الرقابية نجحت بالفعل في تفكيك حلقات الاحتكار والمضاربات العشوائية التي كانت تدار عبر منصات غير رسمية للتحكم في البورصة اليومية، وأشاد رئيس لجنة الزراعة بمجلس النواب بالتوسع الملحوظ في المنافذ السلعية والمعارض الحكومية التي طرحت منتجات الدواجن والبيض بأسعار مخفضة للمواطنين، مما خلق توازناً مطلوباً وأجبر آليات السوق الموازي على الانضباط، كما أشار إلى أن اللجنة تعكف على دراسة الأطر التشريعية والرقابية التي تضمن استقرار المنظومة دون إجحاف بحق المستهلك أو إضرار بالمنتج الملتزم، مؤكدا أن الأمن الغذائي للمواطن خط أحمر لا يمكن التهاون فيه تحت أي ظرف.

والتحليل أثر التحركات الشعبية على حركة السوق. أكدت الدكتور جمال زقزوق نائب رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك، أن دعوات المقاطعة التي أطلقها المواطنون تحت شعارات مختلفة لقطع شراء الدواجن والبيض، لعبت دوراً محورياً وغير مسبوق في كسر شوكة الارتفاعات السعرية وجشع بعض الحلقات الوسيطة، وأوضحالدكتور جمال زقزوق أن الآلية الاقتصادية للمقاطعة جاءت بسيطة لكنها قاتلة من الناحية التجارية، إذ أدت إلى تراجع حاد ومفاجئ في معدلات الاستهلاك والطلب اليومي ونظراً لأن الدواجن سلعة حية وقابلة للتلف والتفوق ولا يمكن الاحتفاظ بها داخل عنابر التربية لفترات طويلة بسبب تزايد تكلفة سحب الأعلاف يوميا الذي يتراوحبين ٢٥ إلى ٤٠ يوماً، فقد وجد المنتجون أنفسهم مجبرين على البيع بالأسعار المخفضة التي فرضها تراجع الطلب الشديد تجنباً لخسائر كارثية وأضافت رئيس اتحاد حماية المستهلك أن الأسر المصرية طبقت استراتيجيات بديلة ذكية خلال فترة الذروة لتقليل الضغط على ميزانياتها، تمثلت في اتجاه قطاع عريض نحو البروتينات النباتية والبقوليات مثل الفول والعدس والحمص، والاعتماد على الأسماك الطازجة والمجمدة التي حافظت على مستويات سعرية مستقرة، فضلاً عن انتشار ثقافة تقنين الكميات وشراء أجزاء محددة كالأجنحة والهياكل الصنع المرق، مما خلق حالة ركود تراكمية گیری داخل محلات التجزئة وأجبر المنظومة بأكملها على خفض الأسعار تحت وطأة المقاطعة السلبية الحادة وعزوف المشترين.

وعن الأرقام والإحصاءات يقول المهندس محمود العناني رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن والخبير الداجني، أن الهيكل الفعلى لتكلفة الإنتاج واستثمارات هذا القطاع، هو الأعلاف التي تتكون من ذرة وصويا، تمثل من ١٧٠ إلى ٧٥% من إجمالي تكلفة أي دورة إنتاجية، وقد شهدت في الفترة الأخيرة انخفاضاً ملموساً في سعر الطن بفضل الإفراجات واستقرار المعروض الدولاري، بينما يمثل الكتكوت عمر يوم واحد من 10% إلى 10% من التكلفة الإجمالية وقد استقرت أسعاره هو الآخر بعد موجة جنون سابقة، في حين تأتي الأدوية والتحصينات البيطرية لتمثل من 20 إلى 7%، وتمثل الطاقة من غاز وتدفئة وتبريد إلى جانب العمالة من إلى 10% وهي متغيرة حسب فصول السنة، وأكد العناني أن هذا التشريح الرقمي يثبت أن الانخفاض الكبير في أسعار الأعلاف كان لا بد أن يتبعه تلقائياً وبشكل فوري انخفاض مواز فى سعر المنتج النهائي بالأسواق ليعبر عن التكلفة الحقيقية ويمنح العربي الكفء هامش ربح عادلاً.

واستطرد المهندس محمود العناني حديثه موضحاً حجم هذه الصناعة بالأرقام الرسمية، مشيراً إلى أن حجم الاستثمارات في قطاع الثروة الداجنة في مصر يتجاوز حاجز الـ ۱۰۰ مليار جنيه، وتستوعب الصناعة ما يقرب من 3 ملايين عامل بشكل مباشر وغير مباشر، وتغطى نحو ٩٥% من احتياجات الدولة من البروتين الحيواني، وحذر رئيس اتحاد منتجی الدواجن من أن استمرار انهيار الأسعار إلى ما دون التكلفة للمزارع التقليدية المفتوحة قد يؤدى بالفعل إلى فجوة إنتاجية جديدة إذا ما أحجم المربون عن إدخال كتاكيت جديدة خوفاً من الخسائر، مما قد يتسبب بموجة غلاء أشد قسوة في المستقبل. ولذلك طالب بضرورة تدخل الحكومة الحماية هذه الاستثمارات المليارية عبر تفعيل قانون منع تداول الدواجن الحية وتحويل المنظومة إلى المبرد والمحمد الحماية المنتج من تقلبات البورصة اليومية العشوائية بالإضافة إلى تقديم قروض ميسرة من البنك الزراعي المصرى المساعدة صغار المربين على تطوير مزارعهم لتقليل نسب التفوق ورفع الكفاءة الإنتاجية وضمان بقائهم في دائرة الإنتاج.

من كل ما سبق يتضح لنا أن التراجع الحالي في أسعار الدواجن والبيض هو نتاج طبيعي وتصحيحي السوق عانى الفترات من التشوهات والمضاربات، وتحقق بفضل تكامل ثلاثية الرقابة الحكومية الصارمة، والوعى الشعبي عبر المقاطعة والبدائل الاستهلاكية. والإنفراجة الجمركية في ملف الأعلاف، إلا أن الحل المستدام للأزمة لا يكمن في فرحة مؤقتة للمستهلك قد تتبعها انتكاسة إنتاجية، ولا في أرباحمبالغ فيها للمنتجين على حساب أقوات المواطنين إن المخرج الحقيقي يتطلب صياغة استراتيجية وطنية شاملة ومستدامة للثروة الداجنة، تقوم على أربعة محاور أساسية تتمثل أولا في تفعيل بورصة عادلة وشفافة للدواجن تشرف عليها الدولة وتعتمد على حسابات تكلفة حقيقية ومحدثة أسبوعياً، وثانياً في تقليص الحلقات الوسيطة والتجار الجشعين الذين يلتهمون الجزء الأكبر من الأرباحويزيدون العبء على المستهلك والمنتج معا، وثالثاً في دعم صغار المربين تكنولوجيا ومساعدتهم في التحول إلى الأنظمة المغلقة لرفع كفاءة الإنتاج وتقليل الهدر، ورابعاً في التوسع العمودي في زراعة محاصيل الأعلاف محلياً لتقليل الاعتماد على الاستيراد وحماية المنظومة من الهزات العالمية وفقط من خلال هذه الرؤية المتوازنة والمستدامة. يمكننا ضمان استقرار الأسواق، وحماية استثمارات الدولة المليارية في هذا القطاع، وتوفير الدواجن والبيض بأسعار عادلة ومستقرة فوق مائدة كل أسرة مصرية.

 

 	حنان موج

حنان موج

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من اقتصاد

الأسباب الحقيقية وراء صرخات أصحاب مزارع الدواجن.. بعد تراجع الأسعار

ثروت الزينى: صرخات المربين حقيقية وليست مناورة.. ولابد من تدخل الحكومة د. طارق سليمان: الأزمة الحالية تكمن فى عدم كفاءة...

إنتاج الكهرباء على الأسطح.. البديل الأمثل لمواجهة أزمة تحقيق الأحمال

عبد المنعم: توجه الدولة نحو التوسع فى تركيب الألواح الشمسية يمثل تحولاً استراتيجياً سامى: العقبة الأكبر فى التمويل وعلى الحكومة...

مصر تحصد اعترافًا عالميًا بمبادرة «المواطنة الرقمية» والسلامة الإلكترونية

بعد منافسة واسعة ضمت مئات المبادرات والمشروعات من مختلف دول العالم نجحت مصر في تحقيق إنجاز دولى جديد في قطاع...

كجوك من لندن: الاقتصاد المصرى يمضى نحو مرحلة أكثر جذبًا للاستثمار

شهدت العاصمة البريطانية لندن سلسلة من اللقاءات المكثفة التي عقدها وزير المالية أحمد كجوك مع مستثمرين دوليين وممثلى مؤسسات مالية...


مقالات

مصر وأزمات المنطقة
  • الإثنين، 22 يونيه 2026 10:59 م
حكاية "الصدق والكذب"
  • الإثنين، 22 يونيه 2026 10:00 ص
السيسي في قمة الكبار
  • الإثنين، 22 يونيه 2026 09:00 ص