عبد المنعم: توجه الدولة نحو التوسع فى تركيب الألواح الشمسية يمثل تحولاً استراتيجياً سامى: العقبة الأكبر فى التمويل وعلى الحكومة تقديم قروض ميسرة
في قلب التحديات الاقتصادية المتسارعة التي تفرض ضغوطا خانقة على ميزانيات الأسر ومعدلات نمو المصانع، يبرز التوجه نحو الطاقة الشمسية كحلم وطني يرتقى من مستوى الرفاهية البيئية إلى ضرورة حتمية لأمن الطاقة الشخصى والمؤسسي. تستعد الدولة المصرية لإطلاق مبادرة غير مسبوقة تهدف إلى تحويل أسطح المنازل والمنشآت الصناعية إلى محطات توليد نظيفة، في محاولة جادة للقضاء على صداع فواتير الكهرباء المزمن الذي بات يرهق كاهل المواطن والمستثمر على حد سواء. وهذا التحول ليس مجرد استبدال لمصدر الطاقة، بل هو إعادة صياغة كاملة للعلاقة بين المستهلك والشبكة القومية حيث ينتقل المواطن من كونه الطرف المستقبل للخدمة إلى منتج وشريك في معادلة الطاقة...
في هذا التحقيق، نبحث في تفاصيل هذه المبادرة ونستعرض رؤى الخبراء والمختصين حول مدى واقعية هذا المشروع، وقدرته على الصمود أمام الظروف الجوية، وجدواه الاقتصادية في ظل تقلبات السوق، لنكشف الحقائق الكامنة خلف الألواح الزجاجية التي تستعد قريبا لغزو الأسطح المصرية.
الواقع التقنى وتحديات التطبيق
في البداية يرى المهندس محمد عبد المنعم" استشارى الكهرباء والطاقة عضو مجلس إدارة جمعية المهندسين الكهربائيين المصرية ومقرر
اللجنة الاستشارية بنقابة المهندسين الفرعية بالجيزة ان توجه الدولة المصرية نحو التوسع في تركيب الألواح الشمسية يمثل تحولا استراتيجيا يتجاوز كونه إجراء مؤقتا لمواجهة تحديات الطاقة ليعيد صياغة المشهد الاقتصادي والصناعي في البلاد، وتتمثل الرؤية الحكومية والخبيرة في هذا الصدد في عدة أهداف محورية؛ أولها تخفيف العبء الثقيل عن الشبكة القومية للكهرباء وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي، وتستهدف مصر رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى نسبة تتراوحبين ٤٢ إلى ٤٥% بحلول عام ۲۰۳۰، صعودا من النسبة الحالية البالغة ١٤ بإجمالي قدرات ۹٫۳ جيجاوات وهو ما يفتح الباب أمام دور حيوي للقطاع الخاص علاوة على ذلك، أصبحت الطاقة الشمسية ضرورة تنافسية للصادرات المصرية خاصة في ظل اشتراطات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بـ "المنتجات الخضراء"، حيث تساهم هذه الطاقة في خفض فاتورة الكهرباء وتحويل المنتج المحلى إلى منتج صديق للبيئة، مما يعزز من فرص نفاذه للأسواق العالمية.
توطين الصناعة وتنافسية التكاليف
ويضيف عبد المنعم ان مصر انتقلت بخطوات واثقة نحو توطين تكنولوجيا الطاقة الشمسية مستفيدة من وفرة المواد الخام مثل الكوارتز والمعادن الأرضية النادرة، وقد تجسد هذا التوجه في افتتاحمجمع مصانع إنتاج الكوارتز بالعين السخنة في مايو ۲۰۲۳، كأول مشروع من نوعه في المنطقة العربية وإفريقيا، إلى جانب تواجد 3 إلى ٤ شركات كبرى تعمل حاليا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس الإنتاج الألواح محليا، وفي هذا السياق، ألزم المجلس الأعلى للطاقة محطات الطاقة الشمسية بالاعتماد على المكونات المحلية بشرط تنافسية السعر والمواصفات.
وأكد ان أسعار الألواح الشمسية في عام ٢٠٢٦ تشهد استقرارا نسبيا، حيث يتراوح سعر اللوح بقدرة ٤٥٠ وات بین ۳۲۰۰ و ۳۸۰۰ جنيه، بينما يتراوح سعر اللوحبقدرة ٥٠٠ وات بين ٣٦٠٠ و ٤٢٠٠ جنيه. أما الألواحبقدرة ٥٥٠ وات فتتراوح أسعارها بين ٣٩٠٠ و ٤٦٠٠ جنيه، وتصل الألواح بقدرة ٦٠٠ وات إلى ما بين ٤٢٠٠ و ٥٠٠٠ جنيه، مع العلم أن هذه الأسعار لا تشمل تكاليف البطاريات أو "الإنفرتر" أو التركيب.
التزام وحسابات جدوى
وأشار عبد المنعم الى فرض المجلس الأعلى للطاقة على المصانع الكبرى كثيفة الاستهلاك تدبير ٢٥٪ من احتياجاتها من الطاقة عبر المصادر المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، وتبرز أهمية هذا القرار عند مقارنة تكلفة إنتاج الكيلو وات ساعة؛ حيث تبلغ تكلفة الطاقة الشمسية نحو ٢ سنت (ما يعادل 1 جنيه تقريبا بسعر ثابت يمتد لـ ٢٥ عاما، في المقابل شهدت تكلفة إنتاج الطاقة التقليدية ارتفاعات حادة بلغت ٦٠ متأثرة بتقلبات أسعار الصرف وأسعار الوقود. مؤكدا على أن دراسات التكلفة المستوية للطاقة (LCOE) تشير إلى أن تكلفة الشمسية التقليدية تبلغ ٤٣ دولارا لكل ميجاوات ساعة حوالی ۲,۱۵ جنيه / كيلو وات بينما ترتفع التكلفة عند استخدام بطاريات التخزين ذات الكفاءة العالية (٩٥%) لتصل إلى ۱۱۳ دولارا لكل ميجاوات ساعة (حوالي ٥,٦٥ جنيه / كيلو وات).
ولفت "عبد المنعم" انه على عكس التصورات الشائعة، تستمر الأنظمة الشمسية في العمل خلال الشتاء والغيوم، وإن كانت بكفاءة أقل فالأنظمة تصمم لتلبية احتياجات "أسوأ شهر إنتاج" في العام مع الاعتماد على الربط بالشبكة (Net Metering) التعويض أي عجز، وأنه من المفارقات أن الطقس البارد يعزز كفاءة الألواح؛ حيث إن الحرارة المرتفعة تؤثر سلباً على أداء الخلايا.
مضيفا انه للاستخدام الليلي، تبرز بطاريات الليثيوم (LiFePO) كحل متطور يتسم بطول عمر الدورة والشحن السريع والأمان، مدعومة بأنظمة إدارة ذكية (BMS) للحماية، وقد أصدر جهاز تنظيم الكهرباء الكتاب الدورى رقم 5 لسنة ٢٠٢٦ لتنظيم تراخيص هذه الأنظمة، حيث تتراوح أسعار بطاريات الليثيوم بین ۱۶,۰۰۰ و ۲۰,۰۰۰ جنيه، مع الإشارة إلى أن الأنظمة الهجينة تعامل كوحدة واحدة في الرسوم التنظيمية.
وحسبما يرى "عبد المنعم" فإنه فيما يخص المخاطر على الأجهزة المنزلية فهى متعدمة في حال التركيب الصحيح باستخدام معدات معتمدة، ويظل "الإنفرتر" هو المكون الأكثر حساسية؛ حيث إن تلفه أو سوء تركيبه قد يؤدى لخلل في النظام، لذا تشدد الجهات الرسمية على ضرورة اختيار شركات معتمدة من هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، وتتطلب هذه الأنظمة صيانة دورية بسيطة تشمل تنظيف الألواحمن الأتربة وتوفير تهوية جيدة للإنفرتر، علما بأن العمر الافتراضي للألواح يصل لـ ٢٥ عاما، بينما يتراوح عمر الإنفرتر بين ١٠ إلى ١٥ عاما.
جهود حكومية تحفيزية
واختتم المهندس عبد المنعم كلامه بالقول: انه في سبيل تسريع وتيرة التحول، طرحت الحكومة حزمة حوافز تشمل تمويلا ميسرا عبر البنوك قروض تصل ل ٥٠٠,٠٠٠ جنيه بأجل سداد ۱۰ سنوات)، وإصلاحات تنظيمية لتسهيل الربط بالشبكة، ودراسات الحوافز ضريبية وجمركية جديدة لدعم التصنيع المحلي وتأتي مبادرة "شمس مصانعنا" لتتوج هذه الجهود مستهدفة تركيب محطات طاقة شمسية لـ ٧٠٠ مصنع في إطار خطة وطنية شاملة للاستفادة من الموارد الطبيعية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
التحليل الاقتصادي وأبعاد المبادرة
من حايته أكد الدكتور "هانى سامي" خبير اقتصاديات الطاقة أن التوجه الحكومي نحو الطاقة الشمسية هو تحرك ذكى يهدف إلى تخفيف عبء الدعم عن الموازنة العامة، من خلال تمكين المواطن من إدارة استهلاكه بنفسه، كما أن المقارنة الحسابية بين تكلفة إنتاج الكهرباء من الألواح وبين تكلفة توليدها من المحطات التقليدية التي تعتمد على الغاز الطبيعي والمازوت تميل وبشكل واضحالصالح الشمس خاصة عند احتساب التكاليف البيئية والفوائد الناتجة عن توفير الوقود لتصديره أو توجيهه للصناعات التحويلية.
وأضاف "سامى" أن العقبة الأكبر ليست في التكنولوجيا، بل في القدرة المالية للمواطن على دفع التكلفة التأسيسية للمحطة، وهنا يأتى دور الحكومة والقطاع المصرفي في تقديم حلول تمويلية مبتكرة تشبه نظام القروض الميسرة، حيث يتم دفع قيمة المحطة على أقساط طويلة الأجل تعادل قيمتها في الغالب ما يوفره المواطن من فاتورة الكهرباء الشهرية، هذا النموذج يحول المواطن من مستهلك سلبي يترقب زيادة الأسعار إلى مستثمر صغير يساهم في دفع عجلة الاقتصاد الوطني.
بالنسبة للمصانع، يرى "سامي" أن المبادرة يمكن أن تكون طوق نجاة للصناعات الصغيرة والمتوسطة. حيث تمثل فاتورة الكهرباء جزءا كبيرا من التكاليف المتغيرة، كما أن الاستثمار في الطاقة الشمسية يعطى هذه المصانع استقرارا في التكاليف السنوات طويلة، وهو ما يساعد في تسعير المنتجات بشكل تنافسي.
وفيما يخص فترات الليل قال: إن الحل العملي في الوقت الحالي لا يكمن في الاعتماد الكامل على البطاريات التي لا تزال باهظة الثمن، بل في نظام صافي القياس الذي يسمح للمنشأت بضخ الفائض نها را وسحبه ليلا من الشبكة القومية، وهو نظام يحتاج إلى تفعيل أكبر وتوسع من قبل الجهات المسؤولة.
حلول التخزين والتحول الرقمي
من ناحيته رأى المهندس "خالد عزمي" خبير تقنيات التخزين والتحول الرقمي: أن جوهر المبادرة يجب أن يركز على تكنولوجيا التخزين والذكاء الاصطناعي في إدارة الأعمال، موضحاً أن الألواح وحدها لا تكفى للمنشآت التي تحتاج إلى طاقة مستمرة، وهنا يأتي دور بطاريات الليثيوم المتطورة التي تشهد انخفاضا متسارعا في أسعارها عالميا، كما إن دمج هذه البطاريات في المبادرة الوطنية سيجعل من استخدام الطاقة الشمسية حلا جذريا وليس مجرد مسكن للأزمة، خاصة في المناطق النائية أو المصانع الحيوية التي لا تتحمل انقطاع التيار
وأشار عزمى إلى أن الأمان ومعامل الاعتمادية في المحطات الشمسية الحديثة وصل إلى مستويات مذهلة، حيث يتم التحكم في كل لوح عن طريق أجهزة مراقبة ذكية تكشف أي خلل فور وقوعه، أما عن التخوف من أحمال الأسطح، فيؤكد "عزمي" أن الشركات الهندسية تعتمد الآن على هياكل معدنية خفيفة الوزن وموزعة بطريقة تمنع أي إجهاد إضافي على مباني المنازل، مما يجعل الفكرة قابلة للتطبيق حتى في الأبنية القديمة بعد فحص بسيط.
وفيما يخص الصيانة، قال: إن المحطات الشمسية هي الأقل احتياجا للصيانة بين كل مصادر الطاقة. فيمجرد تركيبها، تقتصر المهام على الفحص الدوري للتوصيلات والتأكد من نظافة الأسطح الزجاجية. أما الأعطال الكبيرة فهي نادرة الحدوث، وفي حال حدوثها، فإن نظام الضمان المقدم من الشركات المصنعة والمحلية يغطى أغلب الحالات ويختتم رؤيته بالتأكيد على أن الحكومة تحتاج إلى إنشاء منصة رقمية موحدة للتعامل مع المبادرة، بحيث تتيح للمواطنين حجز المعاينة الفنية، والحصول على التمويل البنكي، وإنهاء كافة إجراءات الربط مع شركة الكهرباء في مسار رقمي سريع ينهى عهود البيروقراطية الطويلة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ثروت الزينى: صرخات المربين حقيقية وليست مناورة.. ولابد من تدخل الحكومة د. طارق سليمان: الأزمة الحالية تكمن فى عدم كفاءة...
عبد المنعم: توجه الدولة نحو التوسع فى تركيب الألواح الشمسية يمثل تحولاً استراتيجياً سامى: العقبة الأكبر فى التمويل وعلى الحكومة...
بعد منافسة واسعة ضمت مئات المبادرات والمشروعات من مختلف دول العالم نجحت مصر في تحقيق إنجاز دولى جديد في قطاع...
شهدت العاصمة البريطانية لندن سلسلة من اللقاءات المكثفة التي عقدها وزير المالية أحمد كجوك مع مستثمرين دوليين وممثلى مؤسسات مالية...