الخوف من سوء الفهم لم يمنعنى من كتابة «الراعى» حاولت أن أجعل الجغرافيا والتاريخ نبضًا حيًّا يتحرك من خلال البشر وذاكرتهم
حنان سليمان كاتبة وصحفية، صدر لها مؤخراً كتاب، "رحلة فى ذاكرة الحرب: البوسنة والهرسك"، ويصنف ضمن أدب رحلات، الكتاب هو وسيلة للبحث عن ذاكرة المكان والإنسان، متجاوزة الصورة النمطية التى تختزل البوسنة فى الحرب، كما لها تجربة فى كتابة الرواية بعنوان "الراعى"، تناولت من خلالها قضايا التسلط الروحى والاستغلال باسم الدين، عن كتابها وعن الرواية وعن عملها القادم تحدثنا معها.
ما الذى كنت تسعين له فى كتابك "رحلة فى ذاكرة الحرب.البوسنة والهرسك"؟
الكتاب محــاولة للغــوص فـى الطبقات العميقة لذاكرة مكان تعرض لصدمة كبرى وكيف يعيش حاضره..يمزج بين المادة التوثيقية والسرد الأدبى والـــذاتى، ويتتبــع كيــف تحـــولــت سريبرينيتسا وغيرها من القرى والمدن البوسنية إلى رموز حية للذاكرة الحضارية.هو رحلة فى روح المكان، وتأمل فى أثر الحرب على الإنسان، ومحاولة لقراءة التاريخ القريب عبر وسائل افتقدها زمانه.
اخترت عنوان "رحلة فى ذاكرة الحرب" وليس "رحلة إلى البوسنة"، هل كانت الذاكرة هى وجهتك الحقيقية أكثر من المكان نفسه؟
المكان ليس إلا عتبة ظاهرية، والرحلة فى الماضى تتتبع آثار انقضت، أما مفهوم الذاكرة الحضارية - كما وضعه "يان أسمان"، عالم المصريات الألمانى- فتتحول فيه الأمكنة التى شهدت صدمات كبرى، مثل البوسنة، إلى مساحات مقدسة لا يتم طمسها، وتبقى مُحملة بالرموز والقصص التى تنتقل عبر الأجيال.لامست هذه الذاكرة الحية والمتألمة فى رحلتى إلى هوية المكان، وإعادة إنتاج معناه، دون أن يغيب البعد الفلسفى الكامن وراء ذكرى الإبادة، وهو التساؤل الذى ينزع الإنسانية عن بنى الإنسان، بحيث يصبح البعض "تجسيدًا للشر"، كما وُصف مجرم الحرب الصربى راتكو ملاديتش، مهندس إبادة سريبرينيتسا الذى توفاه الله قبل أسابيع قليلة.هذا وصف يستدعى تأملًا طويلًا أمام تداعيات السقوط الأخلاقى للبشر.
وصفت الرحلة بأنها "سفر ثقافى معرفي" لا يخضع لمنطق السياحة التجارية.ماذا كنت تبحثين عنه فى البوسنة بعيداً عن الصورة السياحية المعتادة؟
سافرت أقتفى أثر حرب انقضت..كانت أول مأساة شاهدتها عينى على الشاشات، وأنا طفلة.مرت السنوات وكبر فيّ السؤال، وأردت أن أفهم ماذا حدث فى التسعينات.فى البوسنة طبيعة آسرة؛ شواطئ وشلالات وجبال وأنهار، كما أنها مقصد عالمى للتزلج، لكنى لم أحجز رحلتى مع شركة سياحية لأزور كل هذا.سجلتُ مع جامعة صيفية، وكنتُ ضمن مجموعة صغيرة قُبلت فى البرنامج المليء بالحوارات واللقاءات والنقاشات حول البوسنة، لنختتم الفعاليات بالمشاركة فى المسيرة السنوية لإحياء ذكرى الإبادة فى سريبرينيتسا.
البوسنة فى الكتاب ليست بلد ارتبط بالحرب والإبادة، بل بلد له تاريخ وتراث، هل هدفك كان كسر الصورة المختزلة للبوسنة فى ذاكرة القارئ العربي؟
كان هدفى شخصيا للغاية.سافرت إلى البوسنة بفضول طفلة ترغب فى اكتشاف ما حدث.ولم يكن مخططًا أن أخرج بكتاب عنها.لكن ثراء الرحلة وعمق المعايشة، دفعانى لكتابة الكتاب، خاصة أنى لم أجد فى المكتبة العربية سوى القليل من الكتب عن البوسنة، وأغلبها بحثى أكاديمى، لا يناسب القارئ العادى، أو كتب تغلب عليها العاطفة على حساب الحقائق، فأردت أن يلبى كتابى هذا الاحتياج المعرفى.
الكتاب يرصد البوسنة من خلال الجغرافيا والتاريخ والحرب.كيف وازنت بين المادة التوثيقية والحضور الأدبى فى كتابة الرحلة؟
لم أرد للكتاب أن يكون سردية تاريخية جافة، وفى الوقت ذاته هو يستند بشدة إلى التاريخ، الذى لا بد من استعراضه وفهمه.المادة التوثيقية كانت بمثابة الجذع الصلب، فيما حاولت أن أجعل الجغرافيا والتاريخ نبضًا حيًّا يتحرك من خلال البشر وذاكرتهم.أردتُ أن ينتقل القارئ من المكان كوثيقة، وما جرى عليه من قسوة تاريخية، إلى رحابة التجربة الإنسانية والمشاعر العميقة التى تركتها الحرب، ليكون النص رحلة فى النفس قبل أن يكون رحلة فى الخريطة.
حصلت مخطوطة الكتاب على تنويه فى جائزة ابن بطوط لأدب الرحلة، ماذا يمثل لك هذا التقدير؟ وهل شعرت أنه يؤكد أن تجربتك تجاوزت فكرة تسجيل رحلة إلى أدب رحلة حقيقية؟
تقدير جائزة ابن بطوطة شرف لتجربتى فى الترحال إلى البوسنة والكتابة عنها.ربما عملى صحفية يفرض نفسه على ما أكتب، من ناحية المعلومة والتوثيق، بما قد يجعل الكتاب أعمق وأثقل من كتب أدب الرحلة المعتادة، خاصة وأن الكتاب يدور حول الحرب، وهو موضوع ثقيل بلا شك، لكنى سعيدة بخروج الكتاب مدعومًا بالصور، وفى شكل تفاعلى عبر رموز الاستجابة السريعة، التى يمكن قراءتها بواسطة الهواتف الذكية، ليحيل إلى عشرات المصادر، ما بين الأغنية والفيلم والصورة والمرجع، متأملًا التاريخ والوجدان الإنسانى، ومحولًا الأماكن المعذبة إلى مساحة للتفكير والبوح والاشتباك مع الذاكرة.
روايتك الأولى "الراعى" تتناول عالم الجماعات الدينية المغلقة، وما يمكن أن ينتج عنه من تسلط روحى، ما الذى دفعك للاقتراب من هذا العالم؟
صدقًا.. القدر.كنتُ أحضر مجالس دينية، فوجدتُ نفسى فى قلب هذا العالم الغريب، والمريب فى الوقت نفسه. الصحفــى أحيــانًا يلجأ إلى المعايشة ليكتب من قلب الحكاية التى اختار موضوعها، أما فى حالتى فجاءت المعايشة سابقة لاختيار الموضوع الذى سأكتب فيه.وبقدر انغماسى، عرفت الكثير من القصص المأساوية على تنوعها، وشهدتُ بعضها فكان اختيارى حينها هو القلم.
الرواية تدور بين مصر والمغرب، هل كان هذا الامتداد الجغرافى ضرورياً لبناء الرواية؟
المغرب كانت جزءًا أصيلًا حاضرًا فى بعض القصص الواقعية.هذا الامتداد فى الرواية يمنح السرد نفسًا أوسع، بما لكل بلد من إرث ثقيل، وجذور يتشاركـــان فيهــا، ويتمـــايـــزان فــى التفاصيل.
الــروايــة تضـــع الشخصيـــات النسائيــة فـــى مـــواجهـــة الابتــزاز الوحى والعاطفى، لماذا اخترت أن يكون الصراع من خلال تجارب النساء تحديداً؟
لأنهن الأكثر انقيادًا للوهم والإذعان والتسليم التام، والأكثر عرضة للخداع والخسارات والانهيارات الكبرى، بحكم العاطفة الغالبة.هذا حديث فى العموم، وليس تعميمًا مطلقًا بالتأكيد، فبعض النساء يغلب فيهن العقل على العاطفة.
النص يتناول ما يمكن وصفه بالإساءة الروحية.هل كان اختيار المصطلح مقصود لتقديم ظاهرة تتجاوز مجرد الخلاف الديني؟
نعم، لأن هناك إساءات ومظالم، يرتكبها قادة وزعماء، يدعون أنهم يسلكون بالناس الطريق إلى القوة العليا أو الركن الشديد الذى يركنوا إليه، دون الانتماء لدين أو معتقد بعينه.الرواية لم تُسمِّ الفئة الدينية التى تنتمى إليها رابطة السُليميين، وإن أعطت أمارات عليها، لأن الإساءة الروحية ليست قاصرة على هذه الفئة أو تلك، بل الهدف أن نستبين هذا السبيل بتشـابهــاته وتقاطعاته، أيًا كانت الفئة أو المعتقد الذى عليه أصحابه.
"الـــــراعى" دخلــت القـــائمــة القصيرة لجائزة بيت الغشام للترجمة إلى الإنجليزية، فماذا يعنى أن ينتقل النص من القارئ العربى إلى قارئ بلغة وثقافة مختلفة؟
الدلالة كبيرة، وهى أن النص إنسانى عابر للحدود، ومتجاوز لبيئته المحلية، يحمل همًّا مشتركًا للإنسان أينما كان.الترجمة الإنجليزية للراعى قامت بها المترجمة الأدبية المميزة د.سارة عنانى، لكننا لم نتعاقد على نشرها مع ناشر أجنبى بعد.وما زالت المحادثات قائمة.
الرواية تقترب من علاقة السلطة الدينية بالفرد، هل واجهت أثناء الكتابة خوفاً من سوء فهم الفكرة أو اختزالها فى موقف ضد الدين؟
نعم، لكن الخوف لم يمنعنى من الكتابة أو النشر، بل راهنت على صدق الحكاية، وعلى وصولها كما أردت.سوء الفهم لا يعنى بالضرورة قصورًا فى الرسالة (الرواية فى هذا السياق)، بل قد يكون نتيجة لزاوية التلقى المحدودة.
اختارتك مجلة "أرابيان بيزنس" ضمن قائمة أقوى 100 امرأة عربية لأربع سنوات متتالية بسبب تجربة "المندرة".ما تفاصيل هذه التجربة؟ وهل شعرت أن هذا التقدير انتصار لفكرة الصحافة المحلية؟
المندرة كانت منصة محلية للصعيد، عمادها صحفيين شباب من الوجه القبلى.أُلهَمت فكرتها قبل ثورة يناير، أثناء زمالة صحفية فى الخارج، واستقلتُ من عملى فى مؤسسة روزاليوسف من أجل هذا الحلم، وبذلت له ما استطعت، حتى قامت المنصة تحت مظلة مؤسسة أهلية، سجلناها لنفس الغرض الإعلامى.كانت فترة نشاط كبير وعمل دؤوب، انطلاقًا من أهمية دعم اللامركزية، واستقلال الإعلام، والحق فى التمثيل الجغرافى العادل، لكنها أيضًا كانت فترة مليئة بالتحديات الكبرى، ليس فقط على مستوى العمل، بل للظروف السياسية التى عاشتها مصر آنذاك، والتى بالنهاية اضطرتنا إلى الإغلاق.لكل جاء تقدير مجلة "أرابيان بيزنس" تكريمًا لعطاء وجُهد لم يُكتب لهما الاستمرار.
تجمع تجربتك بين الصحافة والـــرواية وأدب الـــرحــلات ودراسة النقد الأدبــى. أيـهــم الأقـــرب لمشروعك الحقيقى ككاتبة؟
الكتابة هى الوعاء الأكبر الجامع لكل هذه الروافد والمجالات المعرفية والمهنية، التى لكل منها سحر وشغف.الصحافة فضول ومعلومة وتوثيق ومساءلة.والرواية حكاية وعالم كامل وقَصص.والرحلة سفر فى النفس، واكتشاف للآخر، ووقود إلهام وتغيير.والنقد ملكة نظر، وأسلوب تفكير، وحياة كاملة.هذه المعارف كلها تزيد الإنسان ثراء، فينعكس علمه وقراءاته ومشاهداته وتجاربه الحياتية على كتاباته.
ما مشروعك القادم؟
رواية واقعية، أكتب فيها منذ أربع سنوات، وأوشكت على الانتهاء منها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
القرية صغيرة، حفظها الطفل شبراً شبراً، من آخر البيوت إلى حدود الإسفلت.. والمدينة الكبيرة قريبة، "فركة كعب" وتجد نفسك فى...
يروى علاقته بالشيخ من كلية الحقوق إلى «بانوراما الميدان» محمود جبر: لا نستطيع أن نقـــــــول «إمــام» مــن دون «نجم» أحمد...
الخوف من سوء الفهم لم يمنعنى من كتابة «الراعى» حاولت أن أجعل الجغرافيا والتاريخ نبضًا حيًّا يتحرك من خلال البشر...
«سنوات المجهود الحربى» حاول إنصافها وفيلم «الست» جدد الجدل حولها 7 أكتوبر حكم القضاء الإدارى فى دعوى سحب الفيلم والكتاب...