نهى عودة: السفر المادة الخام التى أنسج منها نصوصى

«عن العشق والسفر» سلسلة تجمع عبق التاريخ وبصمة الحاضر الإبحار فى الذكريات لا يقل روعة عن صناعتها

التاريخ، والعمارة، وسحر الحجر ورواح البشر.. مفاتيح لا بد أن تدركها وتستشعرها قبل الدخول إلى عالم الكاتبة نهى عودة الأدبي، التي تسافر بك إلى بلاد متعددة وتستعرض تاريخ وحضارة كل بلد، وفي سلسلتها "عن العشق والسفر" مزجت بين أدب الرحلات والتاريخ، بشكل يثير بداخلك الحنين للذكريات والعائلة والحب. وبجانب إبداعها في الكتابة بدأت تخطو خطواتها الأولى في الترجمة. في السطور القادمة نحاورها..

كيف بدأت رحلتك مع الكتابة ومتى اتخذت قرار نشر أعمالك؟

بدأت بكتابة اليوميات والشعر، ثم الرسائل. كانت اليوميات النواة الأولى لما أصبح لاحقاً جزئية السيرة الذاتية في سلسلة "عن العشق والسفر"، إذ كنت أدون انطباعاتي تجاه الأماكن التي أزورها، ومشاعرى نحو الغرباء الذين أ صادفهم في حياتي اليومية. وفي مرحلة انضمامي إلى فريق بصمة للأبحاث التاريخية، ركزت في مقالاتي على الملامح الحضارية للحقب التاريخية المختلفة؛ كالفنون والعمارة والآداب والعلوم والنظم السياسية والتجارية والاقتصادية، إضافة إلى التراث والموروث الشعبي والأخلاقيات. نشرت تلك المقالات على المنصات الإخبارية والثقافية المختلفة لعدة سنوات، ولاحقاً نشرت مجمعة في كتاب "التاريخ كما كان" بجزأيه وهو أول أعمالي المنشورة.

وكيف جمعت بين الهندسة المعمارية والكتابة؟

دراستى المتخصصة في العمارة وتاريخها منحتني رؤية مغايرة لما تراه عين المسافر العادي. فبينما يكتفي كثيرون بالتأمل في جماليات المباني، أذهب أبعد من ذلك، بتحليل هندسي مبسط يكشف عن طرز معمارية متباينة، وتأثيرات متداخلة، وفراغات داخلية تحمل بين جدرانها قصصا، بالإضافة إلى دراسة الخامات، والفكر التصميمى، وتخطيط المدن وساحاتها وما يشغلها ويحيط بها. ومن أبرز الأماكن التي ساعدتنى دراستى على فهمها وكتابتها بتذوق ووعى أعمق مدينة البتراء في الأردن، حيث تتداخل الطبيعة مع العبقرية البشرية في تشكيل الفراغات الصخرية، وتمثال ميناء ماندراكى العملاق في جزيرة رودس، وتاريخه منذ تأسيسه إلى انهياره إثر زلزال مدمر. كذلك، كان لتخطيط مدينة باريس وقوس النصر والهرم الزجاجي في متحف اللوفر مكانة خاصة في تحليلى المعماري، كما وصفت القسم الخاص بشقق نابليون الثالث في متحف اللوفر، والشرح الوافى للتصميم المعماري لكاثدرائية نوتردام وأوبرا دى جارنييه. وفي الرحلة اليابانية ركزت على الفنون والعمارة اليابانية الأصيلة وتفردها، كالمعابد والحدائق اليابانية والموروثات التقليدية في البيوت اليابانية مثل بيوت الشاى وغرف التاتامى، إضافة إلى الجانب العصري والتكنولوجي في العمارة اليابانية الحديثة، بدءاً من برج طوكيو ومقارنته ببرج إيفل، مروراً بناطحات السحاب، والأسواق، وانتهاءً بدراسة تقاطع :شيبويا" المرورى الأكثر ازدحاماً في العالم.

لماذا تخصصت أكثر ككاتبة في أدب الرحلات؟

لم أخطط للتخصص في البداية، أو كتابة سلسلة متخصصة في أدب الرحلات، لكن الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها الكتاب الأول من القراء والنقاد كانت الدافع الأول للاستمرار، إضافة إلى النصيحة الثمينة التي تلقيتها من الكاتب الكبير الراحل كمال رحيم والروائى منير عتيبة، حيث حثاني على مواصلة كتابة أدب الرحلات لكل المدن التي زرتها حول العالم، مؤكدين أن هذه السلسلة ستكون فريدة في نوع أدبى يكاد يندثر. ثم جاءت التقييمات الإيجابية على منصات القراءة ووسائل التواصل الاجتماعي. هذا التشجيع من القراء دفعنى للاستمرار في إصدار أجزاء أخرى من السلسلة.

نتحدث عن سلسلة عن العشق والسفر كيف جاءت الفكرة؟

نشأت الفكرة في البداية ككتاب مشترك هدفة تبسيط التاريخ من تأليفي وزوجي، حيث قررنا توثيق رحلاتنا حول العالم عبر مقالات منفصلة تميل إلى الأكاديمية، تتحدث عن الأماكن وتبرز أهم المواقف والتاريخ المشترك الذي يجمعنا بها. ومع بدء الكتابة، وجدت الكلمات تدفق وتفيض بحرية دون أن يكون لي سيطرة عليها، ما دفع زوجي لأن يشجعني على الاستمرار في الكتابة دون الانشغال كثيراً بالفكرة الأصلية، ثم بدأت ملامح الكتاب تتضح، وبعد أن قرأ زوجى المسودة، نصحنى بإكمال الكتاب بشكل منفرد. ناقشنا آنذاك، إضافة جزئية درامية رومانسية تكون الرابط الرئيسي بين فقرات الكتاب، ثم ألهمتنى علبة كان قد أهداها لي تحتوي على رسائل وذكريات بيننا، لتصبح تلك الذكريات هي ذلك الرابط، ومن هنا ولد العنوان الرئيسي للسلسلة "العشق والسفر"، مع عنوان فرعى مستوحى من الفكرة الرابطة هو "رفيقا الطريق".

في أول جزء من السلسلة ما الذى ركزت عليه وما أهم الأماكن التى تحدثت عنها؟

في الكتاب الأول مدن فينيسيا، سريلانكا، والأردن، لضمان تنوع اللغات والثقافات والتاريخ والجغرافيا. وكأمثلة عن اختياري للأماكن في تلك المدن والتي تبرز التركيز على التاريخ المشترك فقد تحدثت عن سيرة القديس مرقص الرسول، مؤسس الكنيسة الأرثوذكسية في مصر، والذي تنسب إليه ساحة سان ماركو الشهيرة في فينيسيا وكاتدرائيتها التي تحفظ رفاته، بعد تهريبها من الإسكندرية إلى البندقية بتعاون بين تجار من البندقية وكهنة يونانيين، كما تناولت في سريلانكا -منفى أحمد باشا عرابي- المدرسة الزاهرة التي أسسها هناك نسبة إلى الأزهر الشريف. وفي الأردن أثار اهتمامى ظهور الآلهة المصرية القديمة إيزيس في مدينة البتراء ودفعني للبحث والكتابة، وكتبت في المقدمة أن الكتاب سيكون مختلفاً عما دونه الرحالة من قبل. لن تكون مجرد رحلة إلى مدينة، أو خبرة سفر أخرى يشاركها واحد من ملايين المسافرين يومياً، لكنها رحلة مميزة تحمل مزيجاً من عبق الماضي وبصمة الحاضر، رحلة لا تهتم فقط بالجغرافيا، لكنها تجول أيضاً في أروقة التاريخ، وتروى قصصاً عن العشق، لتجعل القراءة تجربة مثيرة ومختلفة.

ما الجديد الذى احتواه الجزء الثاني "رسائل البحر"؟

ركزت على روح الرحلات البحرية وإحساس المسافر في البحار والمحيطات والتنقل بين الجزر. في رسائل البحر اختبرت زيادة جرعة المعلومات التاريخية، وإبراز الوجه الآخر لبعض الأحداث التاريخية التي مرت عبر البحار والمحيطات وصورت على أنها بطولات، مثل جرائم كريستوفر كولومبوس ورجاله ضد السكان الأصليين لأمريكا بعد وصوله إليها، وأيضاً عرض المغامرات الخاصة بقراصنة الكاريبي. في الكتاب الثاني من سلسلة عن العشق والسفر، نجوب البحار والمحيطات. نستكشف عوالم جديدة، ونبحث عن أخرى مفقودة.. نحتمى في الكهوف المظلمة من هجوم القراصنة، ونغوص في الأعماق في تحدٍ صارخ للوحوش المفترسة، فالكتاب الثاني كان أكثر اختلافاً. رسائل يحملها البحر تروى قصتنا وقصص من سبقونا.

الجزء الثالث "بلورة الأمنيات" كان عن رحلتك في باريس حدثينا أكثر عنه؟

ألقيت الضوء من خلال التجربة الإنسانية على التمسك بالأمل والحلم وعدم التخلي عن الأمنيات مهما بدت مستحيلة. أهم ما يميز "بلورة الأمنيات"، هو التاريخ المشترك، حيث تناولت القاهرة الخديوية "باريس الشرق"، والمسلة المصرية في ميدان الكونكورد ورحلتها المثيرة من الأقصر إلى باريس، وحفلة الست أم كلثوم الأسطورية على مسرح الأولمبيا. كما تحدثت باستفاضة عن مقتنيات طابقين في متحف اللوفر تخص آثار مصر القديمة، وموضة الأزياء المصرية القديمة التي انتشرت في باريس عقب اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، وانتهيت بذكر مشاركة مصر اللافتة في معرض باريس العالمي عامى 1867م و1889م.

ما الذى تناولته في الجزء الرابع "حائط الذكريات"؟

يتناول رحلتى إلى اليابان، وهي رحلة عائلية في المقام الأول قمت بها مع زوجى وأبنائى، وركزت في هذا الجزء على أهمية صناعة الذكريات مع الأبناء. أما الجزء المتعلق بالرحلة نفسها فقد سلط الضوء على الحضارة اليابانية والتاريخ الياباني. وأيضاً تقاليد المجتمع الياباني المتفرد بذاته وموروثاته الشعبية. كما تطرقت إلى حضور الجانب التكنولوجى بقوة في الحياة اليابانية المعاصرة وتفاعل الأبناء وآرائهم ومشاهدتهم المختلفة باختلاف أعمارهم وشخصياتهم. وكيف يمتزج سحر التكنولوجيا، وخيال الفن، وأصالة الماضي لنجد أنفسنا فجأة في مواجهة حكايات مسكونة بخصوصية اليابان وتفردها.

كيف مزجت بين التاريخ والجغرافيا والحكايات العائلية داخل كل جزء؟

هدفي الأساسى كان القراء الذين يعزفون عن قراءة التاريخ لأسباب متنوعة، وليس أدب الرحلات في حد ذاته، واتخذت من الرحلات مدخلاً لتمرير المعلومات التاريخية والجغرافية، وجاء الخط الدرامي للسيرة الذاتية وحكايات الزوجين، مع بعض اللمحات التربوية للأبناء والتعامل معهم، ليربط فصول الكتاب ويخفف وطأة كم المعلومات التاريخية والجغرافية لمن لا يستهويهم الحديث عنها، وتعمدت تبسيط المعلومات قدر الإمكان، وتناول التاريخ من زوايا مثيرة وغامضة لتجذب انتباه القارئ.

كيف يؤثر السفر على الإنسان وكيف كان له أثره عليك ككاتبة؟

أهم ما يمكن أن يكتسبه الإنسان من السفر اكتشاف ذاته في المواقف المختلفة، الاحتكاك بشخصيات وثقافات متباينة، فضلاً عن المتعة المعرفية، والتمرن على تقبل الاختلاف، وتقدير التنوع، واكتساب العادات الحسنة للشعوب الأخرى، مع الحفاظ على الهوية وعدم التفريط فيها، كما يمنحنا السفر الفرصة لإعادة النظر والتأمل في كثير من الأفكار وشئون الحياة، وقد منحنى السفر عيناً مختلفة قبل أن يمنحنى المحتوى لكتابة سلسلة أدب الرحلات. فأصبحت أنظر إلى المدن والأماكن باعتبارها أرواح حية تحمل ذاكرة وثقافة، لا مجرد معالم سياحية، وربما أسهمت دراستى للهندسة المعمارية في زيادة الفضول لمعرفة الفلسفة ما وراء الجدران، وولدت رغبة قوية في قراءة تاريخ الشعوب من خلال عمارتها وتخطيط شوارعها. أثناء الكتابة أركز على أن أُغمس القارئ تماماً في تجربتى، وأن أضع نفسى مكانه، ليشعر أنه رفيق وشريك في هذه الرحلة. لذلك أهتم أثناء سفرى بالمشاهدات والتفاصيل الدقيقة التي قد لا يلتفت إليها غيرى، لأنها تجعل القارئ يرى ويسمع ويتذوق، فالسفر بالنسبة لي هو المادة الخام التي أنسج منها نصوصى.

أنت أيضاً مترجمة ما نوعيه المؤلفات التى تميلين لترجمتها؟

لم أخض تجربة الترجمة سوى مرة واحدة، وكانت مع كتاب "كيف تقرئين زوجك ككتاب". وهو كتاب ساخر مدعوم برسوم توضيحية بسيطة، يعرض مواقف حياتية يومية بين الزوجين. تحمست لترجمته عند قراءته لما لمسته من إفادة يقدمها بطريقة بسيطة تصيب كبد الحقيقة، حيث يقدم مفاتيح تساعد الزوجة على فهم طريقة تفكير زوجها وأسباب كثير من ردود أفعاله، ومن ثم التمتع بحياة أقل صداماً وأكثر سعادة.. هذا الكتاب أيضاً رحلة. لكنها ليست إلى بلد جديد، بل إلى عالم الرجل وطريقة تفكيره.

هل ستكملين كتابتك لأجزاء "عن العشق والسفر"؟

في البداية، كنت أخطط لكتابة سلسلة مكونة من عشرة أجزاء تغطى جميع المدن التي زرتها، لكن مع الوقت تغير هذا التصور وأصبحت أفضّل أن أسير خطوة بخطوة، وأدرس الخطوات القادمة بتأنٍ. الآن أعمل على الكتاب الخامس من السلسلة، وأرجو أن يرى النور قريباً في معرض القاهرة الدولي للكتاب القادم.

 	سارة جمال

سارة جمال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - من تحت لفوق

واحدة تطل بخفر من الشباك، والثانية ملتصقة بباب البيت.

خيرى شلبى.. «وتد» الرواية و «موال» الحكاية

فى الذكرى ال 15 لرحيل كاتب عاش فى دنيا «الشطار» تحدى ظروفه القاسية.. غزا القاهرة ونال إعجاب طه حسين كتب...

نهى عودة: السفر المادة الخام التى أنسج منها نصوصى

«عن العشق والسفر» سلسلة تجمع عبق التاريخ وبصمة الحاضر الإبحار فى الذكريات لا يقل روعة عن صناعتها

شخصيات لها تاريخ «117» نابليون بونابرت.. صنع مجد فرنسا ومات فى المنفى

عاش ومات ولم يتمكن من نطق اللغة الفرنسية مثل الفرنسيين وكان يتكلمها بلكنة كورسيكا التى وُلِد فيها وعاش طفولته وشبابه...