ما نراه اليوم تحقيق لنبوءة جورج أوريل فى روايته «1948» الشر السائل غير عنيف ووسائله غير دموية.. ويرتدى عباءة الخير والحب كانط يرى أن الإنسان ليس شريرًا بطبعه بل لديه ميل لتغليب مصلحته الفلسفات الحديثة لم تعد تفهم الشر على أنه خطيئة دينية بحتة
تخيل تلك اللحظة الغريبة.. أن تقف أمام المرآة، فيظهر لك شخص يشبهك تماما، لكنه ليس أنت، بل نسخة منك أقوى وأذكى، يقبل أن يتحمل عنك كل ذنوبك وخطاياك، يقول لك: افعل ولا عليك، سأحمل أنا أوزارك. ثم فجأة تنتهى اللحظة .. هذا ليس مشهدا من فيلم رعب، إنها معضلة البشرية الآن، إنها خطيئة الخلق فى هذا الزمان، وبشكل أبسط تلك هي صورة الشر الحالية.
حينما نتحدث عن الشر يتبادر للمخيلة على الفور استحضار الشيطان، لكن فكرة الشر على الأرض بدأت قبل أن تعرف البشرية الشيطان، وقصته مع آدم وذريته، فقد أدرك الوعى الإنساني وجود الفكرة في الكون قبل وجود الاسم.. لذا ظل الشر غير مربوط بكيان معين، فتعددت رموزه وصوره في الطبيعة المتقلبة والبيئة القاسية، دون أن تتجسد في واحدة.. ومع الحضارات
واستقرارها أخذ الشر يتجسد في الفكر الحضاري على أنه نتاج صراع الآلهة
ومثالا بالحضارة المصرية القديمة برز الشر من خلال أسطورة آلهة الخير إيزيس وأوزوريس وحورس، وصراعهم مع إله الشر ست، وفى الحضارة البابلية الآشورية برز وجود الشر المسبب للكوارث والأمراض من خلال الإله بازوزو أما في الزرادشتية ببلاد فارس، فقد مثلت تلك الديانة الوضعية أحد أوضحالتصورات عن ثنائية هذا الصراع، من خلال أهورا مازادا إله النور وأنجرامينو روح الشر صاحب القوة المدمرة للعالم...
وهكذا خرجت الفكرة لأول مرة من كونها صراعا على اعتلاء عرش الممالك إلى الصراع في سبيل حماية الأرض؛ حتى جاءت الديانات السماوية بفكرها الإيماني التوحيدي، ومن خلال نصوص الكتب المقدسة تبلورت صورة الشر وصارت ملتصقة بشكل حقیقی بکیان واحد، هو الشيطان الذي تمرد وعصى الله، وأصبحت وظيفته الأبدية إغواء بني آدم، وإبعادهم عن طريق الحق والخير.
الشيطان ورمزية الشر
هكذا تمثل الشيطان في العقول المؤمنة، كائن خارق للطبيعة أعطاه الله القدرة العظيمة على الفعل والتحرك والنفوذ داخل النفوس البشرية، بعد أن أرجا عقابه الأخير ليوم القيامة، وبناء عليه صار عدو الله ثم العرق البشرى وقد تصورته على هذا الأساس مختلف الثقافات والعقائد الدينية بالطبع، وكما يقول المؤرخ جيفري بريتون إن رغم هذا الاختلاف لم يخرج الشيطان يوما عن كونه هذا المخلوق المغرور المتكبر مبدأ الشر والذي تحول من ملك مقرب إلى مخلوق ساقط شرير، وبعد أن كان اسمه في السماء الحارث، وكنيته طاووس الملائكة، صار إبليس اللعين.
وفي علم الديانات والأساطير بل وفي الأدب والفن، اتخذ عدة أسماء فهو لوسيفر بعازبول، معستو فليس عزازيل).. أما الناس فقد حاولوا كثيرا تصور شكله، فهو المخلوق من نار في أذهانهم، لهذا لزم اللونين الأسود والأحمر جسده، ولحقارته والتقليل من حجمه وقوته وهيبته زيد على شكل رأسه المخيف القرنان، إلى أن أيقن الجميع بمرور الوقت أن صور الشيطان لا حصر لها.
معضلة الشر
تدرجت النظرة إلى الشر عبر العصور فبعد أن كان صادرا من قوة كونية هائلة، إلى صراع بين الآلهة، ثم صراع بين الإنسانية المفترض أنها قد جبلت فطريا على الخير وبين الشر الشيطاني المتحدى لهذه الخيرية الفطرية السليمة.
بعد انتشار الإسلام تجاوزت الفلسفة الإسلامية فكرة "طلاقة الشر"، فظهرت مقاربات فكرية مختلفة، أبرزها أن الشر على الأرض جزئى ونسبي، بعد أن كان في الأصل مجرد مقابل للخير وسر وجوده الاختبار وإظهار مدى حرية الإنسان في الاختيار، والتي على أساسها سيكون الجزاء الأخير
من هذه النسبية في رؤية الشر انطلقت الفلسفات الحديثة التي لم تعد تفهم الشر على أنه خطيئة دينية بحتة، بل معبر عن المعاناة العبثية للإنسان على الأرض. وبدأ هذا التحليل يأخذ منحى جديا بالقرن العشرين، عبر فلسفة حديثة عن معنى الشر في محاولة لفهم الدوافع من ورائه، فكان رأي كارل یونج عالم النفس التحليلي - مثلا أن الشر هو الجزء المظلم واللاواعي في النفس البشرية، وهو القادر على التعبير عن الدوافع الفريزية في الإنسان، حتى طرح نيتشة أن الشر هو الخلل في البناء الاجتماعي ولذا فهو خيار أخلاقي في المقام الأول، لكن حنة أرتدت خلال دراستها المحاكمات مجرمي الحرب النازية، وجدت مفهوما مغايرا أوردته كتابها "تفاهة الشر، وذكرت به أن الشر الأكبر في عالم اليوم مرجعه ليس الشيطان، ولا حتى ما يرتكبه بعض السيكوباتيين، وإنما يعود لتخلى أشخاص عاديين عن التفكير النقدي. بعد أن أصبحوا تروسا في آلة الأنظمة الشمولية الفاسدة.
الشر الجذري
في بحث الدكتور إلياس ميشال الشوري يقول: منذ فجر التاريخ ربما اختلط على إدراك البشر كثير من المفاهيم كان أهمها الخير والشر، ولذا كان اللجوء الطبيعي إلى قوة خارجية أو كائن غامض لا يرى ولا يسمع، ولكنه موجود، وعليه يمكن أن تقع مسئولية وقوع الإنسان في الذنوب والخطايا، وعلى كتفه شماعة تضع الإنسانية عليها تبعات وعواقب أخطائها في محاولة لغسل اليد ويكون مبررا لنواقصها وتصورا لإعلان البراءة أمام محكمة السماء وبين أخيار الأرض.
على الأغلب كان ذلك أولى مراحل الوعى التاريخي المبكر المشكلة مواجهة النفس، ما شكل بعد نزول الديانات والوعي الديني استعدادا لفكرة وجود الشيطان، فقد كان الإنسان في أمس الحاجة حقا إلى سردية توافقية، تفسر هذا التناقض الصارخ بين ما تتطلع إليه النفس البشرية من خير مطلق، وبين ما تختبره فعليا على أرض الواقع من آلام وانكسارات ومواجهات حقيقية دائمة مع الآخر.
في هذا السياق، تولدت من جديد ثنائية ترى الخير والشر في إطار تفسيري آخر وأعطت النصوص الدينية الشيطان موقعا مركزيا بوصفه قطب الشر المعاند للرعاية الإلهية، واتضح مع الوقت أن تفاصيل تلك الحكاية الدينية يمكن أن يتأسس عليها بنية أخلاقية كاملة، تمثلت لدى الإنسان حربا طويلة الأمد.
ومن هذا المنطلق لوجود الشيطان ورغم شره و شروره، فإن هذا الوجود أسبغ على البشرية بشكل أو بآخر شعورا بالطمأنينة النفسية، فمن جانب تحليلي لم يعد الشر لغزا عبثيا، والألم الذي يحدثه لم يكن أبدا عشوائيا، بل له مصدره المعتمد دينيا، وبناء عليه أصبح للسقوط في الخطايا مبررا بعيدا عن الإرادة، ولم يعد ضعفا أو خللا ذاتيا خالصا، وبهذا المعنى بات لوجود الشيطان دور هام وجودي، يسهم في إعادة ترتيب النظر للفوضى الأخلاقية.
ما يمنح البشر شعورا داخليا بأنهم مجرد ضحايا، وأصبح في المخيلة أن "الشيطان يوسوس والإنسان يغوى وبهذا التبسيط نشأت معادلة نفسية مريحة تصرخ حين تقع المصائب "أنا جوهری طيب ووقوعى لقوة خارجية تدفعني ما يخفف الإحساس بالذنب ويظل الخطأ مجرد حدث عابر يمكن تقبله على هذا النحو، بعيدا عن أي منطق آخر في مضمون جوهری
ربما يمكن رؤية هذا المبحث المختلف للشر، من خلال مفهوم "الشر الجذري" عند الفيلسوف كانط، ويرى فيه أن الإنسان ليس شريرا بطبعه، بل لديه ميل طبيعي لتغليب مصلحته الشخصية فوق أي اعتبار، رغم معرفته بالصواب والخطأ. أما الشيطان هنا فدوره رمزی كوسيلة للتهرب من المسئولية، ليبقى الانسان في وهم جميل مريح، يحفظ له صورته النقية أمام نفسه أولا، دون مواجهة مع الذات.
الشر والظل النفسي
في علم النفس الحديث، يتجاوز الشر الفكرة القديمة عنه، حتى المذكورة في الأديان السماوية، إذ يرى أن الإنسان يحمل بداخله ظلا" أو جانبا مظلما، يضم مشاعره ورغباته المكبوتة التي لا يتقبلها الوعى أو المجتمع أو الدين، وأن ما تشاهده من شرور نتيجة وجود هذا الظل، وأن ذلك الوجود ليس خطأ في حد ذاته، بل ما يمثله من احتمال وجود بؤرة مختفية للشر الإنساني، والتي للأسف لا يمكن تحديدها ولا تقييمها. المعالجتها.
الشر السائل
في كتاب "الشر السائل والعيش مع اللا بدائل"، الذي يحوى محادثات عالم الاجتماع البولندي بریجمونتنت باومان وعالم النفس اللتواني اليونيداس دونسكيس، نجد أحدث مفهوم عن الشر أطلق عليه "شر ما بعد الحداثة" أو ما سماه الكاتبان "الشر السائل" وهو يرصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية في هذا العصر، والتي أدت حتى لتفكيك البنية التقليدية لمفهوم الخير والشر ما جعل الشر في ثوبه الحالي يتسلل إلى الحياة اليومية، دون أن يتخذ شكلا ثابتا أو مؤسسيا واضحا، حتى عشش في كل مكان بالعالم، ليصبح جزءا من البيئة الإنسان اليوم
وفي ظل تغلغل الشر بهذه الكيفية والشراهة والشراسة، ارتبط بمفهوم قوى له دلالته الهامة هو "اللا بديل". وهو مصطلح ذو مرجعية اقتصادية أطلقته مارجريت تاتشر رئيس وزراء إنجلترا بالقرن العشرين، وكان القصد منه توجيه الرأى العام البريطاني أن ما اتخذته من إجراءات اقتصادية آنذاك كان هو الحل الوحيد الذي تتعذر معه البدائل، لكن سرعان ما انتشر المصطلح ليصبح مصطلحا سياسيا بعد ذلك، يعنى انغلاق الأفق أمام الناس في الاختيار الصالح هيمنة نظام أوحد على العالم لا يمكن الخروج عنه، وبهذا التوجه بات الشر الذي ارتبط بهذا المصطلح أكثر خطورة، حيث استهدف قدرة أي فرد على المقاومة، ومعه فقد المقدرة على تخيل عالم آخر مختلف عما رسم له.
أهمية هذا الكتاب هي لقراءته النقدية العصرنا الراهن، الذي اشتبكت خيوط كل شيء به في شبكة عنقودية يصعب الإمساك بطرفها، لتشعبها تحت وطأة مظلة متعمدة هي الخوف.
في المقدمة المهمة يطرح مقارنة لافتة للنظر بين الشر الصلب الموصول وجودا حتى القرن العشرين بالأنظمة القديمة. سواء الشمولية أو القوى الاستعمارية أو الأيدلوجية، والتي طالما مارست العنف بكل أنواعه القبيحة، لكنه كان عنها مرئيا واضحا قابلا للمواجهة والتصدى والتحدي، في مقابل الشر السائل في عالم اليوم، ذلك الهلامي المبعثر المتسلل واللا مركزي، الذي لا يملك وجها موحدا معروفا، مما يصعب تحديد أبعاده لمواجهته.
يصف باومان المرحلة الحالية من الشر بالأقوى والأعنف والأخطر، فهو الذي عمل في دهاء وصمت من أجل انهيار المؤسسات المعروفة (الأسرة، المدرسة. الروح الجماعية، الإنتاج، الدين الدولة) واستبدلها بالفردية والاستهلاك حيث لعبت الرأسمالية دورها المحوري في تعزيز قوى هذا النوع من الشر عبر تحويل كل شيء إلى سلعة قابلة للبيع والشراء، بما في ذلك العلاقات الإنسانية، والقيم الروحية والأخلاقية. حتى ذابت بشكل تدريجي الفروق بين الخير والشر، وأصبحت جميع الأمور تخضع للنسبية، واللاكتمال، والفرق في الشبهية أو إتاحة الشبيه.
في سبيل تحقيق هذا المخطط، كان لابد من وقوع الأفراد في العزلة طوعا ومن . تلقاء أنفسهم، وهنا تدخل التكنولوجيا الحديثة لتقوم بدورها التاريخي في سحب البساط عن كل ما هو جماعي لتفرض واقعا آخر افتراضيا، يضمن العزلة والتفرقة وتدفق المعلومات، من أجل قراءة الأفكار ثم التشويش عليها. وترسيخ أفكار وآراء مغايرة تصب في حساب اللعبة الأساسية.
في كتاب "الشر السائل" يرصد المتحاوران الملامح الرئيسية لهذا الشر. فهو غير عنيف نهائيا، ووسائله غير دموية، يرتدي في معظم الأحيان عباءة الخير والحب والعطاء، والأهم أنه ليس استثنائيا، فقد ولد ليعيش طويلا لذا فقد اعتنى بالماضي و دراسته، ليسيطر على الحاضر المستقبل هش، وقد اعتمد بالفعل آليات غير مباشرة لكنها جهنمية. أبرزها رفع لافتة الإغراء لا الإكراه. بحيث يفعل الإنسان المخطط له بنفسه. بعد محاصرته من جميع الجهات.
ويرى باومان في محادثاته أن ما أسماه الشر السائل في عالم اللابدائل، كان مطلوبا فيه أن ينمو لدى كل شخص على حدة إحساس عميق بالعجز واللاجدوى، فيصبح المستهدفون بشرا مطيعين، دون أن يدركوا أنه قد ترسخ لديهم فعليا شعور بالاستسلام واليأس.
تجليات الشر المعاصر
ما نراه اليوم تحقيق لنبوءة أدبية تنبأ بها جورج أوريل في روايته ١٩٨٤" التي نشرت عام ١٩٤٩، وفيها تصور عالما مستقبليا يحكمه نظام واحد، يقوم حاكمه بمراقبة حياة كل فرد فيه لمعرفة جميع الحقائق والأسرار والأفكار، بدافع السيطرة المطلقة وتزييف التاريخ، ولعل واقعنا المعاصر يكشف كل لحظة عن طبيعة ما نواجهه من شر غير مسبوق، طالت عملياته التدميرية الممنهجة كل المجالات، ولا شك أن أخطر تجلياته ظهرت في تأكل المرجعيات، وعلى رأسها المرجعيات الأخلاقية، فلم تعد القيم محددة ولا ثابتة، وقد عززت العزلة الروح الفردية والأنانية، وباتت الأغلبية الساحقة تسعى لبؤرة الضوء عبر الاحتفاء باستعراض الذات، تحت شعار خلاب هو حرية التعبير إن عالم اليوم لم يعد في حاجة إلى شيطان أو شرير فالشر يعبد سرا وسط عالم أصيب بالعمى، وتبنى بدلا من الأعراف الأصيلة مصطلحات جديدة، كالتكيف والمرونة، وباتت صورة الإنسان الحالية مستنسخة مشوهة، بلا طعم أو روح، أما الحياة فقد قدمت لنا السهل المريح على حساب الأصل، وعلى هذا النحو يبدو أن الشر العصري لا شبيه له، يستوجب شكر الشر القديم على سذاجته.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
منهمك، غائب فيما يفعل، يهز رأسه مع كل تحريك دقيق ومرهف لأنامله... كأنه يعزف
الجوائز ليست مجرد تكريم وإنما نقطة تحول لو كنت عضوًا فى لجنة التحكيم لمنحت الجائزة للشاعر الكبير محمد الشهاوى
إن الجوائز تمثل دعمًا معنويًا وروحيًا لسنا جيلا كسولا.. والمشهد حافل بالمواهب
الجائزة محطة مهمة جدًا فى طريقى الأدبى الذى بدأ منذ 50 عامًا