من التخويف منه إلى العلاج به الضحك.. فلسفة حياة عابرة للحضارات

المصريون القدماء رسموا صورا هزلية على أوراق البردى وجدران المعابد نيتشه قال إن الإنسان عانى بشدة لدرجة أنه اخترع الضحك تأسس «علم الضحك» عام 1964 فى «معهد الفكاهة» بولاية كاليفورنيا الأمريكية

في كتابه "جحا الضاحك المضحك" كتب عباس محمود العقاد أن "الضحك يعد حالة إنسانية فريدة، وهى أقرب ما تكون للتعبير عن فلسفة الحياة".. ولعل من عبثية تلك الفلسفة هي قدرتنا أن نضحك فى حالة الفرح، وأيضا من حال حزننا الشديد، ونضحك في مواجهة المواقف القاسية، للهروب منها، فنحن نضحك للاستخفاف، والاستهزاء، وللاستعلاء ولإظهار التفوق المؤقت، وبالطبع إزاء الانتصار، وأحيانا في لحظة هزيمة وإنكسار، ليظل الضحك وسط كل هذه المشاعر المتناقضة أداة تحاول أن تجمل الحقيقة، أو يكون ذاك الحمق الذكي الذي يخفى الحكمة العميقة ليكشف جهل الآخرين، وعلى كل حال يبقى دائما هذا التساؤل الذي قد لا يراودنا وهو لماذا حقا نضحك ؟!

للضحك أحوال كثيرة، حتى إن الإنسان قد لا يعرف في بعض المواضع لماذا يضحك وربما من المثير هنا أن نلحظ حال بعض أنواع الضحك، تلك الدموع التي تزرفها العيون بلا سؤال عن علاقة الضحك بالدموع، وأننا في بعض الأوقات قد نجد أنفسنا متلبسين بالخشية حتى من الضحك، فنسمع عبارة التمنى الخائف "اللهم اجعله خير" وتشير بعض الأحوال إلى أن الإنسان قد يضحك استهزاء من النفس، وهو ما دونته وقائع تاريخية حدثت مثلا مع ملوك أوروبا وأمرائها وكبار قادتها العسكريين، الذين اجتمعوا في فيينا ۱۸۱۵ ، بعد أن ضيقوا الخناق على نابليون بونابرت، وجلسوا معتقدين أنهم تخلصوا من الرجل القوى، وبدأوا في وضع خطة إصلاح لما أفسده، لكن في المجلس يعلن رجل في لحظة حاسمة أن نابليون أفلت من حصاره في جزيرة ألبا، وأنه عاد ثانية كأمبراطور الفرنسا سينشر مخالبه من جديد على كل اوروبا.. هنا وجم المجتمعون برهة، ثم ارتفعت ضحكاتهم الهستيرية العالية، وكأن لسان حالهم يقول " لقد عبث بنا نابليون فيالها من مأساة ونهاية مدوية".

يرصد لنا التاريخ تلك الحالة التي بدا الضحك فيها كالبكاء، يظهر الضعف والنقص والعجز والغباء والقهر التام والتجرد المذل من الحول والقوة، لندرك نحن الآن أنه ليس صحيحا تماما القول بأن الضحك يقابله البكاء، ولعل هذا ما قصده الشاعر بيرون حينما قال: "أراني أضحك كي لا أبكي"، لنكتشف حقيقة الضحك الذى قد يعلل العديد من المشاهد، فيكون أحيانا دليل صمود وصبر وجلد وقوة تحمل، وقد يكون بديلا عن السكون والسكوت المهين، أو إقرارا بعدم الانهيار والاستسلام وعلى ذلك يعتبر لغة يمكن استعمالها في الكثير من الحالات. ويكون الشعور بالمضحكات ملكة إنسانية خالصة وخاصة، لا تعرف التشابه مع غيرها، تستدعى على النفس عدة خواطر لا يعلمها سوى أصحابها، ولا يكشفها سوى المتأملون.

لماذا تضحك ؟

يبتسم الناس ويضحكون في مواطن لا حصر لها، وقد تكون غير متوقعة، مثلا كشف بعض الكذابين والطماعين يثير الضحك، أو رؤية غرور بعض الناس غير المبرر وكذا الأمر أمام الساعين إلى أشياء تافهة دون جدوى، فالضحك في هذه المواطن نوع من الانتقام الجميل من هذه الآفات الاجتماعية، فالسخرية هنا هي حق الرد. ومع ذلك قد نجد أنفسنا أيضا نضحك في مواقف إنسانية مقترض أنها تستدر العطف والشفقة، كالضحك من تعثر وسقوط أحدهم على الارض. ونضحك كذلك من الأبرياء، كالضحك على البدناء، والسفهاء والأغبياء.. ناهيك عن الضحك على النكات التي تخص بعض الفئات، أو تحدد بعض الاماكن، وعلى هذا النحو، فالضحك حالة لها أكثر من سبب وقد تكون أحيانا غير أخلاقية.

فلسفة الضحك

يقال إن فلسفة الضحك لم تتزود بزاد أكبر مما يذكر لعقلين كبيرين مثل عقل أفلاطون وتلميذه أرسطو، وإن لم يعرض لهذه المسألة بعدهما عقل أكبر من عقلهما حتى اليوم.. هنا يذكر الأفلاطون أنه أثار موضوع الضحك، في معرض حديثه عن مدينته الفاضلة أو جمهوريته المثالية، التي أراد أن يقصرها على الافاضل والمأمونين، ويجنبها أوجه النقصان والرذائل، وبدا له أن البكاء ضعف لا يليق بالإنسان الكريم تحت أي ظرف، وأن الضحك هو الأنسب الإنسان المدينة الفاضلة، على ألا يكون على توافه أو خيانت المضحكات، ويقول إن الكريم لا يعرف الجد إلا بالهزل، وإن من الافضل أن يشهد الكريم مناظر الهزل بالمدينة الفاضلة على يد العبيد والاجراء الساخرين، ولا ينغمس فيها بنفسه والتدليل على صحة وجهة نظره ذكر حال المصريين أنذاك الذين يعلمون أولادهم الموسيقى والرقص، ضمن الشعائر الهيكلية، ولكنهم لا يسمحون بمخالطة. الألحان والاغاني المبتذلة، ولا بالرقص الخليج الماجن

أما التلميذ أرسطو فقد كان أدق وأكثر واقعية من أستاذه، حين تكلم عن الضحك وأقسامه، فأدخل المسرحيات المضحكة كقسم من الأقسام، كونها هي الأخرى موضعا للضحك والتسلية، من أجل تطهير النفس كما تطهرها المأساة. ذاكرا أن الإنسان يتبلد شعوره إذا لم يتألم أو يضحك، ومن هذا ربما جاءت في الترجمات العربية لهذه النوعية من المسرحيات أسماء مثل "الأهاجي والتهريجات، التي منها ابتدع فيما بعد واستمر ما تسميه حتى اليوم بالمسرحيات الكوميدية، بعد أن كانت تسمى قديما "المهزلة أو الملهاة".

وقد ندر بعد أفلاطون وأرسطو من نظر للضحك بجدية، ورأه على أنه مبحث يجب التوقف عنده بالتحليل، بعيدا عن طريقة البحث عنه كمقابل للتراجيديا في الفلسفة القديمة، حتى برز أسم مثل يوسف البو في القرون الوسطى، وهو فیلسوف یهودی درس الفلسفة في بلاد الأندلس، ومن ثقافتها الخاصة اقتبس ما ضمه في كتابه "مبادئ وأصول"، وأفرد للضحك بابا بوصفه مذكورا في التوراة وكان بالعبرية يسمى السحوق ، بمعنى الفرح، وبهذا الباب نسب للخليل إبراهيم عليه السلام أنه كان يخر على وجهه أحيانا من السحوق، دليلا على فرحه العارم بما سمعه.

وبباب الضحك تحدث يوسف البو كذلك عن أحوال كثيرة كانت تدر السحوق أو الضحك، في ذلك التوقيت، حيث كان الناس يضحكون مثلا ممن يستحقون الاحتقار ويضحكون حينما ينجح أحدهم في خداع الآخرين، بخاصة كبار السن والمخضرمين ومن هذه الحالة، عرف العامة بعد ذلك ما أسموه بلغة دارجة الضحك على الدقون". وذكر ألبو أيضا بذاك الباب أن الوجوه عموما تضحك حين الشعور بالانتصار المفاجئ، أو بمزية حصلوا عليها دون أن يستحقوها.

غير أن الشكوى من قلة تناول الضحك وأسبابه بطريقة علمية، في الثقافات القديمة، مقارنة بما حدث من إفراط في الكتابة عنه في الثقافة الحديثة، حتى أن فيلسوفا واحدا مثل "برجسون"، وحده أفرد لتناول الضحك حوالي ٤٠ مرجعا يعدوا الآن أصولا للحديث بهذا الشأن. وربما يعود ذلك الإفراط إلى نشأة علم التذوق والجمال بهذا الوقت، فاعتبر الضحك من الأحاسيس الجميلة الراقية التي تغذى الذوق الرفيع، بالإضافة إلى عودة الأدب المسرحي للازدهار فكان بمثابة فاتحة لعودة مناقشة بعض المواضيع، كالمبكيات والمضحكات، على سبيل الكتابة عنهما للمسرح من وجهة نظر جديدة.

بدايات الضحك

الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي أخذ عدة تعريفات تشير إلى تميزه وتفرده عبر التاريخ، منها أنه الكائن الوحيد العاقل، والكائن الاجتماعي، وأيضا الكائن الضاحك. لذا يشار للضحك على أنه من أقدم الميزات الإنسانية التي ارتبطت بالعديد من الفنون، حيث كانت السخرية في بعض الطقوس البدائية، موضعا للضحك للترفيه عن النفس، إلى أن تطور الأمر فأصبح مع الزمن أداه فنية وأدبية وفلسفية ونقدية مستقلة، يستخدمها الإنسان تعبيرا عن معاناته، أو تلطيفا القدره

ومع ذلك فإن الإشارات الأولية لبدايات الضحك من واقع علم البيولوجي تؤكد أن الإنسان وإن استخدم الضحك بشكل استثنائي ببعض الطقوس على سبيل التسلية، فإنه غالبا استخدمه التخويف أعدائه باستمرار، ظنا منه أن رؤية خصومه للأفواه المفتوحة، التي تكشف عن أسنان بيضاء والسنة حمراء. مع صوت الضحكات المبالغ فيها، أمر يهدد المعتدين، تماما كإطلاق الصيحات المخيفة أثناء الحروب.. لذا يمكن التدليل هنا على أن الضحك لم يبدأ على إطلاقه على أنه تلك الممارسة الجميلة، التي تعنى الفرح والود وتعبر عن الارتياح.

في الحضارات القديمة ظل الضحك حالة تثير الخيال، وتفسح الطريق للتصورات ففي الحضارة المصرية القديمة مثلا كان هناك اعتقاد بأن العالم قد خلق حين ضحك الإله، وربما من هذا الخيال، برع المصري في ابتكار القصص الساخرة، منها قصة القط والفار"، إلى جانب ميله الرسم الصور الهزلية على أوراق البردي، ونحتها على جدران المعابد، وفيها سخر من كل ما شاهده من أشياء تستحق السخرية في حياته اليومية، ومن أشهر المشاهد المصورة الساخرة على جدار معبد مشهد الزوجة ملك بلاد بونت البدينة أثناء زيارتها لمصر حيث صورها الفنان تركب حمارا ضعيفا، لا يناسب حجمها، وينأى يحملها.

في الحضارة اليونانية القديمة، ولد الضحك من رحيم المسرح اليوناني وكانت السخرية أداة لاذعة لنقد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومن أبرز الأعمال في هذا المجال أعمال الكاتب أريستوفان.

وفي أوروبا بالعصور الوسطى، عرف الضحك من البلاط الملكي من خلال شخصية المهرج، باعتباره الشخصية الوحيدة المسموح لها بالسخرية استدرارا للضحك عبر تقليد الملك نفسه وكبار رجال الدولة والقادة العسكريين، مع انتقاد سياساتهم دون التعرض للعقاب والأذى. ومن هنا ظهرت الأعمال الكلاسيكية الساخرة فيما بعد، منها شخصية "دون كيشوت" لـ "ثير فانتس"، التي سخرت من أساطير الفروسية الحمقاء.

ولدى العرب عرف العصر الجاهلي وصدر الاسلام مبكرا الضحك والسخرية والتهكم، ومارسوه کفن لغوی... ففي شبه الجزيرة العربية جاءت فكرة الهجاء شعرا كفكرة للنقد اللاذع من الخصوم وامتد الأمر للعصور الإسلامية، فظهرت أنواع الفكاهة الشعبية مثل حكايات أشعب، ونوادر جحا التي تمرر النقد الاجتماعي في قالب مضحك، فيما اعتبر العصر العباسي أزهى عصور الضحك، فقيه ازدهر فن المقامات، عند الهمذاني"، و"الحريري"، اللذين وظفا الفكاهة للسخرية من الأحوال، بينما لمع اسم الجاحظ في كتابه "البخلاء". عندما استخدم القصص الساخرة لتحليل طبائع البشر وانتقاد الكثير من الظواهر المذمومة بعصره.

المضحكخانة والمضحكتية

هناك شعوب اشتهرت بالظرف أكثر من غيرها، وأقوام ظلهم أخف من غيرهم. وقد ذكر الطبيب الفرنسي كلوت بيك". في كتابه "لمحة عن مصر"، أن المصريين لا منازع لهم في الظرف، فهم يميلون للضحك والسخرية أكثر من أي شعب آخر، وأن خفة ظلهم وتبنيهم الروحالفكاهة شيء متأصل في جيناتهم يجري في دمائهم مجرى النيل بأرضهم، وأن حين الحديث عن الضحك والمضحكين لا يمكن أن يتخطى بأريحية تلك الروحالمصرية الخفيفة منذ فجر التاريخ وإلى آخر الزمان

وقد صنف العلامة أحمد أمين أنواع نكات الشعب المصري، في كتابه "قاموس العادات والتقاليد المصرية"، إلى عدة أقسام منها (النكتة العقلية، النكتة اللاذعة) وغيرها، وقد خرجوا جميعا عن السنة مصرية صميمة، حتى بات غير المصريين يطلقون دعاء ربنا لا توقعنا تحت لسان مصرى"، وهي من الأدعية خفيفة الظل أيضا.

هذا الوله المصرى بالفكاهة والسخرية شجع كثيرين على الكتابة عن النكتة المصرية تحديدا، منهم ما كتبه عبد العزيز سيد الأهل في كتابه "النكتة المصرية" فقد ذكر أنواعا أخرى من النكات اشتهر بها الشعب المصري كنكتة القافية، والنكتة الطائرة، ونكتة القلب، والنكتة الرمزية. والنكتة الخيالية، والمزدوجة، والبايخة التي لا يضحك عليها سوى مطلقها.

تاريخيا، عرف المصرى القديم النكتة. وسجل نكاته على كل شيء، بداية من

الأحجار اللينة إلى الفخار وورق البردي وكان أول من أطلق النكتة السياسية خاصة ذات المعنى المزدوج، التي لن يفهمها سوى أولاد البلد، وذلك في وجه المعتدى والمحتل والمستعمر وفي فترات التعسف والقهر السياسي

ا تاريخ مصر الفكاهي

أدرك المصرى على طول تاريخه خفة ظله.

وفهم وحفظ تلك الهبة الربانية التي حباه الخالق بها، فجعلته موضع محبة باقي الشعوب له، ومصدر أنسهم حين التحدث معه والجلوس إليه، ومن هنا تأتي أهمية كتاب محمد غنيمة "المضحكخانة: سياحة في تاريخ مصر الفكاهي، الذي طاف فيه بالقارئ عبر محطات رئيسية يسرد بها قصصا وأخبارا عن الفكاهيين، مستعرضا تلك الروح الطريقة التي شكلت أهم ملامح الشخصية المصرية عبر العصور والتاريخ، وكانت من أهم وسائل التعبير عن مختلف القضايا، منذ عهد الأمرات إلى العصر الحديث.

ويتناول هذا الكتاب شخصيات مثل سیبویه، ابن قادوس، الأسعد المماتي الشاعر الجزان وعلى بن سودون الجركسي، بالإضافة إلى سرد خاص عن شخصية حسن الآلاتي، التي ذاع صيتها بنهاية القرن ۱۹، ويسببه ظهرت حكاية المضحكخانة عنوان الكتاب، حيث اتخذ الآلاتي ورفاقه من الظرفاء أحد مقاهي شارع الخليفة ليكون مقرا لهم، ومنه خرجت فنون الفكاهة المختلفة، من السخرية والتنكيت والتبكيت والتندر والتهكم مطلقين على المقهى هذا الاسم.

وفي هذا الكتاب، أعاد المؤلف توثيق ما حققه الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في تاريخ التراجم والأخبار، المعروف بتاريخ الجبرتي، حيث حفظ الكتاب ما دونه صاحبه عن نوادر وطرائف وخفة ظل وسرعة بديهة الشعب المصري وأطلق على هذا الباب الأضاحيك".

كما تطرق الكتاب إلى آخر ما صدر عن تاريخ الفكاهة المصرى، ووضعه أحمد الشبراوي في كتابه "روضة أهل الفكاهة". وذكر فيه قطوفا من سير الساخرين المصريين العظام، من أوائل القرن 19 الى اوائل الـ٢٠، من أمثال عبد العزيز البشري والمازني، وفكري أباظة، وحسين شفيق المصري، وبيرم التونسي، وكامل الشناوي وبديع خيري، ومحمود السعدني، وأحمد رجب، وعبد الله أحمد عبد الله الشهير بميكي ماوس، ولم يفت على الكاتب ذكر صحفيي الفكاهة وأبوابهم الطريقة، منهم أبو نظارة، وأرجول، وأبواب مثل كلمة ونص والتنكيت والتبكيت، والأستاذ والبعكوكة، وألف نكتة ونكتة، واشمعني

الضحكة المقهورة

يقول نيتشه إن الإنسان قد عانى بشدة الدرجة أنه اخترع الضحك، ويمكن اعتبار هذه المقولة حقيقة مؤكدة، إذا نظرنا للسخرية الانسانية على أنها نوع من المقاومة الطبيعية للجنس البشرى من أجل البقاء، وتحديدا بالنسبة للشعوب المقهورة التي على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي برجسون لا تملك قوة التفوق والانتصار والانتقام من ظلامها، إلا عبر ضحكة، ولو مكبوتة تخرج من خلف الجدان المعتمة.

من هذه الزاوية، يعتبر الكثيرون الضحك موضوعا إنسانيا بحتا، لم يكن ليفارق طبيعة بني آدم، وبالتالي هو وظيفة أو حالة خاصة عبئية، تتسم بالضعف والقوة والذكاء والتفاهة والنباهة والحكمة والجبن والشجاعة ولذلك لم يذكر التاريخ واقعة واحدة أمكن فيها إسكات الضحك أو حظره أو تقليصه أو تحديده. أو حتى عقاب من يرتكبه، وهو ما لا ينطبق بالطبع على المضحكين الذين نظر إليهم في أحوال عديدة على أنهم مجرد مشاغبين ومشاكسين، فيما اعتبروا في أزمنة بعينها بمثابة جيوش طليعية للمقاومة المعدية، يجب التعامل معهم بجدية، مما أدى إلى محاولة أسكاتهم بالسجن وعقابهم بالنقي

ومن إزدواجية تلك النظرة الحال المضحكين، يمكن النظر للعلاقة بين الضحك والإصلاح على أنها علاقة جدلية مثيرة للاهتمام، فهي سلاح ذو حدين، يمكن أن يجرح ويقصى ويهد ويهدد، ويمكن أن يكون مهمته النقد في سبيل الإنقاذ والبناء والارتقاء ولذلك بات للضحك صور ووجوه لا يمكن وضعها كلها في بوتقة واحدة. ولاسيما بعد أن أصبح هناك علم سمى "علم الضحك"، أو "جيلو تولوجيا"، نسبة إلى الكلمة اليونانية GEIOS المؤسس منهجه العلمي الطبيب النفسي ويليام فراى ١٩٦٤، بمعهد أبحاث سمى معهد الفكاهة" بولاية كاليفورنيا الأمريكية، وقد كان تدشينه نتيجة لملاحظة الأطباء أن حالة الضحك تنشط أكثر من ٢٠٠ عضلة بجسم الإنسان، منها ١٧ في الوجه، وأسموه "الجرى الداخلي، لأن ردة فعله على الجسم تسبب تدفق الهواء إلى الرئتين بسرعة 100 كيلو في الساعة، مما يعطى حتى أكثر من تأثير رياضة الجرى نفسها على ضغط الدم وعملية التنفس، بالإضافة التأثيرة القوى على الجهاز المناعي والدورة الدموية وعضلة القلب، وقدرته على إفراز هرمون السعادة المساعد على الكثير من العلاجات النفسية، بما يعود على الصحة العامة الجسدية للإنسان، تحديدا في هذا العصر الذي عز فيه الضحك كمفهوم واسع له أهميته القصوى، واقتصر التعامل معه فقط كوسيلة قد تكون منجية للهروب من الواقع وماسيه.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - عودة المنقذ

في عز حر الميدان الكبير، وبينما محلات العصير الكثيرة نفسها تكتظ بطوابير المنتظرين في الظهيرة

جوائز الدولة.. الوطن يكرّم مبدعيه وعلماءه

فاروق حسنى ومحمد صبحى وخربوش أبرز الفائزين جائزة النيل للمبدعين العرب ذهبت للشاعر العراقى على جعفر العلاق التقديرية تذهب إلى...

من التخويف منه إلى العلاج به الضحك.. فلسفة حياة عابرة للحضارات

المصريون القدماء رسموا صورا هزلية على أوراق البردى وجدران المعابد نيتشه قال إن الإنسان عانى بشدة لدرجة أنه اخترع الضحك...

شخصيات لها تاريخ «111» روميل.. ثعلب الصحراء فى مصيدة هتلر

أخبر هتلر بأن ألمانيا خسرت الحرب.. والفوهرر اعتبره شريكًا فى محاولة اغتياله وجعله يبلع السم حتى يكون موته هادئا بدون...