أغرب حفل شهدته المقاهى الثقافية فى الثلاثينيات

كامل بك الشناوى يكرم نقيب أطباء الأسنان الراسبين

لم تكن مقاهى القاهرة مجرد مكان لاجتماع أدبائها وصعاليكها، ومن أطلق عليهم الظرفاء لاحتساء الشاى والقهوة، وتدخين النارجيلة، أو التنفيس عن هموم ومتاعب الحياة، فهى الوجه الآخر لما يريد أن يعيشه هؤلاء، بعيدا عن صفحات الكتب والجرائد، بعيدا عن قصائد الشعر، والرواية، فهى هوامش للحياة الإنسانية، يسرقها من عمره الأدبى والثقافي، لتصبححياة إنسانية أخرى، نرى من خلالها الوجه الآخر لهؤلاء الأدباء والمثقفين.

في ثلاثينيات القرن الماضى كانت الحركة الثقافية فى مصر، تمور بالزخم، تماشيا مع الزخم السياسي الموجود وقتها، ولا يستطيع أحد أن يفرق بين اللقاءات إذا كانت أدبية، أو سياسية من تنوع الحضور، لكن كان هناك بعض الشخصيات ممن يطلق عليهم "ملح الجلسات" هم فئة الصعاليك الذين يملكون الموهبة، ولكن الظروف حالت بينهم وبين تحقيق موهبتهم. فأصبحوا ندماء في جلسات الثقافة والأدب.. وإذا كان لهذا الفن صعاليك، يشكلون ملحالجلسات، فله أساطين كانوا ملء السمع والبصر، وكان كامل الشناوى"، أو كما يلقبونه كامل بك"، ملك "المقالب"، فقد أقام أغرب احتفالية شهدتها مقاهى القاهرة في ثلاثينيات القرن الماضى، وهى حفلة تنصيب نقيب حكماء الأسنان الراسب.

الحكاية أنه عندما كان "إسماعيل صدقى باشا " رئيسا للوزراء، رأت الحكومة أن تنظم مهنة طب الأسنان"، بعد إنشاء كلية طب لها بقصر العيني وكانت المهنة يتم ممارستها دون ضابط ولا رابط، والذين يقومون عليها أشخاص كل مؤهلاتهم القوة في ربط الضرس بخيط وشده، والصوت العالي في النداء على الزبائن في ميدان العتبة الخضراء، وهو يصيح في الناس "خلع الضرس بقرش"، وكان المسكين الذي يقع في براثن مثل هؤلاء، يجد ضرسه مربوطا في خيط الدوبارة، ثم يقوم حكيم الأسنان هذا بجذب الخيط ليخلع الضرس، ويسيل الدماء، وقد يحدث تسمم يودي بحياته. ووجدت وزارة الصحة أن هذا أمر خطير ولا بد من تنظيمه، وقررت عقد امتحانات الممارس مهنة طب الأسنان، فترخص للبعض ممارسة بعض الأعمال. وتمنع الآخرين الذين رسبوا من مزاولة المهنة وكان عدد الراسبين كبيرا جدا، ولم تعجبهم النتيجة.

وعندما سمع الشاعر والكاتب كامل الشناوى بموضوع هؤلاء تعرف بأحد زعمائهم، وكان يجيد الكلام والخطابة فأقنعه الشناوى بأن يصبح نقيبا لحكماء الأسنان الراسبين، ويؤسس نقابة يسميها "نقابة حكماء الأسنان الراسبين" وأن يجمع زملاءه الراسبين في مقهى الفيشاوى لانتخابه لهذا المنصب العظيم، ورأى الشناوى أن يرتدى النقيب بذلة حتى إذا تمت العملية الانتخابية يتوجه فورا هو وأعضاء نقابته بصفة رسمية إلى قصر عابدين، ويسجلون أسماءهم في دفتر التشريفات الملكية وبعد ذلك يتوجهون إلى مقر رئاسة مجلس الوزراء، في ميدان لاظوغلی لإبلاغهم بنتيجة الانتخابات، ثم إلى مكتب حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء "صدقى باشا"، لتتخذ نقابة حكماء الأسنان الراسبين الشكل الرسمي المحترم، وينشر خبر تأسيسها في الصحف، وتمارس عملها.

وبالفعل اقتنع الدكتور المرشح لمنصب النقيب بالفكرة، واشترى بدلة الرائد جوت" من سوق الكانتو، ولكن كانت هناك مشكلة، فلا بد من إذاعة بيان النقيب قبل التوجه إلى مجلس الوزراء !! عن طريق إحدى الإذاعات الأهلية.

تولى كامل بك كتابة البيان، والاتفاق مع مندوب الإذاعة الأهلية، وحضر مندوب الإذاعة ومعه كل أدوات الإذاعة، وكان الاحتفال مثيرا، فقد امتلأ المقهى بأعضاء النقابة والزبائن الذين يشاهدون أغرب حدث في مصر، وجرت عملية الاقتراع بأوراق سرية، وكان كامل الشناوي" يقوم بعملية الفرن بطريقة علنية، حصل فيها النقيب على 99% من الأصوات، ومنحه الشناوى لقب "دكتور"، وجلس الدكتور تحت مرآة كبيرة معلقة على جدار المقهى، في انتظار قدوم مندوب الإذاعة، وتم التقاط الصور التذكارية، ثم ارتفعت الأصوات أين الإذاعة يا كامل بك؟ وفجأة دخل شاب يحمل على كتفه صندوقا صغيرا من صناديق الصابون، وفيه بعض الأسلاك التليفونية، ولمبات محروقة، ووضع الصندوق أمام كامل الشناوي" وقال:

"إذاعة مصر الجديدة" فقال النقيب وهل يسمع أهالى حلوان هذه الإذاعة؟ فقال الشاب: إذاعتنا مسموعة من بنها حتى قليوب. فوافق الدكتور النقيب ودعاه الكامل الشناوى لإلقاء البيان وعندما قرب صندوق الصابون من فيه تأمل الدكتور السلك قليلا، وقال: هذا سلك منخل، فقال له الشاب مندوب الإذاعة "نعم، ولكنه منخل لاسلكي، وهو ينخل الكلام، أي يجعله صافيا عذبا".

وألقى النقيب البيان الذي كتبه كامل الشناوى فهز رأسه وقال له: "أعد أعد" وأعاد النقيب إلقاء البيان، حتى ظهر السرور في وجه كامل بك، فقال: "كفى.. عظيم جدا"، وبالفعل توجه النقيب وأعضاء النقابة الراسبين إلى قصر عابدين، ولكن لا يعرف أحد مصيرهم.

 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - الأسبتة أكثر من الرؤوس

على «سَبَت» المحبوب ودِّينى

أغرب حفل شهدته المقاهى الثقافية فى الثلاثينيات

كامل بك الشناوى يكرم نقيب أطباء الأسنان الراسبين

د. طارق منصور: أكتب لإصلاح المجتمع

البحث العلمى مازال يعانى ويحتاج حلولًا عاجلة وزيادة المخصصات المالية «المؤرخين العرب» هدفه الحفاظ على الهوية التاريخية للأمة العربية بعض...

شخصيات لها تاريخ «109» أدولف هتلر.. العنصرى المجرم قاتِلُ الملايين

والده كان مولودًا غير شرعى وكان يضربه بالكرباج فى طفولته فكره والده وكتب عن كراهيته له فى مذكراته ترك المدرسة...