نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى والنقد الشاعرى الكتاب يضم قراءات لنخبة من الشعراء فى 6 دواوين منها «الخيط فى يدى» و«تقطيبة المحارب» و«تمثال رملى» و«أحد عشر ظلاً لحجر»
يتناول كتاب «فتحى عبد السميع.. شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة»، تجربة الشاعر والباحث فتحى عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعرى والفكرى الممتد عبر ما يقرب من ربع قرن، ويضم عددا كبيرا من المقالات والدراسات التى كتبها عنه شعراء من جيله أو الأجيال السابقة عليه أو اللاحقة، فى تجربة تحتفى بالممارسة النقدية للشعراء، تماما كما تحتفى بتجربة الشاعر نفسه ودواوينه المختلفة، فعادة ما ينظر للقراءات النقدية التى يقدمها مبدعون بوصفها فى مرتبة أقل من نظيراتها التى يكتبها نقاد متخصصون، ليأتى هذا الكتاب ليعيد الاعتبار لـ"نقد الشعراء"، بالقدر نفسه الذى يعيد فى الاعتبار التجربة الشعرية الطويلة للشاعر فتحى عبد السميع الممتدة على مدار عقود، منذ ثمانينيات القرن الماضى.
الكتاب صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فى القاهرة، تحرير الشاعر أحمد المريخى، وتقديم الناقد الدكتور محمد فكرى الجزار، وهو عمل نقدى وتوثيقى يطرح رؤية تتجاوز التعريف التقليدى بالشاعر، مقدما فتحى عبد السميع بوصفه صوتًا إنسانيًا خاصًا، تشكلت تجربته بعيدًا عن ضجيج العاصمة ومركزيتها الثقافية، إذ ظل مقيمًا فى قنا بجنوب الصعيد، محتفظًا بمسافة من الصخب الإعلامى، بينما كان يصنع مشروعه الشعرى والبحثى بهدوء ومثابرة.
يبدأ الكتاب بقراءات فى ديوان "الخيط فى يدي" أول دواوين الشاعر، ويضم هذا الفصل مقالين، أحدهما للشاعر والناقد أمجد ريان بعنوان "الفرعونى المعاصر والتلويح بالطفولة"، والآخر للشاعر مصطفى جوهر بعنوان "همس ينفث أدخنة أحيانا". أما الفصل الثانى فيدور حول ديوان "تقطيبة المحارب"، ويضم مقالا للشاعر صفاء ذياب بعنوان "دينامية الحركة والمشهد السينمائي"، وآخر للشاعر محمود الأزهرى بعنوان "سيرة هزيمة وطن بأكمله"، والقراءة الأخيرة للشاعر محمود خير الله بعنوان "قصيدة نثر جديدة". والفصل الثالث قراءات فى ديوان "تمثال رملي"، ويتكون من ثلاث قراءات، الأولى للشاعر محمود الأزهرى بعنوان "البناء المعمارى للنص"، والثانية للشاعر الراحل فتحى عبد الله وعنوانها "الأسطورة تعيد تشكيل الواقع"، والثالثة قراءة الشاعر جمال القصاص "البيئة المحلية كمرآة للشعر".
الفصل الرابع يضم قراءتين فى ديوان "الموتى يقفزون من النافذة"، إحداهما للشاعر شعبان يوسف عنوانها "شعرية حادة ومرهفة"، والأخرى "الشعر شاهد قبر" للشاعر محمود خير الله. أما الفصل الخامس فيدور حول ديوان "أحد عشر ظلا لحجر"، ويكتب فيه الشاعر عاطف عبد العزيز مقالا بعنوان "أحد عشر حجرا لظل"، ومقال للشاعر أشرف قاسم عنوانه "أنسنة المُهْمَل"، والقراءة الأخيرة فى هذا الفصل للشاعر كريم عبد السلام بعنوان "قاطع الطريق للقصيدة الإنسانية".
الفصل السادس والأخير، وهو الأكبر فى الكتاب من حيث عدد المقالات، جاء مخصصا لديوان "عظامى شفافة وهذا يكفي"، وهو الأحدث صدورا للشاعر، وضم هذا الفصل ثمانية مقالات، أولها "تأخرت فى قراءة فتحى عبد السميع" للشاعرة غادة نبيل، والثانى "شاعر الكائنات الهشة" للشاعر محمود خير الله، والمقال الثالث بعنوان "شاعر عابر للتصنيف" للشاعر شعبان يوسف. والمقال الرابع للشاعر شريف الشافعى بعنوان "القصيدة بعِظام شفافة"، وتكتب فيه أيضا الشاعرة والناقدة فاطمة قنديل مقالا بعنوان "تدجين القسوة"، كما يضم مقالا للشاعر أسامة الحداد بعنوان "تجليات الجغرافيا وجنوحها"، والمقال السابع للشاعر أشرف أبو اليزيد وعنوانه "الفراشة الأثيرة والصور السريالية"، ويختتم هذا الفصل بمقال للشاعر سامح قاسم بعنوان "الكتابة من الجهة التى لا يلتفت إليها الضوء".
وفى تصديره للكتاب، يقول المريخي: "وهنا نلتقى بمجموعة من القراءات النقدية التى تناولت تجربة الشاعر فتحى عبد السميع على مدار ربع قرن تقريبا، وهى ليست كل ما كُتب عن فتحى عبد السميع، بل هى الكتابات التى كتبها الشعراء فقط، رغبة فى تعويض غياب النقد عن مواكبة التجارب الشعرية الجديدة، أى أننا لا نتناول فى هذا الكتاب تجربة الشاعر بقدر ما نتناول قضية "نقد الشعراء" كموضوع يثير الكثير من الأسئلة. ويستحق هو الآخر دراسة نقدية كاشفة لقيمته ودوره فى فك الحصار الذهنى عن التجارب الجديدة التى تختلف فيها صورة الشعر، عن ملامحها الراسخة فى ذاكرة الناس"، ويؤكد أن تجربة عبد السميع نحتت لنفسها مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية، بعيدًا عن التصنيفات الجاهزة أو الألقاب الشكلية، مشيرًا إلى أن نصوصه تنحاز إلى الإنسان الهش والتفاصيل اليومية الصامتة، وتتجاوز فكرة الشعر بوصفه بناءً نظريًا مغلقًا.
ويستعرض الكتاب المسار الإبداعى للشاعر عبر دواوينه الشعرية، بداية من «الخيط فى يدي» الصادر عام 1997، وصولًا إلى «أحد عشر ظلًا لحجر»، فضلًا عن مختاراته الشعرية «عظامى شفافة وهذا يكفي»، مع التوقف أمام السمات الأساسية فى تجربته، ومنها التماهى مع معاناة الناس والانشغال بالهامش الإنسانى العميق.
ولا يقتصر الكتاب على الجانب الشعرى فقط، بل يسلط الضوء كذلك على مشروع فتحى عبد السميع البحثى حول ظاهرة الثأر فى صعيد مصر، باعتباره أحد أبرز مشروعاته الفكرية والاجتماعية. ويشير المريخى إلى أن الشاعر لم يكتفِ بدور المبدع المنعزل، بل انخرط فى دراسة الظ اهرة الثأرية بوصفها خطرًا يهدد المجتمع المصرى بأكمله، فأنجز مشروعًا بحثيًا مهمًا صدر منه كتاب «القربان البديل.. طقوس المصالحات الثأرية فى جنوب مصر»، الذى نال عنه جائزة الدولة فى العلوم الاجتماعية عام 2016، ووصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد.
ويبرز الكتاب أهمية المزج بين الحس الشعرى والرؤية البحثية لدى عبد السميع، معتبرًا أن تجربته تمثل نموذجًا نادرًا للمثقف المنخرط فى قضايا مجتمعه، والساعى إلى تفكيك البنية الثقافية للعنف والثأر عبر أدوات الفن والمعرفة معًا. كما يتناول قصيدة «قاطع الطريق الذى صار شاعرًا»، بوصفها نموذجًا دالًا على قدرة الشاعر على تفكيك السياق الاجتماعى والنفسى للعنف، وتحويله إلى سؤال شعرى وإنسانى مفتوح، فى محاولة للكشف عن التحولات الداخلية للذات الإنسانية، لا مجرد سرد واقعة أو حدث.
ويقدم الكتاب قضية «النقد الشاعري» باعتبارها إحدى القضايا المركزية التى يدور حولها العمل، إذ يضم مجموعة من القراءات النقدية التى كتبها شعراء عن تجربة عبد السميع، فى محاولة لتعويض غياب النقد الأكاديمى عن مواكبة كثير من التجارب الشعرية الجديدة.
وفى مقدمته المعنونة بـ«النقد الشاعري»، يناقش الدكتور محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى والنقد الذى يكتبه الشعراء، معتبرًا أن الشاعر يمتلك حساسية خاصة تجاه التجربة الشعرية، تجعله أكثر قدرة على النفاذ إلى روح النص، بعيدًا عن الصرامة المنهجية التى قد تحاصر النص داخل قوالب نظرية جامدة.
ويختتم العمل بالتأكيد على أن تجربة فتحى عبد السميع تستحق مزيدًا من الدراسات والقراءات، ليس فقط باعتبارها تجربة شعرية مميزة، وإنما أيضًا بوصفها نموذجًا للمثقف الذى جمع بين الإبداع الشعرى والانشغال الحقيقى بقضايا المجتمع، وبين الحس الجمالى والرؤية البحثية العميقة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...
نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...
أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة
«الأعمال الكاملة» سلسة كتب تصدرها هيئة الكتاب لاستعادة الذاكرة الثقافية «لوتريامون» أول شاعر سوداوى ترك بصماته على قصيدة النثر