«ذلك هو البعد».. قصيدة نثر تغازل ماضيها «الصوفى».. وتُعاتبه

استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى

"ذلك هو البعد» عنوان اختارته الشاعرة إسراء النمر لديوانها الثاني الصادر مؤخراً عن «ديوان للنشر»، بعد أن صدر لها من قبل ديوان أول هو «العيون التي غادرت سريعاً»، العام 2021، ونحن ممن يؤمنون أن الشاعر هو ديوانه الثاني، لأن الشاعر يكون فيه أقرب ما يكون إلى ملامح صوته الشعرى الخاص، بعدما تخلص من عثرات البدايات التى تسم عادة التجارب الأولى للشعراء، ليكون الديوان الثاني دائماً دليلاً على أن الشاعر أصبح يعرف بكل تأكيد أن «فالشعر صعب طويل سلمه.. إذا ارتقى فيه من لا يعلمه»، وهو اعتراف قديم للشعراء منذ «الحطيئة».

من حسن الحظ أن الديوان الثاني الإسراء - تخرجت في كلية إعلام جامعة القاهرة ۲۰۱۲ ، وتعمل صحافية في أخبار الأدب»، وصدر لها كتاب ألعاب حسين عبد العليم.. الصياد الذي لم تنج منه أية رائحة يقدم تجربتها الشعرية الجديدة بعدما مرت برحلة من التحولات كفيلة بأن تنضج الشاعرة على نار هادئة فقد انتقلت من مرحلة الفتاة الشابة إلى مرحلة «الأمومة التي تزيد فيها المسئوليات والأعباء والهموم، لكنها تدفع الشاعرة نحو المزيد من التأمل والعمل على القصيدة، حيث تتزايد الحاجة . على ما يبدو - إلى التعبير عن الذات على نحو ما طالعنا من شهادات شاعرات نثر مصريات من أجيال مختلفة عن تجاربهن في الإنجاب، في كتاب ديوان الأمومة شهادات ونصوص الذي حررته الشاعرة رنا التونسي، وصدر قبل نحو عشرة أعوام عن دار ميريت» للنشر.

منذ الإهداء تبلغنا شاعرة ذلك هو البعد» بهذا التطور الروحي الذي عاشته وهو الوصول إلى مرحلة الإنجاب والدخول في أطوار الأمومة، وبالتالي تعرفنا في الإهداء اسم ابنتها وشكل عينيها: «إلى عينى محمد المتيم اللتين هما ذاتهما عينا ابنتى فرح، كما أنها تعيد الإشارة إلى ذلك الفرح أيضاً داخل النصوص، مثلما فعلت في قصيدة «أهكذا يموت الشعر؟"

"لن أستطيع مهما حدث

أن أكتب شعراً حزيناً

لقد صرت أماً ...

وعلى الأمهات أن يقتلن حزنهن كل صباح».

ورغم كل ذلك الفرح بفكرة الأمومة، لا تخلو قصائد الديوان من الحديث عن الحزن والفقد عن الوحدة والموت، حيث تتمتع فيه الذات الشاعرة - لا تزال - بكثير مما اعتدنا عليه لدى شعراء قصيدة النشر، خصوصا من حيث الولع بصفتين أساسيتين ومتناقضتين ظاهريا: الأولى هي أنها ذات شاعرة مهمشة ومقموعة ومغتربة عن محيطها بصورة ما، والثانية هي أنها ذات قادرة بما لديها من طاقة شعرية على أسطرة تجاربها وخبراتها وجعلها محوراً للعالم، تلك الذات المهزومة والمحبطة والمنغمسة في تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة هي ابنة شرعية لذات الشاعر الهامشي المتسكع الجوال جواب الآفاق، والذي لا يتمتع بأى قدر من الألوهية والنبوة، ذلك الكائن البسيط الذي يعرف ضعفه الإنساني، تلك الذات التي انفصلت بها تجربة شعراء قصيدة النثر منتصف خمسينيات القرن الماضي عن ترات الذات الشاعرة في الشعر العربي كله، حينما كان الشاعر مرادفاً للفارس النبي أو لنصف الإله.

ربما لهذا السبب، جاءت الذات الشاعرة إلى العالم - ومنذ السطر الأول في ديوان إسراء - في الوقت غير المناسب وهي تعتقد أنها تحتاج إلى الوهم كي تحيا وإلى الألم كي تحب الذات هنا تعتاش على الفقد وتستمد منه سحرها وبالتالي أسطوريتها، حيث ترتفع قدماها عن الأرض كلما فقدت شخصاً، ويوما ما تقول: " سأفقد الجميع وأطير»، الذات هنا تشبه نفسها بدمية خاوية من الداخل تتحول في قصيدة وظائف متعددة» إلى لعبة، أو إلى «ذات متشيئة مستسلمة تماما لمصيرها، وقد حولها القمع والاستبعاد والإهمال إلى شيء عاطل عن إنسانيته، إلى ما يشبه بطل رواية كافكا «التحول» أو «النسخ» المدعو غريغور سامسا، تقول في قصيدة وظائف متعددة":

لسنوات طويلة

كانت أمي تخيط بي الملابس

وتدسني في صدرها

تأخذني أحياناً إلى مطبخها

تقطع بي البصل

أو تفرمني مع الثوم

لطالما علقتني أمي على الحائط

تارة لتعرف منى الوقت

وأخرى لتطرد بي الشياطين

أمى تسند كوعها علي

وتمسح دموعها في..

منذ رحلت

وأنا مهملة

كأداة عاطلة عن العمل

بطلة هذه القصيدة هي صاحبة هذه الأسطورة التي تحكيها القصيدة، أسطورة الذات التي تحب أن تعلن عن نفسها، بأن تصنع العالم الشعرى من انكساراتها وهزائمها وإحباطاتها ومن ألمها الوجداني وفجيعتها في العالم، وبالتالي تمارس . في كل قصيدة - سطوتها وهيمنتها من خلال المشاهد التي تنتقيها لتنقل إلينا صدمتها، وهي خبرات تنبع شاعريتها من تماسها مع خبرات آخرين، وبالتالي يصبحاصطيادها في حد ذاته خبرة جمالية لا تكتمل إلا بالاعتماد على أدوات القصيدة وقدرتها على تجسيد هذه الخبرات.

طقوس التعرف

الحق أنني أريد قراءة ديوان ذلك هو البعد، مستعينا بما ورد في مشروع نقدي مهم قدمه الناقد الدكتور أيمن بكر . أستاذ الأدب والنقد المساعد في جامعة الخليج في الكويت . في كتابه الطقوسية السردية، المبالغة نحو نظرية للشعر العربي الحديث، الصادر في الشارقة ٢٠٣١، وهو أحد أبرز المناهج النقدية التي قرأتها انصافاً لقصيدة النثر، ربما لأنه منهج يعترف بالتغير الهائل الذي عاشته الثقافة الإنسانية ما أدى إلى تطور الفنون ومنها الشعر، حيث يشير الناقد أيمن بكر إلى ثلاثة ملامح رئيسية لا تخلو منها أغلب تجارب الشعر العربي الحديث. وهي: «الطقوسية والسردية والمبالغة» والطقوسية يقصد بها الملامح الشكلية والإيقاعية والصوتية والبلاغية الموروثة من تراث الشعر العربي القديم، لكنها امتدت كطقس جمالي لصيق بالشعر في كل العصور، ويات الشاعر الجديد يعتمد عليها في تقديم نصه مهما ادعى القطيعة مع الماضي، والدليل أن قصيدة النشر ليست نصاً صوتيا بقدر ما هي نص مقروء ورغم ذلك تجد شاعر النشر لا يزال مصرا على القراءة في المحافل العامة واقفا على قدميه كانه باشد، ليمارس بهذه الطريقة نوعاً من التأثير الصوتي أو المسرحي الموروث بالكامل من الماضي.

ووفق رؤية أيمن بكر تستطيع أن نقول أن طقس التعرف الأول بين القارئ والشاعر هو ولاشك العنوان، ذلك هو البعد العبارة الواردة كعنوان لإحدى القصائد تعود إلى الصوفي محمد بن عبد الجبار النفري صاحب كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، وهي نفسها المقولة التي تبناها وروج لها بعض شعراء قصيدة النثر الرواد وأولهم أدونيس، على اعتبار أن «النقري» كان شاعراً نثرياً بالفطرة رحل في القرن الرابع الهجري، خصوصا في المواقف والمخاطبات، وظني أن مفردة "البعد" عند النقري لا تعنى المسافة الجغرافية على وجه التحديد. بقدر ما تعنى البعد عن الحقيقة، أو عجز العقل واللغة عن إدراك الحقائق الإلهية الكبري، وهي تحيل أيضا إلى معاني الغربة أو الاغتراب عن الواقع.

طقس التعرف هذا، يمكن فهمه من السطر. الشعرى الأول، حيث الشاعرة تدخل مباشرة في الموضوع، لنصف إحساسها العميق بهذا البعد»، فهي تقر لنا بأنها كانت دائما تعانى من خلل وجودي عميق في علاقتها بالعالم، جعلها تصل دائما متأخرة إلى ما تريد، لتدخل بنا في طقس اعترافي صريح من السطر الأول، لا يخلو من قدرة على تعرية الذات وفضح العالم المحيط بها:

كل رجل أحببته

قال إنني جئت في الوقت

غير المناسب...

أمي أيضاً

قالت إنني جئت

رغما عنهم....

معلمة الحصة الأولى

كانت تذنبني لأنني أتأخر دائماً ...

الأماكن التي عملت فيها

تخلت عنى سريعاً ...

القطارات بالطبع

كانت تفوتني

والصلوات

والشمس...

حتى البحر اعتذر لي لأن جوفه

قد امتلا

لو كانت القصيدة العربية التقليدية قد عرفت طقس التعرف الأولى للشعر من خلال أدواته الوزنية وإيقاعاته وإنشاديته الواضحة، فإن طقس التعرف استمر أيضاً في الشعر الحديث ووصل إلى قصيدة النثر ليترك أثره على غلاف الديوان، فقد بدا الناشر موقعا بفكرة كتابة العنوان بخط عربي مزخرف، لكي يتحول الغلاف نفسه إلى لوحة يتكرر فيها العنوان بعبارته ذات الحمولة التراثية وتتداخل حروفه وزخارفها بما يحيل إلى ترات ليس أبعد من النفري» بكثير، ولا أبعد من ابن عطاء الله السكندري الذي يشار إلى اسمه وعبارته ما قادك شيء مثل الوهم في عنوان قصيدة أخرى من قصائد هذا الديوان هي قصيدة الوهم».

الطاقة السردية للشعر

أبرز طقوس التعرف الشكلي للشعر التي انتقلت من القصيدة العمودية إلى القصيدة الحديثة . يقول الدكتور ايمن بكر - هو شكل السطر الشعري غير المكتمل، فلماذا يكتب شعراء النثر قصائدهم على هيئة سطور غير مكتملة. مع أنهم يمكنهم كتابتها في سطور مكتملة مثل كاتبي القصص القصيرة مثلا... هذا الاختيار - يقول أيمن بكر - جزء من طقس التعرف الشكلي على الشعر عند القاريء بعدما استقر منذ عقود في الذائقة العامة ولدى الشعراء أنفسهم، وهو يضرب المثل بالشاعر العربي الكبير نزار قباني أحد أكثر الشعراء العرب شهرة في القرن العشرين، والذي كان يكتب شعرا عموديا تقليديا في ثوب شكل شعري جديد أي في سطور غير متساوية، لأنه كان يدرك قيمة الانتقال إلى طقس التعرف الجديد.

على مستوى السردية»، يقسم الدكتور أيمن بكر حالات الحضور السردي في الشعر إلى ثلاث حالات يحسبها قادرة على تغطية الشعر العربي الحديث الأولى هيمنة السردي» والثانية الطاقة القصوى للسرد، والحالة الثالثة الأكثر شيوعا وخفاء هي شبح السرد، حيث يكون حضور السمة السردية خافتا ومبعثرا بصورة قد تغيب عن عين القارئ تماما، وهي السمة الواضحة في ديوان إسراء النمر الذي يستند إلى بعض القيم السردية التي عرفتها قصيدة النشر مثل: الحكي وبناء الشخصية واستخدام الحبكة القصصية أو تيمة الحكاية، ومثل الاعتماد على رسم ملامح الشخصيات باختيار تفاصيل تشى بكثير من المعاني والدلالات، وأحب أن أتوقف هنا عند بناء شخصية الجدة «فردوس»، في النص المركزي للديوان والذي يحتل نحو ثلث الكتاب تحت عنوان «ما الفردوس سوى اسم جدتي، تلك القصيدة التي تتكون من ثلاثة عشر مقطعا شعريا تشكل موقف الذات الشاعرة من الماضي الذي تعاليه في صورة الصراع مع جدتها، وهو نص متقشف على مستوى اللغة، حيث يتم تعويض هذا التقشف بعناصر من الحكي السردي، منها مثلا طاقم الأسنان المتروك على الطاولة" و "عروقها البارزة وغيرها من سمات جسدية ونفسية تقول موجهة الحديث إلى الجدة

" فشلت كثيراً في الحب

وفي العمل

وفي تكوين الصداقات

فشلت في صنع وجبة تكفى شخصين فشلت في المشي بكعب عالي

وفي اختيار ملابس من حدائق الموضة فشلت في أن تكون ابتسامتي طبيعية ونظراتي أقل حدة

لكنني لم أفشل قط

في كراهيتك».

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - أطفال النول

تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...

«ذلك هو البعد».. قصيدة نثر تغازل ماضيها «الصوفى».. وتُعاتبه

استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى

هند مختار: أكتب لمتعتى الشخصية

أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...

التأمل.. تجربة الصمت والهدوء الممتع

تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...