ماجدة حسانين: أصعب ما يواجه الشاعر أن يظل صادقًا وسط الضجيج

أصدرت 3 دواوين وتكتب المسرح والقصة القصيرة الشعر ليس وزنًا وقافية بل أن ترى العالم بعين أكثر انتباهًا حضور المرأة المبدعة فى صعيد مصر اليوم أصبح أكثر وضوحًا وإصرارًا الشعر اليوم أكثر جرأة وما زال يحمل القدرة على الصدمة

ماجدة حسانين، شاعرة من مواليد محافظة سوهاج، حاصلة على ليسانس آداب قسم علم نفس جامعة القاهرة. ولها ثلاثة دواوين شعرية هى.. صلوات عباد الشمس"، الصادر عام 2020، و"متع مسروقة" عام 2024، وأخيرا "سيبقى الشعر مدينا" الصادر عام 2025، كما أن لها مسرحية بعنوان "أبناء النور الواحد" شاركت فى المسرح التوعوى وحاصلة على إجازة من الإدارة العامة للمسرح وإنتاج هذا العام، ومسرحية "حجر أبو غريب تحت الطبع، ومجموعة قصصية بعنوان "بئر أم السر" تحت الطبع أيضًا.. عن دواوينها وتنوع 11 كتابتها كان لنا معها هذا الحوار.

حدثينا عن تجربتك الشعرية وماذا يمثل الشعر لك ؟

الشعر ليس صنعة معقدة بقدر ما هو حالة.. إنه شيء يجرى على اللسان كما يجرى النيل في أرضه طبيعيا، هادئا. وممتدا دون افتعال، ربما لأنني ابنة قرى تعرف كيف تتكلم بالصورة قبل البلاغة، وتعرف كيف تتغزل في الأشياء الصغيرة.. في شجرة عند باب البيت أصابها القلق على أصحابه، وفي رائحة الخيل وفي سيمفونية جوقة أوزات أمي، وفي وجه من عليه التعب وبقيت فيه الطيبة والبشاشة.

القرية إذن كان لها عامل مؤثر في شعرك؟

بكل تأكيد، وأعتز بذلك، ولا اتخلى ابدا عن روحي القروية التي تسكنني، لأن هناك تعلمت أن الشعر ليس بالضرورة وزنا وقافية، بل قدرة على أن ترى العالم بعين أكثر انتباها، وأن تقول ما يمر في القلب بلغة صادقة، لذلك لا اتعامل مع الشعر كنوع أدبي منفصل، بل كروحتسرى في كل ما أكتب في القصة والمسرح، وحتى في الجملة العابرة... حين يكون القلب يقظا للكلمات، يصبحكل شيء قابلا لأن يكتب.

ما الصعوبات التي تواجه الشاعر ؟

أصعب ما يواجه الشاعر أن يظل صادقا مع صوته الداخلى وسط الضجيحفالشعر كتابة حساسة، تحتاج إلى قدر كبير من الصدق واليقظة، بينما العالم من حولنا يميل إلى السرعة والاستهلاك السريع للكلمات مع ضرورة الحفاظ على دهشته الاولى تجاه اللغة والحياة.

هل صحيح أننا نعيش عصر الرواية وليس الشعر ؟

لا أعتقد أننا نعيش عصر الرواية على حساب الشعر الرواية اليوم تحظى بانتشار واسع بسبب المساحة التي تمنحها للتفاصيل والسرد، ولأنها تتماشى مع وتيرة حياة القارئ المعاصر، لكن الشعر لم يختف ولن يتأثر وإن هيمنت الرواية على المشهد العام، بل تغير شكله وطريقته في الانتشار، هناك من ينشره على وسائل التواصل، وهناك من يكتبه على الجدران، وهناك من يقرأه في الملاهي والجلسات الخاصة، الشعر اليوم أقصر أسرع، وربما أكثر جرأة. لكنه ما زال يحمل القدرة على الصدمة. وتحويل لحظة عابرة إلى تجربة عميقة تبقى طويلا.

إذن... كيف ترين تحول الكثير من الشعراء إلى رواية ؟

تحولهم ليس مفاجلا، فهو امتداد طبيعي المهارتهم في صياغة الكلمات وبناء الصور. الشاعر الذي يعرف كيف يقتنص ويلتقط اللحظة بكلمة أو جملة، يمكنه أن يوضع هذه القدرة ليخلق عوالم كاملة في الرواية، بشخصيات وصراعات وأحداث. في الوقت نفسه، أراه تحديا، فالرواية تتطلب صبرا على السرد وإدارة أحداث معقدة، بينما الشعر يعتمد على التركيز واللحظة المكتفة. لذلك، عندما يتحول الشاعر إلى الرواية، فهو يجمع بين الانفعال الشعري والدقة السردية، وهذا التحول يعكس رغبة في تجربة أشكال جديدة من التعبير، والشاعر يستطيع أن يكتب الرواية والعكس أظنه صعب.

عناوين دواوينك لافتة جدا من صلوات عباد الشمس" إلى "متع مسروقة وصولاً إلى "سيبقى الشعر مدينا .. ما الفلسفة التي تربط بين هذه العناوين الثلاثة؟

صلوات عباد الشمس" يرمز إلى الخشوع اليومي والتأمل في جمال الحياة رغم بساطتها، كما لو أن الإنسان يقف أمام الشمس ويصلى بحبه وعاطفته، أما "متع مسروقة ، فيسلط الضوء على اللحظات. الصغيرة المسروقة من الحياة، أو الأفراحالخفية التي لا تعلن عنها، لكنه في الوقت نفسه اعتراف بأن السعادة غالبا ما تأتي بطريقة غير مكتملة، لكنها تبقى ثمينة. وأخيرا، "سيبقى الشعر مدينا"، يمثل الإحساس الدائم بالامتنان والديون العاطفية والأخلاقية والإنسانية التي نعيشها، وأن الشعر هو الوسيلة التي تحاول بها تصحيح أو توثيق هذه الديون، أو مجرد الاعتراف بها. باختصار الثلاثة عناوين تمثل رحلة الإنسان بين التأمل السرور الخفى، والوفاء بالشعر الحياة والمشاعر هي فلسفة صغيرة في كل ديوان.

كيف ترين حضور المرأة المبدعة في صعيد مصر اليوم؟ وهل واجهت تحديات مجتمعية خاصة في بداياتك؟

كوني صعيدية من سوهاج، أرى أن حضور المرأة المبدعة في صعيد مصر اليوم أصبح أكثر وضوحًا وإصرارًا . رغم كل التحديات هناك نساء يكتين يصورن، ويبدعن في مجالات مختلفة ليصبحن صوتا مهما في المجتمع، حتى لو ظل الاعتراف بهن محدودا أحيانا. شخصيا، لم أواجه تحديات كبيرة في هذا المجال، لأنني ابنة الرجل مثقف، وواع بان بناته قادرات على تحقيق النجاحالذي يليق بهن في مختلف المجالات. وإخوتي على اختلاف مناصبهم، كانوا وما زالوا داعمين لي دوما. مع ذلك، لم تخل البداية من بعض الاعتراضات، مثل دراستي للسينما والإخراج، حيث اعتبر بعضهم ذلك غير مألوف أو متماشيا مع أعراف الصعيد، لكنها تحديات بسيطة مقارنة بالإصرار والفضول الذي يدفع المرأة للابتكار والتميز، في النهاية، أؤمن أن المكان أو الأعراف لا تحدد طموحالمرأة، إذا وجدت الدعم والحرية للتعبير عن نفسها.

كيف تنعكس دراستك للأغوار البشرية على رسم شخصيات مسرحياتك أو أبطال مجموعتك القصصية أو دواوينك الشعرية؟

دراستي لعلم النفس منحتني قدرة أعمل على فهم الدوافع الإنسانية وأعماق النفس، وهو ما أعتبره أداة أساسية الرسم الشخصيات التي ابتكرها. لا اتعامل مع الشخصيات كأدوار جامدة بل ككائنات حية تتحرك وفق تصوراتها. أحلامها، مخاوفها، وذاكرتها. علم النفس يساعدني على قراءة الإدراك البشري. كيف يرى الإنسان العالم من حوله كيف يفسر الأحداث ويكون قراراته وكيف تتشكل شخصيته عبر الصراعات واللحظات المفصلية.

هذا الفهم يجعلني أرى الحياة كمجموعة من التفاصيل الصغيرة والمتشابكة. حيث كل شعور او تصرف له سبب عميق في النفس البشرية. أحب أن يشعر القارئ أو المشاهد ان شخصیاتی لیست مجرد خیال، بل العكاس حي التجارب البشر بما فيها تناقضاتهم وهواجسهم وفرحهم والمهم، وهذا ما يجعل العمل الأدبى أقرب إلى الواقع وأكثر صدقا.

كيف تولد القصيدة لديك ؟ هل هي لحظة اختطاف مفاجئة أم تحتاج إلى طقوس خاصة وعزلة؟

أظن أنني قناصة ماهرة، اختطف متعة الفكرة أو لمحة الخرافة، وأوظفها الصنع الشعر، وبما أنني موشومة بصعيديتي وأعتز بها، أصبح ذلك جزءا من طبعي يمنحنى حشا خاصا يخلق زوايا جميلة في كتابتي، وأسعى دائما إلى تحسين استغلالها وتطويرها لتغدو أكثر عملا وتأثيرا.

بعد الشعر والمسرح والقصة. هل تراودك فكرة كتابة الرواية لتكتمل دائرة الأجناس الأدبية لديك ؟

يصدق لا أعلم، ربما يحدث، لكن قلبي يميل دائما إلى القصة القصيرة.. إنها فن يتطلب صبرا وجرأة، قادر على حشر عوالم كاملة في كلمات قليلة، وإشعال أعماق الشخصيات في لحظات خاطفة. لكنها لا تنسى من ينجح فيها، يكون بالفعل متفردا، لأنه استطاع أن يجعل القارئ يعيش الحياة كلها في صفحة واحدة.

مسرحية "أبناء النور الواحد" تندرج تحت المسرح التوعوي هل على الأديب دور مباشر في تغيير المجتمع، أم أن الفن يجب أن يظل للمتعة والجمال أولاً؟

أبناء الدور الواحد" جزء من المسرحالتوعوي، لكنها أكثر من مجرد رسالة واضحة، إنها دعوة للإنسانية أن ترى والشعر قبل أن تقال، لا أؤمن بأن على الأديب أن يتحول إلى واعظ مباشر أو يضع نفسه رهيئة رسالة محددة، لكني أؤمن بأن الفن يحمل القدرة على التغيير حين يلمس القلب والوجدان الفن أولا الجمال للمتعة، الغوص في الروحالبشرية واكتشاف تفاصيلها الدقيقة.

ومن هذه التفاصيل تثبت بذور الوعي وتنشأ قدرة القارئ أو المشاهد على رؤية العالم بعيون مختلفة. هكذا يصبح للفن دور من دون أن يفقد نوره وجماله.

كيف كان تفاعل الجمهور مع مسرحيتك "أبناء النور الواحد" خلال عرضها في مكتبة مصر العامة ؟

مسرحية "أبناء النور الواحد" كانت في جوهرها تجربة إنسانية ووطنية استثنائية بكل المقاييس، فالمسرح الفن الوحيد الذي يمنحك مكافأة فورية لا تقبل التأجيل، حيث نقرأ صدى نجاحك مباشرة في ملامح الجمهور، وتستشعر نبضات قلوبهم مع كل جملة حوارية تلامس الوجدان.

بدأت الرحلة بسلسلة من النقاشات الفكرية والمثمرة مع المخرج المسرحي القدير أسامة عبد الرؤوف، وكان شاغلنا الشاغل كيفية تقديم قضية الوحدة الوطنية والعلاقة التاريخية بين المسلمين والمسيحيين، بعيداً عن القوالب الجاهزة أو الشعارات المباشرة. كنا نبحث عن "النور الواحد" الذي يجمعنا تحت سماء وطن لا يعرف التفرقة، وبدعم وتنسيق من الدكتورة هاجر محروس، مدير مكتبة مصر العامة بأسيوط، التي أمنت بالرسالة وفتحت لنا أبواب هذا الصرح الثقافي العريق استطعنا أن تحول الحلم إلى واقع احتضنته خشبة المسرح الثلاث ليال متتالية من التجلى والإبداع.

لم يكن الحضور طوال ليالي العرض مجرد أرقام تحصى في سجلات المشاهدة، بل كان مزيجاً تريا ونوعياً من النخبة المثقفة، والأدباء، والمبدعين وكبار صحفي أسيوط، الذين جاءوا ليروا كيف يمكن للفن أن يكون حائط صد منيعا والأجمل من ذلك كان حضور الجمهور العادي بوعيه الفطري حيث رأينا العائلات المصرية بنسيجها المتلاحم تتفاعل بشغف والهان مما أكد لنا أن الوجدان المصري عصي على الاختراق، وبلغت حالة النجاح ذروتها في ليلة الختام التي ستبقى محفورة في ذاكرتي بتشريف السيد اللواء محمد علوان، محافظ أسيوط، وبصحبته نخبة من القيادات الأمنية والتنفيذية ورؤساء تحرير الصحف والمجلات الكبرى بالمحافظة.. هذا الانتقاف الرسمي والشعبي حول عمل فني يتناول قدسية العلاقة بين قطبي الأمة المسلمين والمسيحيين)، أكبر دليل على أننا في قلب الصعيد نعيش حالة من التلاحم الفعلي الذي يسبق أي خطاب نظري

الشاعرة والقاصة والكاتبة المسرحية وأخصائية علم النفس... هل يحدث صراع بينهم ؟

لا أشعر بالصراع بقدر ما أشعر بالتكامل. كل هؤلاء هم أنا، حين أكتب، انكسر مثل شعاع ضوء في مياه هادلة، فتتفرع الوانه الباحث النفسي يمنح الشخصية أبعادها، الشاعرة تمنحها لغتها، القاصة ترسم الطريق، والمسرحية تمنحها صوتا وحركة، لكن الروح الأم بلا شك هي الشاعرة، لأن الشعر عندى هو الأساس نبض الكتابة، والذهب الذي أحبه بعد ذلك في القصة أو المشهد.

ما الرسالة الأخيرة التي تودين أن تتركيها عالقة في وعي كل من يقرأ دواوينك أو يشاهد مسرحك؟

رسالتي أن يعود الإنسان إلى دهشته الأولى أريد من كل من يقرأ لي أن يتوقف قليلا عن الركض خلف ضجيحالعالم، لينظر إلى شجرة قلقة، أو وجه متعب أو لحظة فرح مسروقة. أن يستمتع بكل ما لديه من نعم رسالتي هي الانحياز للصدق والبساطة التي لا تجرح، وللإنسان في أضعف لحظاته وأقواها، أريد أن أقول للناس: لا تتركوا الشعر والجمال يرحلان عن يومكم، فما زال في الحياة متسع للحب، وما زال في القلب بتر لم يكتشف سرها بعد.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - العتب ع المطر

لا تبحث في الصورتين عن الرؤوس أو الوجوه، فقد اختفت في "الجواكت" في ظروف غامضة!

«السماء الثامنة ».. أول رواية مصرية عن مأساة غزة

سلماوى يسجل تاريخ القضية فى قصة حب عاصفة قصة غرام «إيمان» و «عمر» تبدأ بمظاهرة لنصرة غزة 2006 وتنتهى ب...

سمير غريب مفكر كشف الستار عن أهم جماعة فنية فى الأربعينات

عاون فاروق حسنى وتولى رئاسة أربعة أجهزة ثقافية كبيرة ألقى الضوء على رواد السريالية ومؤسسى جماعة الفن والحرية فى كتابه...

ماجدة حسانين: أصعب ما يواجه الشاعر أن يظل صادقًا وسط الضجيج

أصدرت 3 دواوين وتكتب المسرح والقصة القصيرة الشعر ليس وزنًا وقافية بل أن ترى العالم بعين أكثر انتباهًا حضور المرأة...