ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
استوحى زميلنا الصحفى والكاتب والشاعر عمر شهريار، نائب رئيس تحرير المجلة، عنوان كتابه المهم عن صبرى موسى من واحد من أهم أعمال موسى، وهى رواية "السيد من حقل السبانخ"، فكان عنوان الكتاب الدال هو "صبرى موسى.. السيد فى حقل الأدب).. هذا الكتاب الذى يعتبر محاولة جادة ودؤوبة للدخول إلى العالم الإبداعى المتفرد والمختلف والاستثنائى لصبرى موسى..
برؤى وشهادات ومن منظور مبدعين ونقاد من مختلف الأجيال.. قدموا لنا قراءة بانورامية، تتعدد زواياها، لعالم صبرى موسى الإبداعى.. جمعها شهريار وأعدها وقدمها فى كتابه، لنطل من خلالها بعمق على ذلك المبدع الكبير الذى أوقعه التناول النقدى -كما حدث مع غيره من مبدعين كبار- فى أسر (العمل الواحد)؛ فكما حدث مع يحيى حقى فى "قنديل أم هاشم"، والطيب صالح فى "موسم الهجرة إلى الشمال"، ويوسف إدريس فى "الحرام"، حدث أيضا مع صبرى موسى فى "فساد الأمكنة"، هذه الرواية الاستثنائية، رواية المكان، التى قدم فيها صبرى موسى عصارة تجليه الروائى ظلمت بقية أعماله ظلما كبيرا.. لأن لموسى أعمالا أخرى شديدة الأهمية، كان ينبغى أن تصرف إليها الأنظار النقدية أيضا، مثل "حادثة النصف متر"، و"السيد فى حقل السبانخ" كذلك مجموعاته القصصية "المرأة التى.. والرجل الذى لم"، و"لا أحد يعلم" و"وجها لظهر" و"مشروع قتل جارة" وكذلك كتاباته الأخرى التى تناولت تجاربه وقدرته على القراءة والوصف والاكتشاف فى كتب مهمة مثل "فى الصحراء" و"فى البحيرات" و"الغداء مع آلهة الصيد".
وفى الكتاب يقدم عمر شهريار بقلمه-ضمن بقية المبدعين والنقاد الذين جمع شهاداتهم- دراسة وقراءة شديدة العمق تستبصر وتستكشف طريقا من طرق صبرى موسى الروائية بعنوان "الإنسان الملاك.. والخروج من فردوس العسل"، تتناول بشكل واف ومستفيض رواية صبرى موسى المختلفة "السيد من حقل السبانخ"، وهى واحدة من أهم روايات الخيال العلمى على مر السنين، وكما يقول شهريار فإنها "ليست رواية عادية.. لا تنهل من الواقع السياسى أو الاجتماعى أو من التجارب الذاتية للكاتب كعادة الرواية المصرية والعربية لكنها تقفز قفزة معاكسة تماما مستفيدة بقدرة كاتبها على قراءة المستقبل وتخيله وليس المستقبل القريب بل بعد قرون عديدة".
فى هذه الرواية يقدم صبرى موسى خيالا علميا صرفا، برؤية متجاوزة وبحبكة درامية متدفقة.. تدور أحداث الرواية فى منتصف القرن الخامس والعشرين، بعد قرون من تدمير واختفاء العالم القديم الذى انتهى فى نهايات القرن الواحد والعشرين، إثر الحرب العالمية الإليكترونية التى دمرت ذلك العالم القديم، ولم يبق وقتها إلا بعض العلماء وبعض من كانوا فى مخابئ سرية.. ومنهم بدأ ذلك العالم الجديد الذى أسماه سكانه الجدد بالمعمورة.. والمعمورة هى مساحة صغيرة من الأرض تشبه الصوبة الزراعية محاطة بغطاء زجاجى محكم، يفصل بينها وبين الأرض فى الخارج.. تعيش بنظام إلكترونى دقيق ويحكمها عقل إلكترونى.. وكل شىء فيها يسير بنظام آلى دقيق، الزواج والطلاق والإنجاب والتنقل والعمل، ولا مجال فيها للهويات أو الجنسيات أو الأديان.. أشخاص الرواية هم "هومو"، وزوجته ليال، ودافيد، ويعقوب، وعثمان وابن محمد.. وتتفاعل أحداث الرواية حين يفكر "هومو"، الذى يعمل فى خط حقل السبانخ، فى التمرد على تلك الحياة الآلية، ويملؤه شوق وحنين لاستكشاف أرض الأسلاف فى الخارج، فيقرر -ومعه بعض الرفقاء- الخروج من تلك الجنة الإلكترونية، فى استدعاء واضح لقصة الخلق وخروج آدم من الجنة.. لكن هومو يصدم صدمة كبرى حين يواجه ذلك العالم الخارجى، فيجده عالما مخيفا تتوحش فيه الطبيعة، بسبب ما طالها فى الحرب الإلكترونية من تدمير نووى، فيحاول العودة إلى المعمورة وعالمها الإليكترونى مرة أخرى، ويقف منهكا مشعث الشعر على باب المعمورة يطرق دون أن يهتم به أحد من ساكنيها.. وهى نهاية غير متوقعة بالنسبة للقارئ.
جوانب إنسانية
أما إبراهيم عبد المجيد، ففى قراءته لصبرى موسى يتناوله من خلال بعد إنسانى إلى جانب قراءته الإبداعية، ويحكى قصة اللقاء الأول الذى جمعه به، بمقر مجلة صباح الخير، منذ سنوات طويلة وكيف استقبله موسى بترحاب، وتعجب موسى وقتها وتساءل كيف لم يقرأ لإبراهيم عبد المجيد، الذى لاحظ أن موسى كان كثيرا ما يشير بيده أثناء نقاشهما بما يعنى (اعبر هذا الموضوع)، وكأنه لم يكن يريد أن يتناول إبداعا لا يعجبه أو شخصا لا يعجبه بأى كلمة تنتقص منه.. وهو نفس ما كان يستشعره عبد المجيد منه حين زامله بعدها بسنوات فى لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة.
وفى دراسته، يكتب الدكتور حسين حمودة عن "فساد الأمكنة"، وعن بطلها "نيكولا"، ذى الأصل القوقازى، الذى ولد فى تركيا وعمل فى إيطاليا، وجاء إلى صحراء الدرهيب بمصر للاستكشاف والبحث عن المعادن، فإذا به يقع أسيرا لهذا الجبل ولطبيعته الاستثنائية. يحدثنا حمودة عن قدرة صبرى موسى على أن يجعلنا نعيش فى ذلك العالم الغامض، الذى سوف يأسرنا استكشافه، والذى سوف تزاحم صورته فى عيوننا كل صورة أخرى سواه، وربما سوف تزحزح ملامحه عن حواسنا ملامح ذلك العالم الآخر والمألوف الذى نعرفه.. نيكولا القوقازى القادم من عالم آخر كأنهما -الجبل ونيكولا- قد كانا منذ ملايين السنين وكأنهما باقيان هنا عبر زمن ممتد، شارتين، إحداهما خالدة، والأخرى تجسيد لحلم محبط بالخلود، تومئان إلى روح الطبيعة وعريها وإلى تقشفها وسطوتها وإلى فردوسها القريب -البعيد المتاح- المستحيل.
أما أحمد أبو خنيجر فقد اقتفى أثر صبرى موسى حين ذهب إلى الصحراء ليعرف كيف أبدع روايته الخالدة "فساد الأمكنة"، وكيف أبدع كتابا مهما وكاشفا عن الصحراء. اقتفى أبو خنيجر أثر موسى ليرى كيف أبدع صحراءه الخاصة (فساد الأمكنة).. رواية المعايشة والصبر والترقب والانتظار والتأمل للحظة الاصطفاء، لتمنحه الصحراء واحدة من جواهرها.. فساد الأمكنة.
وتكتب د. هويدا صالح دراسة مطولة عن الخطاب الكولونيالى فى "فساد الأمكنة"، وتخلص فى أحد أهم استنتاجاتها إلى أن موسى استطاع أن يفضح الخطاب الكولونيالى المرتبط بوجهة نظر استعمارية، والذى يرى فى الشرق مجرد شرق نصوصى، وهكذا كان نيكولا القوقازى القادم من أوربا مغامرا وساعيا أبديا إلى امتلاك خيرات جبل الدرهيب.
مفارقة
يكتب الناقد الدكتور أحمد الصغير قراءة نقدية شديدة الأهمية فى مجموعة "السيدة التى والرجل الذى لم".. حيث تناول أشكال المفارقة وتقنياتها الفنية التى حفل بها السرد من مشكلات إنسانية، وهواجس بشرية تربك الذات الإنسانية، بل تسهم فى تغيير مسارها الحياتى.. ويتحدث الصغير عن أشكال المفارقة فى المجموعة فيقول إنها مفارقات عدة؛ تصويرية ومشهدية ودرامية لفظية ومفارقة موقف.. وحتى عنوان المجموعة نفسه، حفل بالكثير من الدلالات الفنية والمفارقية، فالعنوان عن السيدة والرجل، وكلاهما له وجود إنسانى مختلف.. ثم عرض الصغير للمفارقة فى قصص المجموعة.. مثل قصص (التباس، وهواجس، وفاعل خير، وهابى كريسماس).. وقال إن قصة "التباس" مثلا تقدم هذا الخلط الذى يكتنف حياة الكبار فى السن، بحيث يختلط عليهم تماما من يحيطون بهم، فينتج عن هذا الخلط الناتج عن كبر السن مفارقات كاشفة، وبحيث تتحقق فعلا تلك الرؤية التى تقول إنه كلما تقدم الإنسان فى العمر هبط إلى مراحل طفولته.. وقد كان صبرى موسى بارعا فى تصوير تلك المفارقة فى قصة "التباس"، وفى تصوير ألوان أخرى من المفارقة فى قصص المجموعة بشكل عام.
أما سيد الوكيل ودعاء الحناوى فيتناولان رواية "حادث النصف متر". يكتب الوكيل عن الدلالات التى تمنحها الرواية لقارئها، ومنها ذلك البعد الاجتماعى المركب للشخصية المصرية، أنه البعد القادم من بعيد، عبر تراكم موروثات حضارية شتى.. ويضيف الوكيل أنه عندما نذكر صبرى موسى نذكر "فساد الأمكنة"، ونهتم بالمكان بوصفه حضورا بارعا فيها، لكننا لا نلتفت إليه فى حادث النصف متر، وحيث جعل موسى للمكان حضورا رمزيا مدهشا، يسع التاريخ الإنسانى بكل تراجيديا الحضارة فيه.
وتكتب دعاء الحناوى عن "حادث النصف متر"، أيضا، فتقول إن هذه الرواية تتناول شخصيات قد تقع ذروة حياتهم وحياة غيرهم فى نصف متر. ولكن تلك المسافة لا تضم شخصيتى البطل والبطلة فقط. ولكن ضمت معهما زمانا ومكانا وتاريخا داخليا وخارجيا.
أما مدحت صفوت فقد كتب عن الصمت كفعل مقاومة فى عالم صبرى موسى الإبداعى، وشرح فعل الصمت، وكيف ارتبط بالحلم فى قصصه.
وأخيرا قدم شعبان يوسف بانوراما لصبرى موسى، كأديب كبير صاحب عطاء شامل فى الإبداع المصرى والعربى، منذ قصصه الأولى المنشورة فى مجلة التحرير فى أواخر عام ١٩٥٢.
وأخيرا نختم بما كتبه عمر شهريار فى مقدمة كتابه عن أن صبرى موسى كان (فتاح سكك) إبداعية، وقد ارتاد طرقا إبداعية غير ممهدة، وأن هذا الكتاب عنه وعن إبداعه يحاول أيضا أن يفتح (سكة) لقراءة واكتشاف العالم الإبداعى لواحد من أهم وأخلص أدباء مصر والعرب، وأديب كبير أعجزه المرض فى سنواته الأخيرة عن الكتابة، لكنه ظل صامدا عزيز النفس كريم الخلق للنهاية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد