يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى الإله زيوس ورمز إليها بعجلة ضخمة
نمر في حياتنا بشتى أنواع التناقضات والازدواجيات، وتباغتنا الأيام بالمفاجآت بما لم يخطر على بال فنرى العجائب والغرائب، ونتبعثر فى تلاحق الأحداث، وبين هذا وذاك قد نعيش سعادة نفرح لها نتمنى أن تدوم أو نشقى بتعاسة تفرضها علينا الظروف فتتعبنا وترهقنا نتمنى من أمامها وورائها أن لو تزول، ونحن إزاء ما يجرى لنا نشعر أننا لعبة الاقدار، والقضاء نازل لا محالة فوق الرؤوس، وأن ما نواجه من خير أو شر أشبه بفريضة قد فرضت علينا، وعل هذا كله هو القضاء والقدر.
لا شك أن مفهوم القضاء والقدر قد شكل عبر الزمان إشكالية كبرى حتى جاء الإسلام فجعل المفهوم ركنا أساسيا من أركان الإيمان، وزاوية حرجة يتأرجحالإيمان بها بين المطلق فى التسليم والإنكار بدلائل عقلية ليست تبعية عن التابعين وللحق أن كثيرا من بين المؤمنين بهذا الركن كخلفية عقائدية مازال عند وقوع النوائب والمصائب، ولدى الأزمات والكوارث وفي المحن وأمام الصعاب واشتدادها ينسبون كل هذا إلى القدر المظلم "كشماعة " موجودة ومستعدة لإلقاء الأشياء التعسة عليها ولسان الحال يقول كما قال الشاعر:
لبست ثوب العيش و لم أستشر / وجرى أمرى كذلك بين الفكر ولسوف أخلع عنى هذا الثوب الأسود ولن أدكر فأنا لم أدرك لما جئت ولا أين المفر.
وربما على هذا النحو يدور الحديث في عقل الكثيرين حتى دون سؤال واضح - هل نحن مسيرون أم مخيرون ؟ أمام قوله تعالى فى حديثه القدسي رفعت الأقلام وجفت الصحف، وعلى ذلك يصبح الإنسان رهينة وجوده الجبرى بقدره الإلهى الحاكم و ليس حرا يعيش بذكائه وكدحه.. يرسم طريقه ومصيره وفق إرادته بنفسه.
وربما هذا الذى خطر على الأذهان المتعبة وتمحور حول حرية الإنسان أمام مشيئة الخالق هو سؤال أزلى ارتبط بحقيقة الإنسان على الأرض ولغز قدره الذي لم يستطع أبدا فك شفرته، ويقوده بشكل أوتوماتيكي إلى فكرة ثانية محورها عدالة الله المطلقة.
المشيئة
خلق الله خلقه ومنهم الإنسان فسواه وعدله و في أحسن صوره وركبه، ثم هداه السبيل الفطرى ولم يتركه برحمته فأنزل إليه الرسل والأنبياء بالرسالات والعقائد والديانات كل لما صلح لزمنه، كما أسبغ على عامة خلقه كافة نعمه الظاهرى منها والباطنى والخفي، ومنها حرية التفكير وإعمال العقل للتأمل والتدبر والاختيار واتخاذ القرار ثم التوجه للفعل الحر دون قهر وإن كان بشروط عادلة وضعت من أجل المحاسبة.
أما عن مشيئة الله الواسعة أمام محدودية مشيئة البشر فلقد خلق الله الناس ويعلم بالضرورة مدى صلاحنفوسهم، وقد عمل على توجيههم وإرشادهم للطريق القويم، فلم يتركهم للشيطان لقمة سائغة، وما انحراف بعضهم بعد ذلك عن سواء السبيل إلا لتشوه وخلل أصاب الفطرة السليمة فأعمى البصر والبصيرة ونال من الضمائر الحية فأردى النوايا الطيبة وحل محلها الخبيثة .. هنا يتدخل سبحانه بحكمته وتدبيره لينقذ عبيده فينذرهم من مغبة أفعالهم السيئة وشرور أنفسهم التي ضلت فينزل الابتلاءات المحذرة والمعوقات المنبهة رحمة من عنده من سوء العاقبة، وكذا لاختبار صحوتهم وعودتهم إليه باعتباره خالقهم الذي خلقهم ليعبدونه لقوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وهي القاعدة الأساسية في علاقة الإنسان بربه وتعنى سبب وجوده الأصلى في الحياة؛ وعل قوله اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير إدراكا لكل هذا وقوله ونبلوكم بالخير والشر فتنة وإلينا ترجعون إيضاحا لهذا المعنى السابق ليأتى الامتحان في الصبر على حكم الله والارتداع عن الاستمرار في الخطايا، وفي ذلك الإنسان مخير بلا جبر أو قهر لتكن بعدها الهلكة بنزول المقادير سببا يستوجب آنذاك الحساب الذي إما يكون دنيويا وهو على قوته هين ويكون لأصحاب النفوس الضعيفة الذى يعلم الله أسباب ضعفهم في قوله وخلق الإنسان ضعيفا وإما أن يؤجل للآخرة لإصرار أصحابه على عدم التوبة وإظهار الندم وهؤلاء لا يهملهم الله بل يمهلهم فيأخذهم أخذ عزيز مقتدر فيموتون على عصيانهم ليحق عليهم العذاب المقيم الذي لا مجال للرجعة فيه.
نشأة القدر
يقول الإمام الغزالي إن الإيمان بالقدر شيء قد جبلت عليه الأمم منذ بدء الخليقة فما من أمة إلا وأمنت به على فهم أصحاب هذا الزمان، وأما ما اختلف فيه فكان في فهم وتدير هذا الأمر الغيبي والحكمة من ورائه.
والقدر في اللغة هو التقدير في مبلغ الشيء والحكم عليه، أما اصطلاحا فهو معرفة الله تعالى الأمور التي ستحدث بالضرورة السابق علمه بها ومعرفته الخالصة بخلقه وبصفاتهم وطبائعهم، وهذا كله حكم لا يتغير ومنه الموت والحياة أما عن الفرق بين القضاء والقدر فالقضاء في اللغة هو الفصل في الشيء والحكم عليه، واصطلاحا هو حكم الله على خلقه في أمورهم الدنيوية وإيجاد هذا الحكم، وعلى ذلك قد يتعاق قضاء الله - مع علمه بذلك وتتعلق إرادته وقدرته، وفي هذا الإنسان مخير ولذا فالقضاء فعل الله القابل للتغير وفقا العوامل وشروط، منها مثلا استجابة المولى الدعاء العبد ما يوقف القضاء النازل ويعطله، والشروط هنا سهلة وبسيطة وترتكز على النوايا الطبيبة، الإلحاح في الدعاء بقلب سليم، تحرى أوقات الاستجابة، والكف مع هذا عن المعاصى والتوبة من ما فعل العيد منها وتجنبه بقدر الإمكان من العودة إليها.
سر القدر
بعد سر القدر سرا عظيما لم يطلع الله عليه أحدا ولم يحط بعلمه إلا هو سبحانه .. لذا فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل استطاع أن يعلمه إلا بقدر ما شاء الله.
ويتضمن هذا السر كل ما يحدث في الكون من خير أو شر يعلمه الله بتمام وكمال علمه، وهو خاضع كليا الإرادته وتحت مشيئته، وقد كتبه عز وجل باللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وبمجرد أن خلق القلم والألواح فقال للقلم اكتب والألواح سجلوا فكتبت الأقدار والمقادير وجميعها تسمى "الكتابة القدرية التي لا تتغير ولا تتبدل. وتتبعها "الكتابة العمرية " التي تبدأ مع نفخ الله الروحفي الجنين ببطن أمه، ومنها ما يقبل التغيير والمحو أو الإثبات ويكون كل ذلك موجودا فيما يسمى "صحف الملائكة"، وعنها يقول تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وبالطبع كل ما كتب بصحف الملائكة مكتوب باللوح المحفوظ شرحه وتفصيله وبدايته ونهايته ومواقيته.
أما عن "السر المكتوم فيكون في تفاعل الإرادة الإلهية مع الإرادة البشرية وسر هذا التوافق - كما سبق - يكمن في عدة تدابير ومنها الدعاء الذي يرد القضاء، صلة الرحم بر الوالدين الأعمال الصالحة بغير مصلحة او تباه، التوبة المستمرة الوعى والمراقبة الذاتية. القرارات الصحيحة باستخارة، وهذا كله يعدل مسار القضاء المعلق بين السماء والأرض ما يفتح مرة أخرى أبواب السماء ارده والتغير الإيجابي فيه الذي لا شك يؤثر على حياة الإنسان فيدفع عنه الابتلاء ويشفيه من الأمراض، ويغير الحال إلى أفضل حال، ويعطيه ما سأل من سفر أو عمل أو زواج أو إنجاب، والحصول على المراتب وترقيات ورواج التجارة في الأعمال.. إلخ وذلك عبر عناية الله في تسخير الأسباب وحسن الظن به والتوكل عليه وحده.
وبشكل أوسع هناك أسرار أقدار من المنظور الإسلامي في فهم حكمة الله المطلقة في خلقه وهي حكمته التي راعي الإنسان فيها فجعل له حرية الاختيار وتشتمل على أربعة مبادئ أولها "التوحيد بأنه وحده الخالق المدير لا شريك له، وهو "العدل" الذي أعطى المسؤولية العبيده في خياراتهم، و"الحكم لأن حكمه سابع ثم "الرحمة" التي يرحم بها سبحانه خلقه ١٠٠. واحدة منها فقط جعلها في الدنيا بها ترحم الوالدة ولدها، أما الباقي فقد أجلها تعالى كلها ليوم الحساب لطفا منه بعبيده العلمه بحاجتهم الماسة إليها وهم وقوف بين يديه.
القضاء والقدر قبل الإسلام
ومما لاشك أن هناك عدة عوامل كانت هي المؤثرة في رؤية مفهوم القضاء والقدر في الأمم المختلفة، ومنها بالطبع ما قبل الإسلام في الحجاز، فالبيئة الصحراوية کمتال کانت عاملا هاما أثرت على طبيعة العربي في هذه المنطقة، مما جعل الجاهلي يصبح اتكاليا يعتمد بشكل كبير على القضاء والقدر فلم يمل لتعقيد الأمور إلا فيما لزم... أما لمدى قربه من الفكرة فقد تقارب من أجلها مع العرافة التي تمثل طوراً لعب دوره في أوهام العرب عن الطير والتطير والتشاؤم فأخذ العربي يستقسم بالأزلام بعد أن فهم الاستنباط من المحسوسات حوله، ومن هذا لزم العلامات واستدل بالإشارات تعرف عنه الفراسة والقيافة واقتفاء الأثر وكان من الطبيعي إذا استقاده في الكهانة والسحر كنوع من الحماية من قدرة بخاصة قبل الحروب والمعارك وعند الزواج وفى الإنجاب حيث فضل الذكور على الإناث، فكان يقرأ الطالع ويتبصر له في النجوم للقال والتنبؤ ينوع المولود قبيل ولادته.
وربما من هذا وذاك خلط عربي الجاهلية المعنى بين الدهر والقضاء والقدر فأخضع نفسه الجبرية مطلقة أفضت بأحيان كثيرة إلى عملية ركن فيها إلى ثنائية الخير والشر وفي سبيل التعامل معهما شخصن مثلا الدهر وعاليه ونسب إليه مصدر النحس وأصل الشرون وكان يتطور الوقت يتطور في عقيدته حتى خضع أخيرا السلطان هذا الذي لم يستطع مجابهته أو ترويضه قامن للنجاة بمناة وعوض" وهما أصنام تعنى الدهر ونجد له صدى كذلك في الأساطير العربية حيث ذو النون الذي عبد من وجهة النظر هذه الدهر قبل الرسالة طمعا في الخلود ووصل سيدنا الخضر إلى "عين الدهر ليشرب منها ماء يعطيه الأبدية، وقد أعطى هذا إلى حين، كما طمع لقمان بن عاد كذلك في الخلود وربط هذا ببقاء سبعة لسور على قيد الحياة آخرها أسماه ليد، لكن الدهر أقنى كل النسون و لما جاء الدور على ليد قمات انتهت حياة لقمان كما تروى الأسطورة.
وبالطبع في ظل هذه البيئات المتنوعة نزلت الديانات التوحيدية، أولها اليهودية التي أمن اليهودي المتدين فيها أيضا بالقضاء والقدر.. غير أنه مع الوقت ظهرت اتجاهات مختلفة في إيمانه بهذا المفهوم ... اتجاه رأي اليهودي مجبرا فلا يوجد أمر موجه خارج إرادة الرب وعلمه، واتجاه آخر امن بأن مع الله علم كل شيء إلا أنه مع هذا قد منح الإنسان الحرية وهي القوة التي يتصرف بها في شئون دنياه.
أما في المسيحية فالقدر في مذهب "الإلهيات" هو القائل بأن الرب قد قدر كل الأحداث مسبقا وذلك في إطار القضاء بالخلاص المقدر للبعض واللعنة المقدرة على الذين وقعوا في الخطية دون اعتراف.
وبعيدا عن الرسالات الإبراهيمية عرف الإيمان بالقضاء والقدر في الفلسفات والأديان والأعراف الوضعية ففي الفلسفة الهندية على سبيل المثال يشير مصطلحالقضاء والقدر إلى أن هناك قوة مجهولة تتحكم في الكون وهي حصيلة معقدة من تفاعل معقد ليس مستندا إلى الاختيار الواعي لهذه القوة، وبالتالي ما سوف يحدث بالمستقبل يكمن في عالم لا يحكمه أحد وعلى هذا هو قابل للتغيير والتبديل.
وفي البوذية الصينية القضاء والقدر كلاهما يشير إلى الكارما" وهي ما تضمن بصورة مباشرة أن أحداثا بعينها تكون ملزمة الحدوث وفقا لتسلسل سببي لا يشترط وجود إله.. أما عن مصطلح القضاء والقدر فكان في نظرهم لوصف بعض العلاقات بين الأحداث وليس لكل الأحداث بالمجمل.
وبالطبع هذا لم يمنع ظهور - في الأديان الوضعية - ما هو ضد الخدمية الجبرية بكل صورها بل ينسب ما يحدث و سوف يحدث إلى النظريات الكونية وفقا لتسلسل علمي منطقي، وهو أقرب إلى الفلسفة العلمانية التي تخرج عن منظومة الأديان فتنتسب جميع الأحداث إلى العلم بشكل قطعي.
قصة القدر بعد انقطاع الوحى
وبنزول الإسلام ووجود الرسالة التوحيدية الأخيرة لم يحدث أي افتراق أو ابتداع بالطبع في شئون العقيدة. ومنها الإيمان المطلق بالقضاء والقدر كشرط أساسي من شروط الإيمان إذ يقول صلى الله عليه وسلم" الايمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، وقد ظل هذا المفهوم الإسلامي عن الفكرة بالرضا والتسليم لهما حتى انقطاع الوحي لكن ذلك لم يمنع معه فتح الموضوع والسؤال حوله لما يترتب على ذلك من إيضاح فكرة المحاسبة والثواب والعقاب، فكان أن سئل عنه الرسول صلى الله عليه وسلم" فأجاب بممانعته قائلا: أراد الله ألا يطلعكم عليه فلا تريد وأما الله أبي عليكم، وقد علل ممانعته لما يؤدى إلى الضلال والخزى ويفتح بابا لوسوسة الشيطان وهو ما حدث بالفعل فيما بعد..
وعليه عندما انطوى عهد النبوة وكثرت الفتوحات واختلط المسلمون بغيرهم كان من الطبيعي إثارة الحديث عن نفس الفكرة من جديد والوقوف عند هذا الحكم الغيبي بخاصة مع ازدهار العصر العباسي يعلم الكلام والمجادلة وترجمت فيه الكثير من كتب الفلسفات والديانات السابقة سواء الوضعية أو التوحيدية، وهنا تفرق المسلمون تفرق مذهبية لتأثرهم بذلك، وكان أول روافد التأثر ما جاء في الفلسفة اليونانية، الفارسية. الهندية تحديدا في باب التساؤل حول القضاء والقدر فظهرت في البصرة "بدعة القدرية" التي اعتبرت أول شرك في الإسلام ولم تظهر مثلا بالمدينة أو مكة لكثرة العلم والعلماء التابعين بإحسان لعهد النبوة، فكان منهم من أنكر بشدة ما ابتدع في الإسلام مثل ابن عباس، ابن عمر انس بن مالك جابر بن عبد الله وغيرهم رضى الله عنهم.
و تكاد مصادر أهل السنة تنسب إلى واحد من أهل البصرة عمل بقالا يسمى سيسويه وكان نصرانيا أسلم أو تظاهر بالإسلام و قبل ارتد عن إسلامه، فكان هو أول من تكلم في القدر وبهذا تأسست "القدرية" التي تفي فريقها القدر تماما وقالوا بأن الإنسان مخير في جميع أحواله يفعلها بمحض إرادته ومشيئته الكاملة، وهو في هذا غير محتاج لعون إلهي وهو ما يرى انتقاصا من المقام الإلهى إذ يقول تعالى ( قل لا أملك لنفسي ضرا ولا تقها إلا أن يشاء الله يونس ٤٩.
والرد على هذا الاتجاه العقائدي ظهرت الفرقة التالية الجبرية" وهم أتباع جهم بن صفوان الترمذي الفارسي الذين قالوا إن كل ما يحدث للإنسان يحدث بقدر إلهي أزلي وعلى ذلك فالإنسان مسير وأن الفاعل الوحيد والاختيار له هو الله، وهنا قد جرد أصحاب هذه الفرقة الإنسان تماما من حرية اختياره وجعلوه مجبورا بما في ذلك ارتكابه المعاصي مع أن حديثه "صلى الله عليه وسلم واضحا في هذا الشأن حيث قال: ما منكم من أحد من نفس منقوصة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنان وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول الله أقلا تمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن من أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فهو من أهل الشقاوة ؟! فقال صلى الله عليه وسلم بل اعملوا فكل ميسر فإما أهل السعادة فسيسيرون العمل أهل السعادة، وأما من أهل الشقاوة فسيسيرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكتب بالحسني قسنيسره للعسري) وعلى الآية ١٤٨ من سورة الأنعام مصدر أصيل مصداقا للحديث الشريف.
وبناء على هذا الاختلاف ظهرت الفرقتان الثالثة والرابعة "المعتزلة" و"الأشاعرة" أما المعتزلة فنسبت لأبي هليل العلاف مؤسس الفرقة الذي قال بركن العدل أي حرية الاختيار عند المخلوقين، والعبد بهذا المفهوم فاعل للخير أو الشرع فالله على هذا الأساس لا يمكن وصفه بأنه مصدر للنشر فالخير دائما من عنده سبحاله. وفي هذا التفسير أخطأ أيضا المعتزلة فمن عند الله الخير والشر خلقا وإيجادا، وكلاهما من نتاج فعل الإنسان فعلا وكسبا لقوله إن تصبهم حسنة يقولون هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولون هذه من عندك قل كل من عند الله) النساء ٧٨.
وهنا جاءت الفرقة الرابعة "الاشاعرة" أهل السنة والجماعة للرد على فلسفة المعتزلة، وهي فرقة تنسب لأبي حسن الاشعرى الذي وصف القضاء شرعا باله حكم الله بوجود كل شيء وعدمه، أما القدر شرعا فهو إيجاده للأشياء على صفات مخصوصة في أوقات معينة، وهي متعلقة بعلمه الأزلي، وإنما القضاء والقدر على هذا النحو لا يمكن الفصل بينهما، فالقضاء مرجعه العلم والإرادة الإلهية، والقدر مرجعه القدرة والفعل.
ألواح القدر
ويبدو أن فكرة وجود اللوح المحفوظ بالأقدار المكتوبة فيه كانت من أكثر المفاهيم الغيبية عملا ليس فقط في الأديان السماوية الإبراهيمية بل في الفكر الإنساني بشكل عام فهو هذا اللوح الذي سجل به علما أزليا قبل خلق الخلق، وعل من هذه الوجهة كانت الأبحاث الأركيولوجية والانتروبولوجية التي بحثت عن أصل هذا التصور البشري عن اللوح قبل الديانات المنزلة وحتى الوضعية فوجدت أحدث الدراسات أن الجذور هنا تمتد إلى حضارة الشرق الأدنى القديم ببلاد الرافدين فكانت البداية من ألواح القدر" التي حملها الإله مردوع.
وعل من تحليل هذا الأصل وتتبع مسار انتقاله من الأساطير البابلية والسومرية كانت الفكرة - حسب الدراسة - قد علقت في الأذهان فكانت مقاربتها مما نزل في الديانات التوحيدية ومن ثم تقاربها مع فلسفة المفهوم الديني بعد ذلك في سياق تطور الوعي البشري وعلاقته بالإله الزمن، والقدر والمصير.
ومن القاء النظرة على ألواح القدر" في بابل وسومر نجد أن الاسطورة تبدأ حيث الإله إقليل الذي تحول إلى مردوخ وأمتلك هذه الألواح التي لم تكن رمزية يل مادية وصنعت من طين ثم حفر عليها بالكتابة المسمارية المعروفة الذاك، وبها كتبت مصائر البشر والآلهة المعروفة معاء وربما ما أضفى واقعية على هذه الفكرة الممتدة في عمق التاريخ هو أن المصير ذاته المكتوب في هذه الألواح نص على حفظها من الضياع والسرقة والانتزاع، وهي نفس فكرة الحفظ الإلهى للوحة كما وردت في الأديان فكان هذا التقارب في الفكر العقائدي بين أصوله الدينية المعروفة، وأسطورة ماردوخ وتيمات ملحمة الخلق البابلية إلوما إليش".
ومن الواضح في تلك الأساطير أن القدر لم يكن مفهوما اخلاقيا مثلا بل نظاما كونيا تنظيميا حكم فيه الإله عن طريق لوحه المحفوظ على أقدار خلقه فكان أداة سلطته الكونية بالمقسوم فيها والكلمة هنا تجعله إلها بموجب امتلاكه لهذا القانون العلوي الأعلى.
معامل الحظ والقدر
ربما يتساءل الناس جميعا عن مدى حظوظهم في الدنيا وارتباطها بما كتب عليهم من تعاسة أو سعادة التسمع كثيرا عبارة "هذا حظى وقسمتي ونصيبي" في إشارة خفية عن مقدار ضعيف من هذا كله، وهنا يبدو الحظ كخيط رفيع معتد بين هذا وذاك معبرا عن نسيج أفكارنا الجامعة والمقصود منها السؤال أيضا عن القدر.. وفي هذا لا استثناء من القاعدة، فالتساؤل يسأله الملوك والعبيد والعلماء والجهلاء والفلاسفة والأدباء حتى يبدوا أن البشرية كلها التقت حول نفس السؤال بوصفه مفسرا لما حدث ويحدث وسوف يحدث
وعلى ما يبدو أن السؤال كان محيرا بالقدر الذي من أجله نشأت حركات فلسفية كاملة لشل سطوته وتطور الأمر فنشأت فروع وتطبيقات جديدة في مجال الرياضيات في محاولة لتحليله وتحديده، واستمر الحال للوقوف في وجه هذا الوحش الاسطوري المتحكم أكثر من غيره في معتقدات البشر وأفعالهم بل وفي النتائج المترتبة عليها أيضا حتى وصل الأمر إلى أن تكسب تجار الأمل من وراء طموح وأمال الناس للمعرفة بما سيجري في علم الغيب والمستقبل، وظل ذلك الاتجاه إلى أن جاء البروفيسور ستيفن هیلز رئيس قسم الفلسفة بجامعة بنسلفانيا ۲۰۲۰ فوضع النقاط على الحروف ببحث ضخم ضم عينة كبيرة معبرة وقد وضع لنتيجة جهده في كتابه أسطورة الحظ الفلسفة والاقدار والغيب وفيه استعرض خلاصة ما توصل إليه بعد جولة واسعة مثيرة حول تصورات البشر عن الحظ وربطه بالقدر عبر الحقب التاريخية المتعاقبة بداية من كلاسيكيات الإغريق واليونان وأساطير المصري القديم وحتى نظرية الاحتمالات الرياضية مرورا بتوصيفات أفلاطون في الجمهورية الأخلاق عند أرسطو، ومفاهيم الرواقيين، جاليليو، توماس الأكويني، وترثرات البير كامو، ومدارس علم النفس الحديثة.
وفي الكتاب يذكر د. ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤننا "توشيه" نسبة إلى الإله زيوس ورمز إليها بعجلة ضخمة لا يعرف من يقودها وقد أخذت مع دورانها صعودا وهبوطا حظوظ الأدميين وأقدارهم وفيما يذكر مؤلف الكتاب أن الامبراطور قسطنطين عندما بنى روما القسطنطينية" عاصمة العالم المسيحي انذاك أبقى فقط معبد "توشيه" أو فور تشوفا بعد تحوير اسمها عسى أن يمنحه هذا الحظ والفأل الحسن.
وقبل ذلك تداول المصرى القديم روزنامات "نتيجة سنوية حدد فيها يوما بيوم موقف الشعب المصري من الحظ فكان أول تلاعب بمصائر البشر ومصالحهم من هذا الباب الذي يشبه الآن "باب حظك اليوم وقد جاءت العبارات الناصحة فيه على نحو لا تسافر اليوم بالنهر. لا تأكل نوع طعام معين .... إلخ" ولعل من ذاك اليوم تركت للشعوب تبوءات للمستقبل احتاجت تعویذات تجلب الحظ ودرء الشر فأضحت رموزا متوارثة نراها بعصرنا هذا على شكل خرزة زرقاء وكف يد منقوشة وسعفة نخيل معلقة مع ارتداء أحجار بعينها لتتطابق مع طبيعة مالكها لنفس الغرض.
أما في أوروبا فقد كانت فكرة النديم أو مهرج الملك قد ارتبطت هي الأخرى بالحظ والقدر: حيث كان اعتقادا سائدا أن الندماء يجلبون الحظ للملوك، وإن حدث وأصاب صاحب البلاط سوء كان النديم حاضرا ليتحمله عنه حتى لا يصيب سيده.
وهكذا حفلت الوثائق والنصوص والمدونات القديمة بعدد لا يحصى من قصص ارتباط الحظ بالقدر كقصة الرجل الذي لمح ملك الموت صباحا في بغداد فهرب بفرسه منه إلى سامراء ليجده أمامه كموعد محتم كان اصلا في سمراء مساء.
و امتدادا مثلت بعض الفلسفات مثل فلسفة الرواقيين نقلة نوعية في فن تعامل البشر مع الحظوظ والأقدار وذلك عبر التخلى عن الأمال وقمع الشغف الذي يجعلهم بحاجة دائمة لهما، أما الفيلسوف سينكا فاعتبر الحظ نوعا من الأمل الزائف فالسعادة حصرا تأتي من الذات المتصالحة مع نفسها.
وعل من هذا كله نامج أثر الحظ في الحياة البشرية حتى بات إرثا ثقافيا شعبيا لا يستثنى منه أحدا من البسطاء أو علية القوم حتى حين مناقشة علوم الحساب القائمة على نظريات التنبؤ الرياضي وعلم الاحتمالات رأى صاحب الكتاب أن ذلك مجرد سعى حثيث لتعظيم فرص الربح وتقليل الخسارة داعيا إلى غلق هذا الباب الذي أطلق عليه العلماء "معامل الحظ" مختتما أن البشر هم من يصنعون حظوظهم".
الأقدار الغاشمة
يروى ينال فيرجسون المؤرخ الأكثر شعبية في الغرب في كتابه الأفضل مبيعا "الأقدار الغاشمة.. سياسة إدارة الكوارث " إن خبرات البشرية التاريخية مع الكوارث مثل المجاعات الحروب الأوبئة، وحتى الآن من حوادث القطارات ونتائج الأبحاث النووية وحتى انخفاض عدد السكان للهجرات الخارجية غالبا ما ينسب القضب الإله وعقابه اضطرابات الفلك وطريقة دورانه، سوء حركة الطالع وضربات القدر وحطامه وهو عامل لا شك ثقافي رسم في مخيلة الشعوب عبر الزمن كحل بديل جاهز عندما يصعب مواجهة الأخطاء البشرية فيكون حينها من السهل إلقاء المسؤولية على الغيب والأقدار الغاشمة
ويستنتج فيرجسون من التجارب القديمة والحديثة أن العالم رغم تقدمه وتطوره مازال يرهن الأحداث الجسام فلسفيا ودينيا بالقدر عبر غض النظر عن تواقص البشر واخطائهم الشائعة وهو ما يثير المخاوف بل والتشاؤم من المستقبل لأن الماسي القادمة محتملة. وعلى ذلك قالته امل معها على هذا الأساس يمثل. هاجسا مخيفا، ولما كان هذا هو الحال مع المحتمل فما بال الاستجابة نحو المفاجات في الكوارث غير المتوقعة ؟! وإزاء هذا في براعة يختتم فيرجسون. رؤيته المحترة للتاريخ المستقبلي فيؤكد أنه لا يمكن الرهان أبدا على الخيال والأوهام لمواجهة المصاعب والأزمات دون السعى لتجنب قرص اندلاعها وتحجيم تأثيرها على المجتمعات وشعوبها، فالمستقبل دائما غير مؤكد والنهايات قد تكون قريبة.
الجبر الوراثي
وأخيرا لابد هنا من القول بأن الجبرية الحقيقية هي جبرية وراثية فعلها الإنسان في نفسه بنفسه بما خلقه من ظروف نشأة وتربية وظروف مجتمعية حاكمة أصبحت المحددة المصيره تحد من أماله وطموحاته بما فيها البسيط والعادي، وذلك عبر برمجة العقول واستعدادها وخضعوها واستسلامها ورضائها بالاستكانة والخمول والاتكال الذي أدي في العموم لفقد الحرية والإرادة.
وللحق فإن غلول النشر واستفحال أمر الأشرار ما يجبر بصورة ما على محدودية الحركة وتقييدها حينما يوضع السم في العسل فيقال هذا ما كتب عليكم وهو نوع من الجبر بضغط من الاستقلال وساب المستضعفين لمقدراتهم وطمس هوياتهم ومن ثم مس استقلايتهم وتربيتهم على خصائص البؤس والحرمان باعتباره الأنسب الأعراقهم ومراتبهم الدنيا بين العالمين بعدما قسم المقسم فأصبح الناس كالمنتجات فرز اول وثاني وثالث هذه المرة في الترتيب الأدمى إيهاما بأن ذاك هو القضاء والقدر مما أدى للركون الحظ ورؤية الطوالع في النجوم وضرب الودع، وفي العصر الحديث فك شفرة كروت التاروت وقراءة الفناجين وفي هذا ظلم الإنسان نفسه ولم يظلمه الله لقوله في مسبق كتابه وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بعدما بات ليس عبدا لله بل للمال وطرق طريقة الأسهل فاستهلك الشحنة الإيمانية في قلبه واستدعى بدلا منها اللهات نحو المغالبة والمناطحة... لذا فالمعركة الآن مع النفس التي تترنح تحت وطأة. التقلبات والمتطلبات والتغيرات السريعة المتلاحقة. وسط عالم لم يرحم إنسانيته بل أشبعها حد التقيؤ بأحلام وتطلعات وردية مستحيلة ليس لها على الأرض من مؤشرات تدل على سبل تحقيقها بغير اللجوء غير السلبي الرضا بقضاء الله وقدره.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..
المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا
تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق
يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...