الدكتور طه محمود طه فقد بصره فى ترجمتها ولم يقرأها أحد.. نجيب محفوظ قرأها بالإنجليزية و«لم يفهم شيئا» والأرشيفات الصحفية أهملت مترجمها فقدنا آخر ترجمات الدكتور طه «فينيجانز ويك» وناشره الوحيد أُتهم بالتطبيع
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة منذ السطر الأول في كتاب "لم يعثر عليه وقائع تمشية بجوار عوليس .. بحثاً عن دكتور طه" الصادر مؤخراً عن "مكتبة ديوان" بغلاف أنيق للفنان الكبير أحمد اللباد، هو لماذا اختار الكاتب الشاب محمد فرح البحث بكل هذا الدأب عن مترجم رواية "عوليس" إلى اللغة العربية الدكتور طه محمود طه (1929 - 2002 الآن بعد أكثر من عقدين مرا على رحيله وبعد مرور أكثر من مائة عام على صدورها في لغتها الأم، في ظل ما نعرفه عن الرواية التي تصنف واحدة من أصعب الروايات "المنبوذة" في الأدب العالمي.
أجيب عن السؤال بأن صديقي المثقف محمد فرج - الصحفي في جريدة أخبار الأدب - لن يكتب إلا في الموضوعات ذات الطابع الجذري، لكي يصفعنا على وجوهنا في نهاية المطاف وهو يذكرنا بالأسباب اللعينة التي جعلتنا - أنا ومن لا يقرأون بلغة أجنبية - لا نستطيع أن نقرأ يوما "عوليس" باللغة العربية، بسبب تلك المؤامرة الكبرى التي تمت ضد هذه الترجمة بالذات، والتي أنجزها بعد طول عمل وجهد وتأن المترجم القدير الراحل الدكتور طه محمود طه (۱۹۲۹ - ۲۰۰۲) وجاء هذا الكتاب "لم يعثر عليه" لكي يكشف أبعادها وينصف الرجل الذي تنكر لجهده الجميع.
ظني أن الكاتب كان يقصد وهو يعد هذا الكتاب على هيئة رواية صحفية شيقة أن يتتبع شغفه الخاص بـ "عوليس" رواية الكاتب والشاعر الأيرلندي جيمس جويس (۱۸۸۲) - ١٩٤١)، وأن يتتبع شغفه بقصة حياة مترجم صبر على عمله عشرين عاما إلى أن انتهى منه وبدأ مرحلة التعاطى مع الناشرين، لا لكى يضعنا في صورة المعضلات والأخطاء المطبعية التي شهدتها بعض طبعات الرواية العربية والإنجليزية، بل لكي يتتبع قصة كل الطبعة العربية للرواية من خلال الحديث مع عدد كبير من المصادر الصحفية، بينهم ناشرون وأدباء وصحفيون، وبينهم ابن الدكتور طه المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، محمد الذي كان يرفض منححقوق ترجمات والده للناشرين إلا بمبالغ طائلة لا يقدر عليها ناشر مصرى، وكان من بين من تصدى لنشرها ناشر متهم بالتطبيع و الصهيونية"، فهل كنت تتخيل يوما أنك لم تقرأ عوليس" باللغة العربية بسبب كل هذه العوائق مجتمعة ؟.
"لم يعثر عليه " يقع في "٣٢٠ صفحة من القطع المتوسط"، وهو مقسم إلى ستة عشر فصلا تربط بينها الذات الساردة: "رحلات أبدية للعودة، هناك وقف وحيدا، مساحات للخلود والتراب ميكانيكا الذاكرة التخبط بين صخور صلدة، زوايا متعددة لكادر معتم، أسئلة غائمة تجرى معى على الأسفلت الكالحمن أين جاء عوليس محاولة ايجاد خط سير أرشيفات القشريين، كأنها صدفة آخر توهج للشمعة ضوء محجوب كان سيدخلنا العالم، رغم كل شيء هو الذي فعلها"، أما الفصل الأخير فحمل عنوان ليس مقام وداع " وهو عبارة عن خطاب اعتذار موجه للدكتور طه.
يشير الكتاب إلى انشغال بـ "عوليس" كجزء من الأدب الغربي، طارحا السؤال: كيف لم تتم ترجمة رواية بهذه الأهمية ولم يتم توفيرها للقارئ العربي العام بترجمة جيدة وسعر معقول طوال مائة عام، وحين توفر كل ذلك في عمل الدكتور طه لماذا تم اغتياله ؟ وهو سؤال سيبقى ملحاً في تاريخ الأدب العربي الحديث بكل تأكيد، إذا اعتبرنا أن "عوليس" التي كتبت أثناء الحرب العالمية الأولى لم تتحلها ظروف النشر في المطابع المصرية أن تتوفر بقلم مترجم مغرم وشغوف بأدب جويس سوى الدكتور طه محمود طه في عقد التسعينيات من القرن العشرين أي بعد سبعة عقود من صدورها في لغتها الأصلية "الإنجليزية"، وبالتحديد عام ١٩٩٤، حين صدرت عن الدار العربية للنشر والتوزيع" بالقاهرة في طبعة ثانية منقحة"، وعلى الرغم من ذلك، لم تتوفر هذه الطبعة - أصلاً - إلا في أضيق الحدود
حتى أن نجيب محفوظ الذي قرأها بالإنجليزية وقال: "نعم قرأت عوليس بالفعل لكن لم أفهم شيئا".
رواية في القمامة
المعنى الحقيقى للإنصاف هو ما فعله محمد فرج في هذا الكتاب، فقد جاء الإنصاف أخيرا إلى الدكتور طه بعد ثلاثة وعشرين عاما من وفاته، ومن جيل آخر تماماً لا علاقة له بالجيل الذي خانه وتنكر له، في صورة هذا الكتاب الوثائقي الشيق، بينما يبدو محرك الكاتب واضحا ووحيدا هو محاولة إضاءة جهد فائق ضاع في العتمة وبفعل عدة فاعلين حيث لم يعثر على اسم الدكتور طه في كثير من الأرشيفات الصحفية الكبرى كما بقيت صورة الفوتوغرافية المنشورة في الصحف محدودة جداً، كأن هناك من يحاول الاحتفاظ به بعيداً في تلك المنطقة المعتمة من الماضي.
هكذا تحولت قصة الجهد العظيم الذي بذله الدكتور طه خلال عقدی السبعينات والثمانينات من أجل ترجمة "عوليس" - بلغ حجم النسخة في الطبعة الصادرة عن الدار العربية للنشر ١٩٩٤ حوالي ٧٥٠ صفحة - إلى قصة بائسة ضاعت فيها جوانب أساسية من حقه في التقدير والتكريم وطباعة ترجماته لعدة مرات، حيث لم يتوقف أحد من قبل أمام هذا الجهد الذي بذله في الترجمة والذي نتج عنه عنه "موسوعة جيمس جويس" التي صدرت في بيروت ١٩٧٤ ولم تنشر في مصر أبداً، كما نتجت عنها ترجمة تنتظر الصدور الرواية جويس الأخيرة "فينيجانز ويك"، لا تزال بخط يد الدكتور طه وبحوزة أحد أبنائه، يقول محمد فرج
أفكر في تلك الأوراق التي رأيت صورتها تحمل عنوان "فينيجانز ويك" أين هي الآن؟ ونسخة الموسوعة المحدثة في شقة مصر الجديدة؟ هل أرسلها بالفعل الأمين المهدى؟.. إذن هل هناك نسخة تقبع في شقة طه القديمة ونسخة في أوراق المهدى ؟ ماذا لو باع أولاد طه تلك الشقة ؟ أو وقع أي حادث.. أو ببساطة قرر أحد الأحفاد ضعيف العلاقة بجده وأعماله تنظيف المكان وإخلائه. ببساطة سيكون مصير تلك الأوراق القمامة ... خسارة كل هذا الجهد كان يستحق مصيراً أفضل".
ما قام به محمد فرج في "لم يعثر عليه" هو محاولة نزيهة ومهنية جدا الإنصاف الدكتور طه، بتقديم قصة جهد حقيقى لم يجد من يقدره، بل على العكس وجد من يقلل أو يسخر منه والكتاب يحكى كيف خذل مثقفون كثيرون في الوسط الثقافي الرجل من دون أن يوجه أصابع الاتهام إلى أحد ولا إلى الدكتور جابر عصفور المتنفذ وقتها في وزارة الثقافة المصرية، لقد جعل فرج من قصة حياة رجل شغف بترجمة رواية صعبة سببا لمساءلة الواقع الثقافي المصرى بشأن إعادة ترتيب أولويات من يبقى في الذاكرة الثقافية ومن يختفى منها، من يبقى في الذاكرة ومن يضمر اسمه ويتلاشى جهده ويضمحل أثره، على الرغم - ويا للغرابة - من أنه قد ترجم واحدة من أصعب الأعمال الروائية العالمية بل وخرج من هذه الترجمة مريضا وفاقدا - تقريبا - للبصر ..
الاعتراف.. والتجاهل
يدافع فرج عن فكرة إخفاء الدكتور طه عن عمد من قبل جماعات من المثقفين من دون أسباب واضحة لهذا الإخفاء يقول: "هل اختفى الدكتور طه بالفعل ؟ كتابة اسمه على محركات البحث ستظهر نتائج عديدة، وترجمة عوليس عمله الأكثر شهرة - حتى وإن كان مستعصيا على القراءة - متاح بأكثر من شكل وأيضاً الحكاية حول مترجم أمضى عشرين عاماً من أجل ترجمة عمل واحد معروفة ويتم تداولها كطرفة أحياناً أو كمثال على الإخلاص أو التعمق أو حتى الاضطراب وضياع العمر فيما كان يمكن تحويله إلى شيء أكثر فائدة.
إذن أي اختفاء أقصد؟ على الأرجح هذا هو تحديداً ما تم إخفاء الدكتور طه وراءه، تلك الحكايات "الطريقة " التي كانت ستملك معنى إذا وضعت في سياق أكثر جدية، أي ببساطة قراءة منجزه ووضعه تحت عيون مختلفة، عيون للقراءة، والنقد، والمساءلة، غير أن هذا لم يحدث، فيقف الرجل هناك في تلك المنطقة التي يعرفها الجميع ولا يقترب منها أحد محجوزاً خلف حاجز زجاجي يبدو شفافا مكونا من خليط من الندرة والطرافة والتطرف، ويزداد الحجاب عتمة بمرور الوقت، وبما بقى ظاهراً من خلفه هو بعض ديكورات متربة تخفى ما كان يجب أن يتم رؤيته بالأساس مورست ضد الدكتور طه ما يمكن تسميته بآليات الاعتراف والتجاهل في آن واحد، الكل يعرف لكن لا أحد يهتم".
لو كان لي أن أغبط الكاتب على شيء في هذه الكتابة، فأنا أغبطه على قوة شخصية الذات الساردة التي روت كل ما فيه من حكايات من دون أن تنسى نفسها، تلك الذات الحقيقية للكاتب في هذا الكتاب التوثيقي" لم تكتف بإيراد الوثائق والمستندات بل عبرت عن نفسها دائما بجسارة، وهي ذات غير نمطية وساخرة وساخطة على كثير مما يحدث في محيطها، ولذا كانت حريصة على رسم صورة واقعية مؤلمة للقاهرة ۲۰۱۹، أثناء تتبع الكاتب محمد فرج القصة الدكتور طه، كأنه يخترع حاضرا للقصة، يحكى من خلاله جزءاً مكملا من مآسينا الواقعية.
"لم يعثر عليه كتاب فاتح للشهية من أجل قراءة "عوليس" وأدب جويس عموما، لذلك هناك إشارات إلى قصصه المعنونة بـ "أهالي دبلن، وإلى كتاب صدر في منتصف عقد السبعينات للدكتور طه بعنوان "موسوعة جيمس جويس"، وهو عبارة عن مدخل إلى عالم مؤلفها، كما يعتبر الكتاب تمشية حقيقية وليست مجازية مع مشوار المترجم الطويل مع النص الأصلى من خلال جولة في الأرشيف مع حوارات ومقالات وتغطيات صحافية قليلة، عثر عليها الكاتب بعد الكثير من الساعات التي قضاها بين جنبات الأرشيف، ليجمع شتات حكاية متناثرة، عن مترجم مات وعن طبعة لم تعد موجودة من رواية تبدو في نهاية المطاف مثل کتاب ملعون يريد أن يقرأه أحد. لا
ختاماً، يشير الكتاب بمرارة إلى تراجع
مستويات الأداء في كثير من المؤسسات الصحافية المصرية حاليا، لافتا إلى عجز هذه المؤسسات المالي واضطرارها إلى
اللجوء إلى حلول مدهشة لا تقل إدهاشا عن تلك الواقعية السحرية المعروفة في أمريكا اللاتينية، وأحب أن أنهى مقالي بواحدة من سخريات القدر التي صادفها ورواها لنا الكاتب خلال رحلته إلى مبنى مؤسسة "دار الهلال" العريق في "السيدة زينب"، وأنقلها هنا بكل ما فيها من مرارة وسخرية، يقول:
أصعد السلالم الرخامية للمبنى، جلال لكنه متروك للتهالك، أسأل عن الأرشيف وأصعد للطابق المذكور، ممرات البناء متسعة وتتراص الغرف على الجانبين، في إحدى الممرات أقرأ اللافتات الموضوعة بجوار أبواب الغرف: "رئيس المباحث" قسم الأدلة الجنائية". دب الخوف في
صدري هل هناك مكاتب الوزارة الداخلية في قلب مؤسسة صحفية بعراقة "دار الهلال"، أسأل أحد السعاة بعد ابتعادي عن تلك الغرف، فيجيبني أن المؤسسة تؤجر بعض أجزاء المبنى لتصوير الأعمال الدرامية، من باب الاستفادة من المبنى وجنى بعض المكاسب وسط خسارة إصدارات المؤسسة".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد