نهى الشاذلى: الكتابة غير معتـرف بهـا كـمهنـة حقيقيـة

معظم الكتّاب يعملون بلا مقابل مادى أو معنوى لا يعجبنى تقديم المرأة كملاك لا يُخطئ أو كنموذج للضعف والسذاجة أحب عملى فى الترجمة وأستمتع به كما أستمتع بالتأليف تجذبنى الكتابة عن العلاقات الإنسانية

نهى الشاذلى كاتبة ومترجمة، صدر لها العديد من الروايات، مثل "لعبة الزمن"، و"قبل أن يقتلنى زوجى"، و"أرواح شفافة"، و"أنثى النار"، إضافة إلى العديد من الأعمال المترجمة مثل "ويلسون المغفل"، و"قابلنى عند البحيرة"، و"اقرأ الناس كأنهم كتاب"، و"كل صيف تلاه"، صدر لها مؤخراً المجموعة القصصية "مسافة تصلح للخيانة"، قدمت فيها كتابة مليئة بالمشاعر، بالإضافة إلى الاهتمام بالعلاقات الإنسانية وبتحليل النفس البشرية، تحدثنا معها عن المجموعة القصصية الجديدة، وعن ترجماتها ومشروعها القادم فى هذا الحوار.

كــيــف جـــاءت لك فــكــــرة المجموعة القصصية "مسافة تصلح للخيانة"؟

أكثر ما يلفت نظرى فى أى عمل أدبى هو التقنية التى يختارها الكاتب لتقديمه. كل الأفكار قيلت من قبل، لكن طريقة طرحها هى ما يميز كاتب عن آخر. أردت أن أجرب تقنيات سرد مختلفة، ووجدتُ أن كتابة مجموعة قصصية هو السبيل الأمثل لذلك. كل قصة بها لعبة فنية أو تقنية أو راوٍ مختلف. من هنا جاءت الفكرة. أما القصص نفسها، فقد كانت تدور فى ذهنى منذ زمن، حتى وجدتُ الشكل المناسب لأعبر عنها.

 ما القضايا أو الأفكار التى تناولتها فى المجموعة وكنت تريدين توصيلها للقارئ؟

كتبتُ عمّا شغلنى وما ترك أثره فيّ. تناولتُ الكتابة ذاتها، والحب بين الخيانة والهوَس، وكتبت عن الوساوس القهرية، التلصص، معضلة الدين بين الفهم والتوارث، وغيرها من القصص.. لكننى خضت هذه القضايا من منظور الطفل الصغير، والرجل التائه، والمرأة الحائرة، والكاتب المأزوم.

 المجموعة بها اهتمام خاص بعالم المرأة، كيف عبرت عن المرأة وما تتعرض له فى مجتمعنا العربى؟

المرأة فى قصصى حُرَّة، مسئولة، كاملة الأهلية. لا يعجبنى تقديمها كملاك لا يُخطئ أو كنموذج للضعف والسذاجة؛ لأننى لا أؤمن أن الحال كذلك. يتضح ذلك فى قصة "مسافة تصلح للخيانة"، حيث تتحمل المرأة مسئولية قرارتها وتبعاتها. كتبتُ عن المرأة الموظفة، والقاتلة، وسيئة السمعة، والمتلصصة، كما كتبت عن الضحية والمُحِبة. لا أنحاز فى كتاباتى لفكرة الضعف تحت مظلة النسوية.

 هل تهتمين فى كل قصة أن يكون لها مغزى اجتماعى أم تكتبين لتعبرى عن مشاعرك؟

لا أتعمد البحث عن المغزى بقدر ما تشغلنى طريقة تقديم الحكاية. فكل قصة لها مغزاها، شاء الكاتب أم أبى، لكن ما يصنع الفارق هو كيف تُروى.

 فى قصتيّ "كاتب فى مأزق"، و"فى انتظار الوحي"، تحدثت عن الكتابة، والبعض يرى أنهما عنك أو تعبران عن حالتك أثناء الكتابة، هل هذا كان مقصودا منك، أم انك تعبرى عن حال جميع الكتاب؟

قصة "فى انتظار الوحي" هى أنا. كنتُ أكتبها أثناء سُدَّة كتابية، وبينما أكتب أننى عاجزة عن الكتابة، وجدتنى كتبت بالفعل قصة عن العجز عن الكتابة! أما "كاتب فى مأزق"؛ فقد كانت تجربة لتطبيق تقنية الـ metafiction فى الكتابة، أو ما يُعرَف بــ "ما وراء السرد". حيث يخرج بطل الرواية من عالمه ليتحدث مع الكاتب نفسه.

 استخدمت تقنيات مختلفة فى الكتابة، فمثلا قصة كاملة بضمير المخاطب، وأخرى بضمير المتكلم، وقصة راوى عليم، لماذا لجأت لهذا التجريب؟ وعلى أى أساس تحددين الضمير المستخدم فى القصة؟

كما ذكرتُ فى البداية، أردت أن أختبر نفسى فى استخدام تقنيات مختلفة، سواء فى بناء القصة أو اختيار الراوى. الراوى هو العدسة التى يرى القارئ عالم القصة من خلالها. فإذا أردتُه أن ينفذ إلى أعماق الشخصية، اخترتُ ضمير المتكلم، وإذا رغبتُ فى كسر الحاجز بين السارد والمتلقى وجعل القارئ شريكًا فى التجربة، استخدمتُ ضمير المخاطب. أما حين أريد أن يرى الأحداث من الخارج، من زاوية أوسع وأعلى، فالراوى العليم هو الخيار الأنسب. إذًا، جاء اختيار الراوى وفقًا للتجربة الشعورية فى كل قصة، وللمنظور الذى رغبت أن يرى القارئ من خلاله العالم السردى.

 لماذا استخدمت اللهجة الفلسطينية فى قصتى "أجساد بلا أعمدة"، و"لا أحد يموت فى هذه المدينة"، وكيف تعرفت على اللهجات المحلية الفلسطينية؟

استخدام اللهجة الفلسطينية فى الحوار منح الشخصيات هوية أكثر وضوحًا، وأضفى على القصص قدرًا أكبر من الواقعية. نحن نتابع نشرات الأخبار يوميًا، ونسمع أصوات واستغاثات الأطفال والنساء والرجال هناك، وما سمعته كان كافيًا لأن يظل عالقًا فى ذهنى، لأكتب به بضع جُمَل تعبّر عنهم.

 القصص جمعت بين الفانتازيا والرمزية والواقعية، هل اعتمدت هذا الأسلوب فى الكتابة حتى تصل للقارئ بسهولة؟ أم جاء صدفة؟

فى الكتابة، لا أترك شيئًا للصدفة. كان ذلك اختيارًا واعيًا. مثلما جربت تقنيات مختلفة للتعبير عن أفكارى، اخترت أيضًا أنماطًا سردية متنوعة مثل التجسيد المجازى، وأنسنة الحيوان، والفانتازيا والميتافِكشن وغيرها، كان الدافع وراء ذلك رغبتى فى اختبار نفسى فى كتابة أشكال سردية متعددة، واكتشاف كيف يمكن لكل نمط أن يفتح أفقًا جديدًا للتعبير.

 فى أعمالك الروائية وحتى فى المجموعة القصصية، تهتمين بالكتــــابة النفسيــــة الاجتمـــاعيــة وتشـــريــــح الـــنفـــــس الــــبشـــريــــة والعلاقات الشخصية، ما الذى يجذبك فى هذا النوع من الكتابة؟

لطالما أحببتُ القراءة فى علم النفس والفلسفة، فالهَم الأكبر للإنسان فى النهاية هو فهم كينونته ووجوده. أول نوفيلا كتبتها،" أرواح شفافة، كانت عن روح تستطيع الدخول إلى عقول الناس وقلوبهم لترى ما فيها. العلاقات الإنسانية فى نظرى عالم شديد التعقيد وساحر فى آن. محاولة تفكيكه وفهمه ثم الكتابة عنه هى أكثر ما يجذبنى إلى هذا النوع من الأدب.

 لك أكثر من تجربة فى كتابة الــــرواية، وهذه أول مجمـــوعـــة قصصية، ما الفرق بين التجربتين؟

لنقُل إن الرواية هى مساحة أختبر فيها التشعُّب، بينما القصة القصيرة هى مساحة أختبر فيها التكثيف. لكل منهما سحره وجلاله.

 كيف ترين تجربتك مع الترجمة وهل استفدت منها فى الكتابة؟

أستمتع بعملية الترجمة، تمامًا كما أستمتع بالتأليف. وقد تعلمت منها الكثير، إذ أتنقّل من خلالها بين عوالم كُتّاب ينتمون إلى ثقافات وأساليب وتقنيات مختلفة، ثم أعيد كتابة أعمالهم بالعربية جملةً جملة، مع كثير من التأمل فى المفردات والمترادفات والبحث والتدقيق. أحب عملى فى الترجمة، وسعيدة بما أنجزته فى وقت وجيز حتى الآن.

 أنت كاتبة ومترجمة، كيف ترين العلاقة بين الاثنين؟ وهل هناك تعارض بينها؟

الترجمة تأخذ من وقت الكتابة، والعكس صحيح، لذلك فالموازنة بين الاثنين ليست سهلة. يحتاج كل عمل أدبى إلى تفرغ كامل لعدة أشهر، سواء فى الكتابة أو فى الترجمة. ومع ذلك، أحاول، وبالكثير من الجهد، ألا أُقصّر فى عملى كمترجمة ولا فى شغفى ككاتبة، وأظن أننى حتى الآن نجحت فى أن أقطع شوطًا جيدًا فى كليهما.

 ما أهم العقبات التى تواجه المترجمين فى مصر؟

الأجور الزهيدة التى تُمنح للمبتدئين، والتى لا تتناسب مع حجم الجهد والوقت المبذولين. إضافةً إلى ذلك، يُطلب أحيانًا من المترجم حذف بعض المشاهد أو الجمل، وهو ما يُشكّل معضلة لمن يؤمن بضرورة نقل النص كما هو، وغالبًا ما يكون السبب وراء ذلك تجنّب منع الكتاب من النشر أو المشاركة فى بعض المعارض الخارجية، وهى مشكلة أخرى يجب أن تُحَل.

 ما أهم الصعوبات التى تواجهك ككاتبة؟

أحيانًا أسأل نفسى: لماذا أكتب؟ للأسف، ما زالت الكتابة غير معترف بها كمهنة حقيقية، ومعظم الكتّاب يعملون بلا مقابل مادى أو معنوى، بلا دعم أو تشجيع. الكتابة عمل مرهق واستنزافى، لكنها تظل فى نظر كثيرين هواية لا مهنة.

 هل أنصفك النقد وتعامل مع تجربتك بما تستحق؟

تلقيت نقدًا منصفًا فى مرات محدودة. لم يعد هناك نقد حقيقى كما كان من قبل؛ فإما يُغدق البعض المديح على العمل الأدبى، أو يختار الصمت. نادرًا ما نجد اليوم نقدًا حقيقيًّا وبنّاءً يساعد الكاتب على التطوّر.

 ما مشروعك القادم؟

انتهيت مؤخرًا من ترجمة رواية، كما أتممت تأليف رواية جديدة، وأعمل على تحريرها فى هذه الفترة.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - يا بلالين العيد.. آنستينا

شروق أول أيام العيد، تخرج المرأة المكافحة.. لم تتناول حتى إفطارها فى البيت، فاصطحبت معها لقمة سريعة للإفطار،

الطريق إلى الله«2» ذكر الله.. حياة القلوب

"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله، وفهم غاية وجودنا،...

أبو بكر الصديق.. حامى دولة المسلميـن وقـاهـر المـرتدّين عن الدين

رجال حول الرسول«6» كان أول من أسلم من الرجال الأحرار وأسلمت أمه ثم أسلم أبوه وأنفق فى سبيل الله وجاهد...

صــلاح عيسـى: الشيـــخ إمـام اختار أن يكون بطلا

تحدى العجز وصنع لنفسه قيمة ومكانة و دور «2-2» الخلاف مع السادات بدأ فى 76 بسبب استثمار الحرب والتحالف مع...