أحلام فكري أباظة :" جيش عربي مشترك " .. دعوة مصرية من 77 سنة

 هل تصدق أن الدعوة إلي إنشاء جيش عربي مشترك كانت حلما مصريا ، حتي قبل أن تحصل مصر علي استقلالها ويرحل المحتل الإنجليزي عن أرضها ، وأن هذه الدعوة لم تصدر عن حكومة أو  زعيم ، بل عن مجلة " الهلال " الثقافية منذ 77 سنة ، وهي الدعوة التي أحياها الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2015 وجري التحمس لها ، ثم لم تبرح مكانها ، ولكنها اليوم تفرض نفسها بعد التحديات الخطيرة التي تحيط بالمنطقة العربية بعد الفجور الإسرائيلي بالاعتداء علي دولة قطر بعد أن ديست كل القوانين الدولية بالأقدام ، والإعلان المتبجح من رئيس الحكومة الإسرائيلية البلطجي بسعيه لتحقيق إسرائيل الكبرى التي تلتهم من الأرض العربية ما تشاء ، طالما لا يوجد رادع يضع الغطرسة الإسرائيلية في حجمها الطبيعي ، ومن ثم تصبح الحاجة ضرورية وملحة بوجود جيش عربي موحد يفعل اتفاقية الدفاع العربي المشترك ، كما جاء في ميثاق الجامعة العربية .

 

" جيش عربي مشترك " .. هذا هو عنوان الاستفتاء الذي أجرته " الهلال " علي صفحاتها ، إدراكا منها لرسالة الصحافة الثقافية في التفاعل مع هموم ومشكلات الوطن ، فجاءت دعوتها من منطلق أن العالم العربي – كما قدمت لاستفتائها – في حاجة إلي مزيد من التعاون ، وقد أنشئت جامعة الدول العربية ، فكانت أهم وسيلة عمدت إليها هذه الدول لتوحيد صفوفها وجمع كلمة العرب .

واليوم تواجه البلاد العربية جهادا شاقا ، فهل ينبغي أن تنشئ جيشا مشتركا يذود عن حقوقها ومصالحها ؟

ذلك ما استفتينا فيه طائفة من رجالنا المهتمين بهذه الشئون .

وكان المشتركون في الاستفتاء :

عبد الرحمن عزام باشا ، محمد علوبة باشا ، اللواء أحمد عطية باشا ، اللواء محمد فتوح باشا ، الأستاذ عبد الحميد عبد الحق .

وقد طرحت علبهم خمسة أسئلة .

 السؤال الأول : هل ينبغي أن ينشئ العرب جيشا مشتركا لدفع العدوان واستعادة حقوقهم ؟

وقد اختلفت الإجابات ..

فعبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية قال : نعم .. للمصلحة والضرورة ، لابد أن يكون بين الدول العربية تعاون عسكري للدفاع المشترك .

أما محمد علوبة فرأي أن تكوين جيش مشترك سابق لأوانه ، والمهم الآن هو وجوب تعاون الجيوش العربية بحيث يمكن إدماجها عند الحاجة .

أما اللواء أحمد عطية باشا فبرأيه : يجب أن يكون لكل دولة جيشها الخاص ، ولكن هذا لا يمنع من تعاون هذه الجيوش عند الحاجة .

ويري اللواء محمد فتوح باشا أنه : ربما كان تحقيق هذه الفكرة متعذرا ، فليس من الممكن أن يتم الانسجام بين أفراد هذه الأمم جميعا .

ويتمني الأستاذ عبد الحميد عبد الحق : لو أمكن أن تتفق الدول العربية علي تأليف هذا الجيش المشترك ، وتوحيد الدفاع لكان ذلك كسبا عظيما .

وجاء السؤال الثاني في استفتاء " الهلال " : كم ينبغي أن يكون عدد جنود هذا الجيش ؟

وجاءت الإجابات :

عزام : يتوقف عدد الجيش علي قوة الخصم المحتمل الوقوف أمامه ، وكذلك المحالفات التي تعقد بين الدول لتكملة النقص في قوة الجيش .

علوبة : لكل دولة أن تحدد نصيبها من هذا الجيش تبعا لعدد سكانها ومواردها ، كما حدث في جمع نفقات الجهاد لفلسطين .

عطية : عدد الجيش يتوقف علي مقدرة كل دولة وظروفها والجبهة التي تحارب فيها .

فتوح : يتوقف ذلك علي قوة العدو ، ونوع القتال : دفاعي أو هجومي ، ونوع الأراضي التي ستقع عليها المعارك .

عبد الحق : أري ألا يقل عدد هذا الجيش عن ثلاثمائة ألف جندي وقت السلم ، وثلاثة ملايين وقت الحرب .

وتوالت الأسئلة : لمن تكون القيادة وأين مقرها ؟

كيف يتسنى تسليح هذا الجيش العربي المشترك ؟

هل يتعارض تكوين هذا الجيش مع ميثاق هيئة الأمم المتحدة ؟

المهم أن هذا الاستفتاء علي صفحات إحدى المجلات المصرية قبل 77 سنة يمثل تفكيرا مستقبليا لم يأخذ حقه من خطوات التنفيذ ، حتي دعا الرئيس السيسي سنة 2015 إلي تكوين جيش عربي مشترك ، وقد اعتمدته القمة العربية ، وتم اجتماعين لرؤساء أركان الجيوش العربية لوضع بروتوكول إنشاء القوة العربية ، ثم الانتهاء من تصور تشكيل القوة العسكرية المشتركة حتي يوم 29 يونيو 2015 حسبما صرح الفريق محمود حجازي رئيس أركان الجيش المصري ، مؤكدا أن المهمة الأساسية صيانة الأمن القومي العربي .

ولكن إجراءات تنفيذ فكرة الجيش العربي المشترك توقفت بعد أن طرح البعض فكرة بديلة وهي إنشاء جيش إسلامي مشترك ، وبذلك تكون الفكرة قد خرجت إلي فضاء آخر خارج اختصاص الجامعة العربية .

ثم دارت السنين ليعيد العدوان الإسرائيلي علي دولة قطر طرح فكرة الجيش العربي المشترك ، فهل يتم تفعيل الإجراءات في هذا الطريق ، أم سننسي بعد حين ما حدث حتي تقع كارثة جديدة لا قدر الله ؟

***

كان من العجيب أن تأتي فكرة الجيش العربي المشترك من مجلة " الهلال " الثقافية وليس من مجلة سياسية ، والأعجب من ذلك أن تصدر هذه الدعوة ومصر تحت الاحتلال الإنجليزي ، وليس لها جيش يعتد به .

وهو تفكير بعيد المدي يدل علي ضرورة تفعيل دور المثقف وإشراكه في صنع القرار ، فقد يأتي بفكرة خارج الصندوق ، بما لا يخطر علي بال السياسيين .

وتعالوا معا لنقرأ أفكار كاتب صحفي مثقف مثل فكري أباظة ، لنعلم كيف يري المثقف بعين زرقاء اليمامة علي مسافة زمنية طولها 77 سنة ، فقد كتب فكري أباظة تحت عنوان " آلامي وأحلامي " :

فأنا أحلم بجيش مصري قوى مسلح بأحدث سلاح ، لا يقل عدده في السلم عن مائة ألف ، وعدده في الحرب ربع مليون " – إنه يحلم بهذا العدد في مطالع سنة 1948 حينما كان عدد سكان مصر ثمانية عشر مليونا ، وهو حلم ممكن التحقيق كما يقول كاتبنا الكبير : بقليل من العزم  والحزم ، لأني من المؤمنين بأن وسيلة الاستقلال الصحيح هي الجيش القوي الذي تمونه مصانع مصرية للذخيرة وللسلاح " .

انظر إلي عظمة تفكير مثقف مصري وهو يري أن يكون سلاح جيشنا من صنع مصانعنا ، حتي لا نكون تحت رحمة الدول الموردة للسلاح ، فتمنحه وتمنعه حسب اتساقنا أو اختلافنا مع سياساتها .

هذا الحلم بأن يكون سلاحنا من صنع أيدينا كاد أن يتحقق بعد نصر أكتوبر 1973 ممثلا في الهيئة العربية للتصنيع ، والذي اتفقت البلاد العربية علي الاشتراك فيها وتمويلها كل حسب قدراته ، حتي إذا عقدت مصر اتفاقية السلام بكامب ديفيد التي استردت بموجبها كامل أرضها المحتلة ، لم يستوعب العرب ما حدث وقاطعوا مصر وخرجوا من الهيئة العربية للتصنيع ، تري ماذا لو لم يفعلوا ؟ أما كان للعرب مصدر للسلاح لا يخضعون فيه لابتزاز ، ووفروا ملياراتهم التي يستوردون بها سلاحهم ، وأنفقوها علي تنمية شعوبهم ورفاهيتها ؟ .

ويمضي فكري أباظة وكأنه يحدثنا اليوم :

ومصر في وضعها الجغرافي والسياسي ، يجب أن تكون دولة برية بحرية قوية ، لتستطيع أن تملأ مكان الزعامة والصدارة في الشرق الأدنى وفي أفريقيا ، ولتستطيع أن تكون مرهوبة الجانب محسوبة الحساب " .

وهذا الحلم قد تحقق فعلا ، فقد أصبح لمصر جيش بري وبحري قوي ، تعمل له إسرائيل اليوم ألف حساب ، وهو المطلوب : قوة ردع تجعل العدو يفكر ألف مرة قبل أن يفكر في التجاوز ، وقد أغراه غرور القوة ، وغطرسة الغرور بأن لا أحد يوقفه ، ولا يقطع ذراعه الطويلة التي تطال أي مكان ، ولكن عند مصر : قف واحذر ، فسماؤنا محرقة ، وبحرنا مغرق ، وبرنا مهلك .

فقد استطعنا بحمد الله تطبيق ما أمرنا الله به :

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم .

***

ويمضي فكري أباظة شيخ الصحفيين في أحلامه وكأنه يقصدنا اليوم :

أحلم باستقرار في الحكم ، لتتفرغ الدولة والأمة للإصلاح الداخلي الخطير ، وأكاد أغدو وأمسى من المؤمنين بأن القضية المصرية لا تخدم إلا بالإصلاح الداخلي السريع الحازم  .. وعندنا كل المؤهلات .. وأنا أحلم بأن في باطن هذه الأرض الفردوسية خيرات كثيرة تكفي أهلها طعاما وكساء وشفاء ، ولكن الهزات السياسية تقف حجر عثرة في الطريق ، وأظننا في حاجة إلي زعيم يثب وثبته ، ويهب هبته ، ويثور ثورته ، فينقل البلد من حال إلى حال .

أنا أحلم بهذا الزعيم ، فهل تصح الأحلام ؟ " .

وقد صحت كثير من أحلام فكري أباظة . فبداية النهضة حلم ، يتولى تحقيقه أولي العزم ، إذا صدقت النية ، فنحن لا نقل عن الصين واليابان كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وماليزيا .. الخ ، إذا استفدنا من تجاربهم وصح العزم .

 

 

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أحمد شوقي ومحمود أوب الوفا
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص