يارا شوشة فى حوار عن والدها «حارس اللغة العربية» تتلمذ على يد طاهر أبو فاشا في مادة اللغة العربية.. وكان يشعر بالخجل الشديد كلما حاوره حكاية الأذان الذى أقامه شوشة أمام لجنة اختبار المذيعين هذه قصة برنامج «لغتنا الجميلة» ولماذا لم يقرأ نشرة الأخبار بعد 1967؟ من أجل عيون أحفاده.. كتب عدة دواوين شعرية للأطفال كان هو العالم لى ولأختى.. وإخوته اعتبروه والدهم الثانى كان شاعرًا موهوبًا منذ طفولته.. والصدفة قادته إلى أن يصبح مذيعًا وقع عقد نشر ديوانه الأخير «نخلة الماء» قبل رحيله بساعات
اكتسب فاروق شوشة لقبا عظيما ومشرفا وناصعا كان يستحقه بجدارة وهو "حارس اللغة العربية": فقد نذر الرجل حياته للدفاع عن لغة الضاد، ولإقالتها من عثراتها الكثيرة على ألسنة أبنائها الذين أهدروها وقصروا في حقها تقصيرا شديدا.. وصار برنامجه الإذاعى اليومى لغتنا الجميلة" على أثير إذاعة البرنامج العام واحة للغة العربية .. تستظل فيها بظلال لغة الضاد وتنعم بجمالها وعذوبتها، وننهل من نهرها الذي لا ينضب... غير أن هذه المحطة المهمة في حياة فاروق شوشة لم تأخذه من مضماره الآخر الذي أخلص فيه للغة العربية أيضا وهو الشعر.. فكتب أعذبه وأجمله ليترك بصمته الشعرية الخالدة بمجموعة دواوين شعرية لها حضورها في الشعر العربي الحديث منذ ديوانه الأول إلى مسافرة" عام 1966، وحتى ديوانه الأخير "نخلة الماء" الذي وقع عقد نشره قبل ساعات من رحيله في 14 أكتوبر عام 2016.. وما بين كتابته للشعر منذ طفولته وحتى ديوانه الأخير.. وما بين بدايات عمله كمذيع بالإذاعة المصرية فى سن الشباب الباكر عام 1958 وحتى وصوله إلى مكانته كمذيع كبير له تاريخ وبصمة وحضور محطات ومواقف واحداث وحياة تحدثنا عنها ابنته الكبرى التي ورثت عنه جينات الموهبة والحضور والتفرد في العمل الإعلامي يارا شوشة المذيعة بقناة النيل الدولية حديثا نتعرف خلاله إلى وجوه كثيرة من حياة وإبداع فاروق شوشة.. فإلى الحوار...
في البداية سألت يارا شوشة عن بدايات والدها الكبير وعن النشأة والتكوين، فأجابت: ينتمى فاروق شوشة إلى قرية الشعراء التابعة المحافظة دمياط.. وطبعا لاسم قريته دلالة مهمة في أن تنجب هذا الشاعر الكبير.. ولد أبي في فبراير عام ١٩٣٦ بهذه القرية الشاعرة التي سميت بهذا الاسم لأن شعراء الربابة والسير الشعبية كانوا يتجمعون في مدخلها يروون السير الشعبية لأهل القرية مثل سيرة أبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد وغيرهما...
حكى لنا والدى ونحن صغار أن والده محمد شوشة كان مدرسا ثم موجها للغة العربية، بينما كانت أمه السيدة "وطفاء" ست بيت تفرغت للمنزل ولتربية الأبناء وكانت تلميذة لجدى لوالدي، ورأى أنها ستكون الزوجة المناسبة لابنه.. كان أبي هو أكبر إخوته.. وله تسعة إخوة... سبعة أشقاء واثنان من والده، لأن والدته السيدة وطفاء توفيت مبكرا فتزوج والده زيجة ثانية.. وقد كان رحيل والدته في سن مبكرة علامة فارقة في حياة فاروق شوشة، ورغم أنه كان أكبر إخوته إلا أنه كان يشعر بالفقد وباليتم دائما حتى أنه كتب قصيدة في هذا المعنى بعنوان "اليتم في السبعين".
ولقد كانت علاقة فاروق شوشة بوالديه وأشقائه علاقة مثالية يجمعهم الحب وصلة الرحم التي تصلح نموذجا لابد وأن يقتدى به من يعرف عمق هذه العلاقة.
كان أبي يصطحبنا دائما أنا وشقيقتي رنا إلى قريتنا "الشعراء" نقضى بها أجمل أوقاتنا في الإجازات والأعياد وبشكل متواصل.. وكانت أيامنا هناك من أجمل أيام حياتنا.. وإن أنسى فلا أنسى ذلك الحنو والمحبة الخالصة التي رأيناها وخبرناها أنا وشقيقتي في جدى وأعمامي وعماتي.. وقد كان جدى يتعامل معنا بوصفنا ابنتي ابنه الأكبر... رغم أن هناك أحفادا له يكبروننا بأكثر من عشر سنوات.
و تواصل يارا شوشة هذه النشأة المثالية التي اتسمت دائما بأواصر الحب وبالأجواء الأسرية الدافئة وبالارتباط العائلي الشديد انعكست بكل تأكيد بعد ذلك في علاقة أبي بنا أنا وأختى رنا ثم من بعد ذلك أولادنا أحفاده.. فمثلا ونحن صغيرتان كان هو مشغولا جدا بعمله وإبداعه، ومع ذلك حرص دائما على أن نجتمع صباحا لتناول الإفطار، ثم يقوم بتوصيلنا إلى المدرسة ثم يأتي في آخر اليوم الدراسي لتوصيلنا من المدرسة إلى البيت.. ثم كانت فرحته الكبرى حين رأى حفيدته الأولى ابنتي "حبيبة" التي أطلق عليها لقب "عميدة الأحفاد"، وقد بدأ في كتابة دواوين شعرية للأطفال بعد ولادة حبيبة، ثم ولادة بقية الأحفاد... فكتب أول دواوينه للأطفال "حبيبة والقمر" عام ۱۹۹۷ بعد ولادة حبيبة بعام واحد، ثم كتب لابن شقيقتي عز الدين ديوانا آخر باسم "الأمير الباسم"، وكتب لابنتي الصغرى ملك ديوان "ملك تخطو خطواتها الأولى".. ثم كتب ديوان "الأصدقاء الأربعة" لأحفاده الأربعة... ابنتي وابني شقيقتي.. وكذلك أذكر واقعة تدل على هذا الحب الكبير الذي ملأ قلب هذا الرجل العظيم.. فقد ولدت ابنتي حبيبة أول أحفاده في يوم الثامن والعشرين من نوفمبر، فاستمر لمدة عام كامل يحتفل بمولدها كل يوم ۲۸ في كل شهور العام بأن يحضر لنا تورتة جميلة احتفالا بعميدة الأحفاد.. وأذكر أيضا أن أختى أقامت لفترة بدولة الإمارات فكان يكلمها يوميا لكي يطمئن على ابنيها ويتحدث إليهما.
ولأنه كان كريما معطاء واسع الكرم، فقد كان أمرا مقدسا بالنسبة له أن يجمعنا كل يوم جمعة في بيتنا بالزمالك.. ويحضر لى ولأختى ولكل حفيد وحفيدة من أحفاده كل ما يحب من طعام أو شراب وبكميات كبيرة.. لذلك أقول دائما إن فاروق شوشة بالنسبة لنا ليس أبا فقط إنه كان ولا يزال - في عالمه الآخر - هو العالم كله بالنسبة لنا.
نخلة الماء
تواصل یا را شوشة : كانت محبة أبي تشمل الجميع، غير أنه أسبغ محبته علينا نحن ابنتيه وعلى إخوته - الذين كانوا يعتبرونه أبا ثانيا - بذات القدر. محبة خالصة وشعور هائل بالمسئولية عن هؤلاء الإخوة. وكما ذكرت كان أبي أكبر إخوته، وتلته أخته فريدة ثم أخوه فخرى أقرب الناس إليه.. واللافت هنا أن فاروق شوشة وإخوته - وهم خمسة ذكور وخمس إنات - كانت أسماؤهم جميعا تبدأ بحرف الفاء.. وأتصور أنه سمى باسم فاروق على اسم الملك فاروق الذي كان وليا للعهد آنذاك حين ولد أبي في فبراير عام ١٩٣٦. ثم ولدت شقيقته من بعده فأسموها فريدة على اسم زوجة فاروق ليقرر جدى بعدها أن يسمى بقية أولاده بأسماء تبدأ بحرف الفاء.. وكما ذكرت كنا نزور جدى وأعمامي في قرية الشعراء كثيرا ونقضى بها الإجازات والأعياد. أما من أقام من أعمامي وعماتي في القاهرة فقد كانت زياراتهم لنا وزياراتنا لهم تتواصل باستمرار.. وقد رحل بعض أشقاء أبي في حياته، وكلما رحل واحد أو واحدة منهم كتب قصيدة رثاء عصماء ترثى فقيده، وكانت عمتى فريدة التي تليه مباشرة تقول له: اكتب في قصيدة يا فاروق، فيجيبها حزينا بعد الشر عليك، فتقول له ضاحكة هو لازم تكتب القصيدة بعد موتى.. اكتبها وأنا على قيد الحياة.. لكن تأثره وحزنه العميق حدث بعد رحيل شقيقه فخرى شوشة عميد المعهد العالي الزراعي بشبرا.. والذي كان يصغره بست سنوات.. أحسسنا أنا وشقيقتي رنا ووالدتى المذيعة الكبيرة هالة الحديدي أن شيئا ما حدث له وأنه لم يعد كما كان، وصار حزينا جدا كثير الشرود.. رحل عمى فخرى في مارس عام ٢٠١٦ وبعده بدأ الأمر وكأن الدنيا (قفلت) بالنسبة لأبي.. وقد كتب بعد رحيل شقیقه دیوان "نخلة الماء ".. الذي وقع عقد نشره قبل رحيله في ١٤ أكتوبر عام ٢٠١٦ بساعات فقط ونشر بعد رحيله بعدة أشهر.. وكل قصائد هذا الديوان تتسم بالحزن وتتشح به. وأغلبها يتكلم عن الموت وكأنه يقول لشقيقه الراحل أنا قادم إليك.. وهذا الديوان كتب له فاروق شوشة مقدمة مع أنه لم يكتب مقدمة لأى من دواوينه السابقة... وفي المقدمة أيضا بدا وكأنه يستشعر الموت القريب كما استشعره في قصائد الديوان.. ويقول فيها:
لم يسبق لي أن كتبت تقديمًا لمجموعاتي الشعرية، ولم أطلب من غيري أن يكتب هذا التقديم. وكنت ومازلت أوثر أن أترك للقارئ حريته الكاملة في الوصول إلى ما يرتاح إليه من فهم أو رؤية أو قبول أو عزوف. لكنني، اليوم، أخرج عن القاعدة الإحساسي بأن هذه المجموعة الجديدة ليست كسابقتها لغة أو صياغات أو هموما إنسانية أو شعرية. فقد كان همى أن أتخلص من عباءة شعرية أن أوان خلعها، كي استبدل بها حرية أكبر وأفاقا أرحب، ولغة أكثر يسرا وبساطة وأنفاسًا أكثر جدة وحرارة".
وفي هذا الديوان كتب أبي مرثية شعرية في شقيقه الراحل فخرى شوشة هي مذاق جديد للموت" يقول فيها:
الآن.. لا ملاذ لي.. وقد سبقتني وصرت من بعدك، كلما سعيت لك
يرتطم القلب الكسير بافتقاد وجهك الأنيس
وها أنا،
أسبح في العراء
مفتقدا صوتك
وارتخاءة الجليس وانطلاقة الحبيس
واستراحة الأمان
ولست أدرى حين لقيانا معا
هل كنت فيها ابنك
أم بني أنت؟
يقول الدم العربي
وتضيف يارا مثل هذا الحزن تبدى عند والدي في كتابه الرائع عذابات العمر الجميل " الذى يبدو فيه توقفه عند محطات مبكرة وهامة في حياته منذ نشأته، لكن فيه تأملات روحية وهو مكتوب بلغة شاعرية وشعرية، فجاء كما كتب عنه أنه سيرة شعرية.. وقد نشر كثيرا من هذه السيرة الشعرية في مقاله الأسبوعي بالأهرام والذي تعرض للتوقف خلال فترة حكم الإخوان.
وبمناسبة الإخوان فقد كان يحتني وشقيقتي رنا على الخروج والتظاهر ضدهم في ٣٠ يونيو وما قبلها، رغم خوفه الشديد علينا، وكان يقول لنا لو أن ظروفي الصحية تسمح لخرجت للتظاهر معكما.
وأسال يارا شوشة: ربما كان الحزن أيضا هو الطابع الغالب على عدد من أعماله مثل ديوان "يقول الدم العربي" لتجيب: نعم هذا صحيح تماما؛ ففى ديوان يقول الدم العربي" تنويعات حزينة على واقع عربي مترد، وتعبر القصيدة الأهم في الديوان والتي عنون الديوان باسمها عن حزن تقيل على هذا الدم العربي الذي أصبح كالماء ويقول فيها:
أخيرا.. يقول الدم العربي
تساويت والماء
أصبحت لا طغم.
لا لون لا رائحة
أخيرا، يقول الدم العربي:
اسيل ..... فلا يتداعى ورائي التخيل
ولا ينبت الشجر المستحيل
..... أسيل
أروى الشقوق العطاش.
وأسكب ذاكرتي للرمال.
فلا يتخلق وجه المليحة.
أو حلم فارسها المستطار
وأنزف حتى النخاع.
وينحسر المد.
لنيت فوقي حجارتكم.
مدنا تتمدد أو تستطيل
وتأكل ما يتبقى من الأرض.
لكنها أضرحة.
و تواصل با را شوشة كلامها عن هذا الحزن الواضح في شعر والدها الكبير
فتقول:
أعتقد أن هذا الحزن الذي بدا واضحا. في شعر فاروق شوشة راجع إلى أنه فقد والدله في عمر مبكر إلى حد ما، وقد كان ارتباطه بها شديدا ثم فقد بعض أشقائه وهو أكبرهم فصار الحزن رفيقه في أحيان كثيرة، على رغم أنني وشقيقتي وأبناءنا كنا تملأ عليه حياته، لكن مسألة فقد أمه وبعض إخوته كانت تستولى عليه كثيرا وتطفى على روحه الشاعرة... وأضيف هنا أمرا هاما هو أن صوت أبي أيضا كان حزينا وبه نبرة حزن واضحة. وهذا الحزن البادي في نبرات صوته رغم أنه جعل صوته مميزا ومنفردا، لكنه كان سلاحا ذا حدين: فقد تسبب في أن يعفى من قراءة نشرات الأخبار بعد هزيمة يوليو عام ١٩٦٧.. وقد كان التوجه وقتها ألا يشعر الناس بمزيد من الحزن.
مذيع بالصدفة!
وفي سبتمبر عام ١٩٦٧ أيضا بدأ فاروق شوشة تقديم برنامجه الأشهر "لغتنا الجميلة "؟
1967 تقول يارا شوشة : نعم هذا صحيح ... لأنه بعد صدمة الهزيمة كان لابد من مواجهة الأمر على جميع المستويات.. ومن ضمنها توجه بأن يتم يتمسك المجتمع بهويد وكانت هناك أفكار لبرامج كثيرة في هذا السياق، واختار أبى أن يقدم برنامجا. عن اللغة العربية.. لغتنا الجميلة.. وكان اختياره صالبا، فقد : فقد نجح "لقتنا الجميلة" نجاحا هائلا.. وأصبح أشهر من نار على علم كما يقال لأن أبي قدمه بحرفية ويحب اللغة العربية.. فضلا عن صوته الجميل فاستقبله المستمعون استقبالا رائعا وكان له جمهوره الكبين وأسهم في أن يهتم المجتمع المصرى باللغة العربية إسهاما كبيرا.
ولكن كيف دخل فاروق شوشة الإذاعة المصرية ؟
تجيب يارا أستطيع أن أقول إن أبي دخل الإذاعة المصرية بالصدفة.. فهو في الأساس كان يريد أن يلتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية، ولكن والده كان يرغب في أن يلتحق ابنه الأكبر بكلية دار العلوم فنزل على رغبته... وهذه صدقة أولى.. ثم كانت الصدفة الثانية حين تخرج في دار العلوم عام ١٩٥٦ وقرر أن يحصل على دراسات عليا من تربية عين شمس، وحصل عليها عام ١٩٥٧ ليعمل بعدها ولمدة عام مدرسا للغة العربية بمدرسة النقراشي الثانوية، لكن خطته الأساسية كانت أن يحصل على الدكتوراه، وشاركه هذه الرغبة زميل له وأرسلا إلى إحدى الجامعات الأجنبية الحصول على منحة الدراسة الدكتوراه... وأثناء انتظارهما رد الجامعة الأجنبية قرأ زميله إعلانا عن مسابقة لاختيار منبعين بالإذاعة المصرية فقال له: يا فاروق عايزين تقدم في المسابقة وتجرب.. وهو ما حدث بالفعل ذهب فاروق شوشة مع زميلة وقدما في مسابقة الإذاعة.. وفي لاختبار كانت لجنة الاختيار "تعصر" المتقدمين بالمعنى الحرفي الدارج... وأذهل صوت أبي أعضاء اللجنة، لدرجة أنهم طلبوا منه أن يؤدى شعائر الأذان... وربما هي المرة الأولى والأخيرة التي يؤدي فيها ممتحن في اختبارات اختيار المذيعين شعائر الأذان.. وكان والدي يحدثنا عن تلك الواقعة بحب وبفخر. ونجح بالطبع بتفوق ليلتحق بالإذاعة المصرية في مبنى الشريفين.
وهناك في الشريفين يلاحظ الإذاعي الكبير عبد الحميد الحديدي رئيس الإذاعة المصرية أن المذيع الجديد فاروق شوشة هو صوت إذاعي متفرد ونجيب وموهوب التربطهما صلة مهنية عظيمة.
تم من بعدها صلة عائلية بزواج فاروق شوشة من هالة الحديدي ابنة عبد الحميد الحديدي؟
الجيب بارا شوشة كانت هالة الحديدي وهي طالبة صغيرة السن تزور مبنى الإذاعة بشكل متواصل بصحبة والدهاء وهي تصفر فاروق شوشة بعشر سنوات كاملة ... ومع ذلك ربط الحب بين قلبيهما.. ولما كبرت قليلا اكتشف فاروق شوشة أنه يحبها واكتشفت هالة الحديدي أنها تحب فاروق.. وتقدم الزواج منها، وفي البداية كان لدى جدى عبد الحميد الحديدي بعض التحفظ لأن كليهما - فاروق وهالة - عنيد لكنه في النهاية وافق وكان سعيدا بهذا الزواج الذي تم في يناير عام ١٩٧٠.
مع الأبنودي وأمل دنقل
وتواصل يارا شوشة: كان برنامج "الغدنا الجميلة " دليلا أكيدا على نجاح فاروق شوشة، وحمل البرنامج الإذاعي اليومي جديدا كل ليلة .. وكان عبارة عن وجبة معرفية لغوية يومية، وأطلق على أبي لقب حارس اللغة العربية وفارس اللغة العربية لأن الرجل كرس حياته من خلال هذا البرنامج وغيره لخدمة اللغة العربية. واستمر البرنامج عشرات السنين لأنه كان واحدا من أهم البرامج في تاريخ الإذاعة المصرية، وكانت مقدمته الرائعة بصوت القديرة صفية المهندس "أنا البحر في أحماله الدر كامن... فهل ساءلوا الغواص عن صدقاتي علامة خالدة هي الأخرى والمقدمة الشاعر النيل حافظ إبراهيم. وبمناسبة شاعر النيل أقول إن أبي كان واحدا من كبار عشاق نهر النيل، وكتب فيه قصائد كثيرة جدا.
وبجانب لغتنا الجميلة اتجه أبى إلى شاشة التليفزيون، فقدم مجموعة من البرامج كان أشهرها وأهمها برنامجه التليفزيوني الأول "أمسية ثقافية " الذي بدأ تقديمه عام ١٩٧٧، وكان يتم تصويره في استوديو ٢٢ واستضاف فيه كبار مبدعى مصر مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وكانت حلقته مع أمل دنقل والأبنودي عام ١٩٨٣ من أهم الانفرادات التليفزيونية حيث قام أبي بمشاركة الأبنودي بتهريب أمل دنقل من معهد الأورام حيث كان يرقد بالغرفة رقم .. والغريب أنهما قاما بتهريبه مرتين.. في المرة الأولى وحينما جاء دنقل والأبنودي تصوير الحلقة فوجي والدي أن هناك عملا فنيا بالاستوديو... وكان مثل هذا الموقف الصعب كفيلا بأن يجعل أبي محيطا وبائسا من تصوير الحلقة، لكن العكس هو الذي حدث فقد زاده إصرارا على تنفيذ الحلقة، فاتفق مع الأبنودي على موعد أخر وذهبا إلى معهد الأورام، وقاما بتهريب أمل دنقل الذي كان مرحبا وسعينا بهذا اللقاء . مرة ثانية إلى مبنى ماسبيرو ليصور فاروق شوشة معهما حلقة للتاريخ لأن أمل كان في أيامه الأخيرة وأراد شوشة أن يوثق له أراءه وكلامه ومعاناته بهذه الحاقة لتكون ذكرى باقية لشاعر كبير وعظيم.
دروس
ماذا تعلمت من فاروق شوشة.. المذيع ؟
تقول يارا شوشة: بعد تخرجي عملت مطلعة لمدة عامين، وأثناء عملى كمعلمة تقدمت لاختبارات الإذاعة باسم يارا فاروق محمد، ووقتها كان هو تاليا الرئيس الإذاعة وطلب منى أن أرجئ التقدم للإذاعة لما بعد خروجه المعاش. لكن جاء وقت الاختبار واختبرت ونجحت وعملت بالبرنامج الموسيقى ثم أردت الانتقال إلى البرنامج الأوربي. وكان هو قد أصبح رئيسا للإذاعة. فرفض أن يوقع قرار نقلي رغم أن من طلبت النقل هي رئيسة الشبكة الثقافية وقتها لحاجة العمل بالبرنامج الأوربي لي واستطاعت إقناعه ثم انتقلت بعد ذلك إلى الشاشة الصغيرة كمذيعة بقناة النيل الدولية، وفي كل مراحل عملی تعلمت من أبي مبادئ أساسية في عمل المذيع الناجح، تعلمت ألا أطيل السؤال والكلام وأن يكون سؤالي للضيف موجزاء لكن لابد أن يفي بفرضه وهدفه ثم ألا أقاطع الضيف إلا في حالات معينة، ثم الا استعرض عضلاتي المعلوماتية... وهكذا علمني فاروق شوشة الكثير في مهنة المذيع .. أما في الحياة بشكل عام فقد كانت حياته معى وأختى عامرة بالدروس والقيم.. علمنا قيم الأمانة والصدق ومحبة الناس والتواضع من خلال مواقف عملية وسلوك راق...
رحلة الشعر
أقول ليارا شوشة: فاروق شوشة لم يخطط مطلقا أن يكون مذيعا... أما أن يكون شاعرا شهيرا فمن المؤكد في رأيي أن الأمر كان ضمن خططه وأحلامه؟ لنجيب: نعم هذا صحيح... كان أبي يكتب الشعر وهو تلميذ صغير ثم وهو طالب أكبر في السن سواء في المدرسة أو في الجامعة، وأطلق عليه لقب الطالب الشاعر.. فقد كتب الشعر باستمرار أثناء دراسته، وألف وهو طالب مسرحية شعرية، لكنه للأسف لم يتركها مخطوطة.. ومن حسن حظه أنه صادق أن كان مدرس اللغة العربية له في دمياط طاهر أبو فاشا الشاعر الكبير وصاحب حلقات ألف ليلة وليلة الذي كتب ٨٠٠ حلقة من ألف ليلة وليلة للإذاعة المصرية وهو دمياطي مثل فاروق شوشة، وقد رأى فيه منذ صغره شاعرا موهوبا وكبيرا وشجعه كثيرا... ولما صار الاثنان عامين من أعلام الشعر وحينما كان فاروق شوشة يستضيف طاهر أبو فاشا في برامجه كان أبي يشعر بخجل شديد حين يخاطبه أستاذه أبو فاشا ويقول له "أستاذ فاروق".
وبالمناسبة ولست هنا أبالغ أو أجامل حين أقول إن الخجل الشديد كان صفة تلازم والدي، وحتى حين كان يتم الكريمه في محفل ما كان يشعر بهذا الخجل ويتمنى أن ينتهى هذا التكريم سريعا، واعتقد أن هذا الأمر يعود إلى أنه كان أيضا متواضعا شديد التواضع مع الجميع وأيا كانت درجة بساطة من يتعامل معه.. وقد أصدر أبي أول دواوينه إلى مسافرة" عام ١٩٦٦ وهو في عمر الثلاثين، ثم توالت دواوينه بعد ذلك وحتى رحيله.
وبالمناسبة أيضا أقول إنه بجانب موهبته القطرية في الشعر فإن فاروق شوشة منذ أن كان طفلا صغيرا توفرت له مكتبة ضخمة جدا.. فقد امتلك والده مكتبة كبيرة في بيتهم تضم أمهات الكتب في اللغة والشعر والتاريخ والعلوم، وكان الطفل الصغير فاروق يستقل خروج والده من بيتهم فيحاول أن يستكشف هذا العالم العجيب.. عالم الكتب، وحين يعود والده ينهره لأن الكتب الموجودة أكبر من سنه بكثير لكن والدته وجدته كانتا تشجعاته على مطالعة تلك الكتب حتى لو لم يفهم منها شيئا، ثم حدث في الأربعينيات أن لزم الناس بيوتهم بعد أن تفشي وباء الكوليرا، فكانت تلك الفترة فارقة في حياة فاروق شوشة، فقد كان قد كبر قليلا وأصبح قادرا على فهم ما يقرأه، فقرأ في مكتبة والده كثيرا، وفي هذه المرة شجعه أبوه وطالبه فقط بالحفاظ على الكتب ومن بعدها أصبحت مكتبة والده هي عالمه الأثير.
والغريب أن هذا الأمر تكرر بيني وبين والدي بنات التفاصيل.. فقد امتلك والدي مكتبة كبيرة في بيتنا بالزمالك وكنت أنتهز خروجه وأنا طفلة صغيرة فأعيت في الكتب وأحاول أن أقرأ دون أن أفهم شيئا، وذات يوم عاد فوجدني أعبث في كتبه، وأمسك في يدي ديوانا الأمير الشعراء أحمد شوقي الذي كان والدي مفرما به ويشعره كثيرا، فلما رالي طبطب علي، وقال لي انتي فاهمة حاجة في الديوان ده ؟ وقد احتفظت بهذا الديوان بعد رحيل والدي لارتباطه بهذا الموقف الجميل معه في طفولتي.
وماذا عن فاروق شوشة.. مؤلف الأغاني؟
تقول يارا شوشة: بعض أهل الغناء مثل سعاد محمد ووردة وغيرهما غنوا قصائد بالفصحى لأبي، لكن الغريب أيضا أن فاروق شوشة ألف بعض الأغاني بالعامية مثل أغنية "والله واتجمعنا ثاني يا قمر" الصباح وأغنية أخرى بالعامية أيضا النادية مصطفى.. وقد كان أبي صديقا الملحن المعروف محمد سلطان رحمه الله الذي دفعه إلى التأليف بالعامية.
أخيرا.. حدثينا عن الأيام الأخيرة في حياة فاروق شوشة ...
تقول يارا لم يكن أبي يعاني من أمراض خطيرة أو مزمنة، وفقط كان يعاني بعض المتاعب البسيطة بالقلب. لكن كما ذكرت أصابه حزن شديد بعد وفاة شقيقه الأصغر فخري في مارس ٢٠١٦، وأحسنا أن شيئا ما حدث له بعد رحيل شقيقه.. وقد وقع عقد نشر ديوانه الأخير يوم الخميس ١٣ أكتوبر عام ٢٠١٦ وعاد إلى المنزل ونام بشكل عادي، لكن لأن أمر الله كان قد حان، فقد أسلم الروحأبارتها في فجر الجمعة ١٤ أكتوبر عام ٢۰۱۲ رحمه الله وغفر له.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة