اللورد كرومر.. مجرم استعمارى قمَــع المصريين وسرق خيرات بلادهم

شخصيات لها تاريخ «72» عائلته من أصول ألمانية انتقلت إلى لندن وعملت فى مجال البنوك وانصهرت فى الطبقة الحاكمة عبر الزواج وورث بعض أفرادها لقب لورد ولقب سير تخرج «كرومر» فى أكاديمية عسكرية وعمل فى الهند سكرتيرًا لعمه وانتقل إلى مصر وأصبح المندوب السامى لمدة 24 سنة احتقر «كرومر» الشعب المصرى وأصدر قانونًا بتشكيل محكمة مخصوصة تختص بقضايا مقاومة الجيش البريطانى مصطفى كامل فضحه بمقالة نشرها فى صحيفة الفيجارو الفرنسية واضطرت لندن إلى عزله وإجباره على مغادرة مصر تحت ضغط الرأى العام الأوربى الذى تأثر بما جرى فى دنشواى

منذ ثورة 23 يوليو 1952، والمصريون يعرفون الدور القذر الذى لعبه "إيفلين بارنج" ـ لورد كرومرـ ضد الفلاحين المصريين وكل طبقات الشعب المصرى، لخدمة التاج البريطانى، رغم أنه من أصول ألمانية، وكان جدوده من الصيارفة والعاملين فى مجال البنوك، واكتسبوا الجنسية البريطانية، لكن "بارنج" التحق بمدرسة عسكرية متوسطة وانضم للجيش البريطانى بواسطة أصدقاء والدته، وعقب التخرج عمل فى الهند -التى كانت مستعمرة بريطانية آنذاك- فى وظيفة سكرتير خاص لواحد من أقاربه كان يشغل وظيفة نائب ملكة بريطانيا ويدير المستعمرة باسمها، وانتقل "بارنج" إلى مصر عام 1883، ثم غادرها فى أبريل 1907 بعد قضائه أربعة وعشرين عاما، فعل خلالها كل ما يخالف الضمير الإنسانى من قتل وقمع وقهر، وكانت جريمته فى دنشواى فى العام 1906 هى التى أحرجت بريطانيا فاضطرت للتخلى عنه وإبعاده حفاظا على ما تبقى من ماء الوجه بعد أن نجحت الحركة الوطنية المصرية فى فضح الاحتلال وتعريف العالم الغربى بما يرتكبه من جرائم ضد الشعب المصرى.

وقعت الخيانة من جانب أعداء الشعب المصرى، وهم: الخديو توفيق والسلطان العثمانى وقبائل العربان ـ سعود الطحاوى شيخ الطحاوية بالشرقية وشيوخ قبيلة الحويطات ـ وبعض الضباط المصريين الذين باعوا الشرف العسكرى وباعوا الوطن بحفنة من المال، وديليسبس، الذى فتح قناة السويس لجيش بريطانيا، وسقطت مصر فى قبضة الجيش البريطانى، وقضى المعتمد  البريطانى ـ دوفرين ـ  بضعة أشهر، ورفع تقريره إلى اللورد جرانفيل وزير الخارجية تقريرا اقترح فيه أسلوب الحكم الذى يحقق مصالح بريطانيا فى مصر، ومن ضمن ما اقترحه: تسريح الجيش المصرى الذى تشبع بأفكار الثورة العرابية، وتشكيل جيش بديل بإشراف بريطانى، وأن لا تتولى بريطانيا الحكم بصورة مباشرة وإبقاء السلطة فى أيدى الخديوِ توفيق ووزرائه، وصبغ الإدارة المصرية بالصبغة البريطانية، والإبقاء على السيادة العثمانية ـ الرمزية ـ على مصر وإلغاء المراقبة الثنائية الفرنسية ـ البريطانية على الموازنة والموارد المصرية، وفى سبتمبر 1883 قررت بريطانيا العظمى تعيين "إيفلين بارنج" فى وظيفة المندوب السامى الذى ينوب عن الحكومة البريطانية فى إدارة مصر التى فقدت استقلالها وأصبحت مُستعمرة خاضعة للتاج البريطانى.

 إيفلين بارنج

إيفلين بارنج أو بيرنج كان من مجرمى الاستعمار البريطانى فى العصر الفيكتورى، وهو عصر بلغت فيه الامبراطورية مرحلة كبرى حتى أنها أصبحت الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس، وبدأ "إيفلين بارنج" خدمته للتاج البريطانى فى الهند ـ التى كانت إحدى مستعمرات بريطانيا ـ ما بين العامين 1872 و1877، لكنه لعب الدور الأكثر أهمية عندما جاء إلى مصر فى العام 1883، ليرسى قواعد الاستعمار البريطانى ويقضى أربعة وعشرين عاما، كان خلالها الحاكم الفعلى رغم وجود الخديو توفيق ومن بعده ولده الخديو عباس حلمى الثانى، وكما يقول "دكتور رءوف عباس" إن  إيفلين بارنج  ـ الذى أصبح يُسمى لورد كرومر ابتداءً من العام 1894 ـ هو فى نظر البريطانيين، استعمارى وطنى دعم التاج البريطانى فى مستعمرتين كبيرتين هما مصر والهند، وهو فى نظر الوطنيين المصريين والهنود كان سارق ثروات ومحطم قدرات الشعبين باستخدام أساليب غير آدمية تليق بلص محترف، يسرق بالقانون ويقمع الشعوب تحت مظلة حقوق الإنسان دون وازع من ضمير أو عقيدة، غير عقيدة السلطة والثروة التى آمن بها طوال حياته العسكرية والسياسية.

فى مدينة نورفولك وُلِد إيفلين بارنج فى يوم 26 فبراير 1841 فى أسرة "بارنج" ألمانية الأصل، التى كانت تشتغل بالنشاط المصرفى وأسست أحد البنوك فى لندن، وجده الأعلى هاجر من ألمانيا فى بداية القرن الثامن عشر، والتحمت أسرته بالطبقة الأرستقراطية فى بريطانيا، عبر الزواج والمصاهرات، وورث بعض أفراد "عائلة بارنج" الألقاب البريطانية مثل لورد وسير، واندمجوا فى المجتمع البريطانى، وفى طفولته التحق إيفلين بمدرسة خاصة لتعليم أبناء الطبقة الغنية، يديرها أحد القساوسة، وكان مستوى تحصيله الدراسى ضعيفا، الأمر الذى جعل أسرته ترسله إلى مدرسة عسكرية متوسطة، والتحق بعدها بأكاديمية ـ ووليتش ـ بوساطة من بعض أصدقاء والدته، وتخرج فى الأكاديمية وأصبح ضابطا وعمل فى جزيرة ـ كورفوـ اليونانية وجزيرة مالطة، ليفقز منها بسرعة إلى وظيفة أكثر أهمية فى وزارة الحربية، بمساعدة عمه اللورد ـ نورثبروك ـ وكان هذا العم يشغل موقع نائب المملكة البريطانية فى الهند، وفى وظيفته الجديدة "سكرتير خاص لنائب المملكة فى الهند" أتيح له الاقتراب من مركز صنع القرار.

ويقول الكاتب والباحث "روجر أوين" عن إيفيلين بارنج إنه كان شريكا لعمه فى المسئولية، وبعد خلاف وقع بين عمه "نورثبروك" وقصر الحكم فى بريطانيا، عاد "إيفلين" إلى وزارة الحربية وتزوج من امرأة أحبها وأحبته، وبدعم من عمه عُيِّن فى "صندوق الدّين" فى مصر فى وظيفة مندوب بريطانيا، وكان أيامها ضابطا برتبة "النقيب"، وبعد ثلاث سنوات قضاها فى هذه الوظيفة بمصر، عاد إلى الهند ليشغل وظيفة العضو المالى فى مجلس نائب الملك، وهى وظيفة تعادل وظيفة وزير المالية فى مستعمرة الهند، وبعدها أُعيد إلى مصر ليتولى منصب "القنصل العام" وكان ذلك فى سبتمبر 1883 ومُنِح لقب "سير".

 استعمارى جَشِع

كان "إيفلين بارنج" الذى سوف يصعد وظيفيا ليحمل لقب لورد، ويصبح اسمه لورد كرومر ـ يؤمن بالعقيدة الليبرالية، ويرى أن وظيفة الإدارة البريطانية فى المستعمرات هى تدريب أبناء هذه المستعمرات على حُكم أنفسهم، فقد كان الخطاب الرائج فى تلك الحقبة التاريخية يروج للناس خطابا يقول إن الاستعمار رسالة حضارية، يقوم بها البريطانيون بهدف ترقية الشعوب المتخلفة ودعمها حتى تؤمن بالحرية والليبرالية وحقوق الإنسان، وهذا الخطاب كان يؤمن به "إيفلين بارنج" قبل أن يصبح لورد كرومر، وتصبح مهمته ضخ الأموال فى خزائن المملكة البريطانية ـ المملكة المتحدة ـ وتحوّل من ليبرالى إلى داعم للاستعمار، وفق تصوّر يرى العالم بمنظور مسيحى، صليبى، يكره الآخر الإسلامى ويعتبره رمزا للتخلف والهمجية، فهو يرى أن أوربا مسيحية، تقود العالم الهمجى ويرى أن الأوربى هو الإنسان الكامل، وقامت نظريته فى حكم مصر على أساس أن النظام النيابى ضرورى لكن الشعب المصرى غير مهيّأ له، وأن الامتيازات الأجنبية ضرورية لحاجة مصر لوجود الأوربيين.

 المندوب السامى البريطانى

جاء "اللورد كرومر" إلى مصر وهو مؤمن بأهمية زيادة محصول القطن وإصلاح ما أفسده الخديو إسماعيل، وكانت إصلاحاته فى قطاع الرى تستهدف زيادة المزروع من القطن، وضخ الأموال الكافية لسداد أقساط الديون التى أغرق فيها "إسماعيل" مصر، وكانت الذريعة التى جعلت جيش بريطانيا يحتل مصر ويفسر "دكتور رؤوف عباس" ما قام به كرومر:

ـ  إصلاحات كرومر الاقتصادية والاهتمام بالرىّ نابعة من التزامه بأن تكون مصر منتجة للقطن، ولكنه تصدى لمحاولات التصنيع التى حاول كبار ملّاك الأراضى الزراعية القيام بها، وكان حريصا على أن يكون للمستثمرين المصريين دور الشريك الأصغر فى مجال التجارة، فى الوقت الذى سيطر فيه رأس المال الأجنبى على مجالات التموين والائتمان والصادرات والواردات، وإذا كان "كرومر" اهتم بتحسين أحوال الفلاحين نسبيا، فهذا كان من قبيل الحفاظ على الدجاجة التى تبيض ذهبا، لأن التحسن النسبى لأحوال الفلاح يضمن استمراره فى سداد الضرائب، وبذلك تستطيع مصر سداد أقساط الديون، مما يخفف ضغوط الدول الأوربية على سلطة الاحتلال، ولم يكن "كرومر" رائدا فى مجال التنمية الزراعية من خلال التوسع الأفقى والرأسى فى قطاع الرى، فذلك اتجاه عرفته "مصر" على نطاق واسع فى عصر "محمد على" واستمر الاهتمام به فى عهود خلفائه حتى قبيل أواخر عصر "إسماعيل" عندما أدت الأزمة المالية إلى الإضرار بمختلف مشروعات التنمية ومن بينها قطاع الرى، وجدير بالذكر أن فكرة إقامة خزان أسوان طُرِحت لأول مرة فى صورة اقتراح تقدم به بعض أعضاء مجلس شورى النوّاب أمام الثورة العرابية، كما طُرِحت فكرة استبدال نظام المقاولات كبديل للسُخرة فى أعمال الرى، وجاء الاحتلال البريطانى ليقطع الطريق على الحكم الوطنى والحيلولة دون تنفيذ هذه المشروعات التى تبناها ـ كرومرـ فيما بعد لأسباب تخدم بريطانيا بالدرجة الأولى.

 معركة مع الخديو

بعد موت ـ الخائن محمد توفيق ـ الخديو الذى استدعى جيش بريطانيا ليحمى عرشه من الثورة العرابية، تولى ولده "عباس حلمى الثانى" وجلس على أريكة الخديو، وظن أنه قادر على حُكم مصر منفردا رغم وجود جيش بريطانيا على الأراضى المصرية ووجود "لورد كرومر" ولكن خابت محاولات "الخديو الشاب" وكسر كرومر إرادته وأخضعه، وهذا ما كتب عنه  الراحل "أحمد لطفى السيد" فى مذكراته التى حملت عنوان: قصة حياتى، التى نشرتها دار الهلال:

ـ كان الخديو عباس حلمى الثانى قوىّ الإرادة، لايحتمل أن يرى غيره يتصرف فى حقه، فعندما ولى "الخديوية" أظهر صفات القوة الشخصية والشجاعة الأدبية والعِزَّة اللائقة بالملوك، فأنكر على الإنجليز تصرّفهم فى حقوقه واستئثارهم بالأمر دونه، وعزَّ عليه أن يصدر كل شىء باسمه على غير ما يختار، فنَفَر من معاملتهم إياه معاملة والده، وعارض فى كثير من المسائل بشدّة، فتنبَّه لذلك الشعور الوطنى وقال الناس: إن هذا الأمير سيعيد لنفسه مجد أبيه الأكبر "محمد على باشا" وقد رأى وزارة "مصطفى فهمى" هى من أكبر وزارات الوفاق والاستسلام فأسقطها، ونصّب وزارة "حسين فخرى" فى 16 يناير 1983، ولكن إنجلترا أرغَت لهذا التصرف وأزبَدَت، وعارضت فى تنصيب الوزارة الجديدة وأكرهت "الخديو" على إسقاطها، فلم تلبث فى الحكم غير ثلاثة أيام، ولكن ذلك لم يَفِل من عزم الأمير المُطالِب بحقه، فسار فى سياسة الخلاف كلما حانت الفرصة، حتى انتقد الجيش فى بعض نُظُمِه، وكان على رأسه ـ كتشنرـ فغضبت الحكومة الإنجليزية وطلبت الترضية، فوقف سموّه موقف المتمسك بحقه فى إبداء رأيه فى جيشه، ولكن الوزارة المصرية الجديدة برئاسة "مصطفى رياض باشا" قد أُضطرت يومئذٍ إلى إجابة مطالب إنجلترا، فكانت النتيجة أن شكر "سموّه" الجيش ترضيةً لكتشنر.

أما "عباس حلمى الثانى" خديو مصر الأخير الذى كتب مذكراته تحت عنوان "عهدى"، وترجمها إلى العربية دكتور جلال يحيى، فحكى عن مواقفه مع لورد كرومر فقال:

كان "لورد كرومر" رجلا متوسط الطول وله وجه يدل على الطاقة وله نظرة نافذة، وادّعى القريبون منه أنه كان يشغل وقت فراغه بترجمة "الأوديسا" عن اليونانية، وكاتبها هو هوميروس كما هو معروف، ورغم ذلك فلم يكن فى حديثه أى شِعر، وكان رجلا عمليا بكل معنى الكلمة، وكان خادما نشيطا لإنجلترا، ويُخضِع كل أفعاله لمصالح بريطانيا العظمى، وكانت مقابلتنا الأولى عاديّة، ونظرا لسنِّى الصغيرة، اعتبر أن من حقه أن يعطينى توجيهات ونصائح، وقَبِلتُها مع بعض الغضاضة، وكانت التلميحات المستمرة من جانب "لورد كرومر" تشير إلى دور الحماية البريطانية كلما تحدث عن والدى، وزادت عن الحد المقبول، والحقيقة أن "لورد كرومر" جعلنى أفهم أنه إذا ما أصررتُ على رفض الدور الصغير "كومبارس" الذى ترغب إنجلترا أن أقوم به، فإنه سوف يدفع الشعب المصرى للوقوف ضدى.

ويضيف الخديو عباس حلمى الثانى قوله عن كرومر:

ـ كان يقول إنه يرغب فى أن يساعدنى ويتعاون معى بإخلاص، ولكنه كان يضيف بلهجة ساخرة:

ـ إننى راضٍ عن نشاط صاحب السموّ وعن شبابه..

الأمر الذى كان يعنى أن قلة خبرتى تدفعنى لارتكاب بعض الأخطاء، والواقع أنه كان دائما يحاول أن يهيننى ويقلل من شأنى، وكان فى كل مرة يأتى فيها لرؤيتى، يحاول أن يحرجنى مدعيا أن الشعب كان يرغب فى الثورة ضد الأسرة الحاكمة، وأن الإنجليز كانوا قد حضروا من أجل حماية الأسرة الحاكمة وإعادة النظام وكان يقول لى:

ـ لا تنسَ أن الحركة العرابية موجودة دائما، وأننى إذا ما رفعتُ إصبعى الصغير، فإنها يمكنها أن تظهر من جديد وتطيح بالأسرة خارج البلاد.

 أزمة رئيس النظَّار

ورغم ما ذكره أحمد لطفى السيد عن محاولة "عباس حلمى الثانى" الاستقلال بالسلطة والدخول فى صدام مع السلطة الإنجليزية المدعومة بالجيش، تبقى مذكرات أحمد شفيق باشا رئيس ديوان الخديو عباس حلمى الثانى هى الأقوى وفيها تفاصيل واقعة رئيس النظّار، والنُّظار هم الوزراء ورئيس النظار هو رئيس الوزراء، وهى واقعة كان البطل فيها ـ لورد كرومر ـ لأنه كسر شوكة الخديو وحقق النصر السياسى لبريطانيا، ونقرأ حكاية مصطفى فهمى رئيس النظار الذى لم يستطع الخديو إقالته، لأن بريطانيا لم تكن راغبة فى أن يكون للخديو قرار مستقل..

يقول أحمد شفيق باشا فى مذكراته:

ـ كان الخديو عباس يعلم عن مصطفى فهمى باشا استسلامه للسياسة الإنجليزية، وكان يسوءه أن يكون رئيس نظّاره أداةً فى يد الإنجليز، فانتهز فرصة إصابته فى أواخر ديسمبر 1892 بمـــرض فى الرئتين، وتحدث مع ـ فخرى باشا ـ وتيجران باشا ومظلوم باشا ودمرتينو باشا، واستقر الرأى على تغيير النظارة الفهمية وترشيح تيجران باشا رئيسا للنظارة الجديدة، وأبلغ اللورد كرومر هذا الترشيح فلم يُقرّه، لأن تيجران مسيحى ويجب أن يكون رئيس النظار مسلما، فاستخلص الخديو من ذلك أنه يستطيع اختيار رئيس نظارةٍ من المسلمين حرا دون استشارة "العميد كرومر"، ورأى أنه يستطيع بذلك أن يسِن سُنّةً جديدة غير سُنّة والده الذى كان خضوعه للإنجليز لأنهم عاونوه فى توطيد عرشه، أما هو فلم يكن مدينا لهم بشىء، وعلى ذلك أرسل "الخديو" محمود شكرى باشا إلى مصطفى فهمى باشا ليطلب منه الاستقالة نظرا لاعتلال صحته، فأجابه بأنه الأوفق لسموّه أن يستشير "اللورد كرومر" قبل أن يقرر أمرا نهائيا، فردّ الخديو بأنه أرسل إليه فى 15 يناير كتابا بإقالته، وفيه أن جنابه يعطف على دولته وأن مراعاةً لحالته الصحية، اقتضت الإرادة السامية إراحته من أعباء النظارة.

وحسب ما روى "أحمد شفيق باشا" فى مذكراته، لم يستطع الخديو فرض إرادته على ـ كرومرـ ونشأت أزمة بينه وبين الإنجليز، وكان المخرج منها بعزل مصطفى فهمى الذى لا يرغب فيه الخديو، وعزل حسين فخرى الذى اختاره الخديو على غير رغبة كرومر، وتعيين مصطفى رياض باشا رئيسا للنظّار، وأن يقدم الخديو بلاغا رسميا ـ وضع صيغته كرومرـ يقول فيه إنه يرغب رغبةً شديدةً فى أن يوجه عنايته لإيجاد أصدق العلاقات الودية مع إنجلترا، وأن يسير بكل رضاء بموجب نصيحة الحكومة الإنجليزية فى كل المسائل المهمة فى المستقبل.

 جريمة فى دنشواى

فى قرية دنشواى بمديرية المنوفية أقيمت المشانق وتشكلت محكمة مخصوصة لعقاب الفلاحين الذين تصدّوا لضباط إنجليز كانوا يصطادون الحمام من أبراج يملكها الفلاحون وأحرقت رصاصات بنادق الإنجليز جرن قمح وأصابت امرأة، لكن اللورد كرومر ـ العسكرى الاستعمارى المجرم ـ أراد أن يكمل ما بدأه فى  "نزلة السمّان وقليوب وباب سدرة" وهو كسر نفوس المصريين وإشعارهم بأنهم الأدنى، فإذا كانت العقوبات التى أنزلت على الأهالى فى نزلة السمان وقليوب وباب سدرة تمت عبر لجنة إدارية أو محكمة عادية، إلا أن ـ دنشواى ـ شهدت تطبيق قانون "المحكمة المخصوصة"، وهى محكمة نص عليها القانون الذى فرضته بريطانيا على الحكومة المصرية، وهى محكمة تختص بمحاكمة المصريين الذين يعتدون أو يقاومون ضباط وجنود الجيش البريطانى، وحكمت المحكمة المخصوصة على فلاحى دنشواى بالإعدام والجلد والسجن، وغضب الشعب المصرى غضبةً كبرى، عبّر عنها الزعيم الوطنى "مصطفى كامل" بمقال كتبه فى صحيفة "الفيجارو" الفرنسية فضح فيه "كرومر" وكشف زيف مقولاته وعرّى وجهه الاستعمارى البغيض، وكان للمقال أثره على الرأى العام البريطانى والفرنسى والأوربى..

قال مصطفى كامل فى مقاله الذى نشرته "الفيجارو":

ـ  لقد أمضى كرومر سنوات كاملة يؤكد فيها أن الأمراء والشخصيات الكبيرة فى مصر هم الذين يكرهون الاحتلال لأنه قد جرّدهم من سلطاتهم، ولكن الفلاحين فى رأيه يحبون ويباركون النظام الحالى، إن الفلاحين فى ـ دنشواى ـ لم يهاجموا الضباط الإنجليز إلا لأنهم رأوا إحدى نسائهم جريحةً، ولذا فإن الحكم وتنفيذه يبدوان فى غاية البشاعة، وهذا جدير بأن يثير سخط العالم أجمع، وإذا كان الفلاحون قد استمعوا لمشاعر الحقد الدينى أو الوطنى فإن على "لورد كرومر" أن يعترف بأنهم يكرهون الاحتلال، وإن إدارة سيادته قد انتهت إلى فشل كبير.

وكما كتب "فتحى رضوان" فى كتابه المسمى "مصطفى كامل"، فإن مقال الزعيم الوطنى حقق نصرا معنويا:

ـ استطاع بأسلوبه ومثابرته ونشاطه أن يُظهر هذا العمل بصورة أفزعت الرأى العام العالمى وأربكت الرأى العام البريطانى، وأشعرت المصريين بأن زعيمهم "مصطفى كامل" وضع الاحتلال البريطانى فى قفص الاتهام.

وقررت بريطانيا سحب "كرومر" من مصر تحت ضغط الرأى العام الأوربى وقال "الرافعى" مؤرخ الحركة الوطنية:

ـ كان استعفاء "اللورد كرومر" انتصارا كبيرا للحركة الوطنية فى مصر منذ تعيينه فى سنة 1883، وظل يشغل هذا المركز أربعا وعشرين سنة، كان خلالها الحاكم المُطلَق لمصر، وكـان الاحتلال قبـل هذه الحادثة ـ حادثة دنشواى ـ مطمئنا إلى ثقة السواد الأعظم من المزارعين والأعيان فى عدله وإنصافه حتى أنه "كرومر" كان يعتز بأنه مُؤيَّد من أصحاب الجلابيب الزرقاء!

والجلباب الأزرق كان الفلاحون يلبسونه فى القرى والكفور والعِزب، وسقط "كرومر" وغادر مصر فى أول يوليو 1907 غير مأسوف عليه.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مصطفى

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد