«أدباء فى التسعين» ينفذون خطة «هنو» فــى الثقافة بالتصوير البطىء

لم يعقد مؤتمراً للرواية منذ 6 سنوات ويتجاهل الشعر منذ عقدين قرار حكومى يفضح أسباب ندرة أنشطة «المجلس الأعلى للثقافة» خلال 5 سنوات الوزير يرد بـ «رأس الحكمة» ويدفع بالخلط بين «هيئة المجلس» و«اللجان النوعية»

كنتُ من القليلين الذين لم يفاجئهم قرار رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، الصادر قبل نحو أسبوعين بإعلان تشكيل أعضاء المجلس الأعلى للثقافة، ”هيئة المجلس التى تضم 29 عضواً” من كبار السن والطاعنين، وتذكرتُ على الفور ما كان يتداوله أشقاؤنا من المثقفين السودانيين بسخرية ومرارة قبل عقدين، حول قصة تأسيس “المجلس الأعلى للدعاء والتضرع” فى مدينة الخرطوم خلال عقد التسعينات من القرن العشرين، وهو واحد من الخدع الثقافية “الهزلية” التى لا تنسى والتى كانت تتم كممارسة رسمية من الدولة فى السودان، إبان حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، الذى ادعى دائماً  “أسلمة الدولة”، وكان من ضمن ما فعل لتحقيق هذه الأسلمة هو توفير مبنى فاخر ليكون مقراً لـ “المجلس الأعلى للدعاء والتضرّع”، وهو جهة رسمية خدمية تديرها الدولة، تقوم بتقديم الدعاء للمواطنين لتحقيق أحلامهم وأمنياتهم وتطلعاتهم بالدعاء من قبل “شيوخ عواجيز” معتمدين من كبار السن والمشهود لهم بأنهم من “مستجابى الدعاء”.

لقد أثار قرار رئيس مجلس الوزراء بتشكيل المجلس الأعلى للثقافة، والذى ضم قامات مصرية شامخة ـ وصل بعضهم إلى سن التسعين ـ فى مجالات الأدب والفن والثقافة، (بينهم على سبيل المثال لا الحصر: الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى والموسيقار راجح داوود والسينمائى على بدرخان والروائى يوسف القعيد والسياسى مفيد شهاب والسياسى على الدين هلال والكاتب محمد سلماوى ووزيرة الثقافة السابقة نيفين الكيلاني) جدلاً واسعاً لم يتوقف إلى اليوم، بشأن تلك المعايير المذهلة فى لامعقوليتها، والتى تم على أساسها اختيار وتشكيل هذا المجلس الموقر، الأمر الذى دفع النائبة مى أسامة رشدى، عضو مجلس النواب، إلى تقديم سؤال برلمانى، إلى المستشار الدكتور حنفى جبالى، رئيس المجلس، موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الثقافة، بشأن معايير وآليات اختيار وتشكيل المجلس الأعلى للثقافة.

عن نفسى، وبسبب كثرة الصدمات ذكرتنى تشكيلة الوجوه القديمة فى قرار مدبولى بعواجيز ومشايخ “المجلس الأعلى للدعاء والتضرع” فى السودان الشقيق، وشعرت أن تشابهاً عميقاً ولا يمكن إنكاره بين عمل المجلسين، فهذا يدعو لابنك لكى ينجح فى الامتحان وهذا يواصل الدعاء لكى يشفيه الله ويستطيع أن يحضر اجتماع المجلس الأعلى للثقافة، وفى الحالتين ينحصر الجهد المبذول فى رفع الأيدى لأعلى والنظر باتجاه إله السماء والتمتمة بالدعوات أمام نافذة مفتوحة.

أول ما لاحظته هو أن عمل أدبائنا الكبار فى القائمة التى اختارها رئيس الوزراء لن يختلف كثيراً عن عمل هؤلاء الشيوخ المخصوصين للدعاء والتضرّع، فهم لن يقوموا بأى عمل سوى توفير تلك القدرة البطيئة وغير الفعالة على العمل، بمعنى اختيارهم فى هذه السن المتقدمة وبهذه الحالة الصحية المتدهورة ليس مسألة خطأ تكتيكى يمكن تداركه أو تعديله، بل هو اختيار استراتيجى من الوزارة يهدف إلى استخدام تقنية التصوير البطيء كنمط إنتاج وحيد لعمل المجلس الموقر، فتكون الأعمار المرتفعة جداً سبباً معقولاً جداً لبطء العمل حد الموات وانهيار الإيقاع.

لقد صُدم الرأى العام والسوشيال ميديا لأن غالبية أعضاء هذا التشكيل من أكبر الأدباء والفنانين والمثقفين والسياسيين فى مصر سناً ومقاماً، لكننى حقيقة لم أُصدم، لأننى أتابع الإيقاع البطيء لهذا المجلس منذ سنوات، وقد شاركت العام الماضى 2024 بصحبة عدد من الشعراء المصريين فى أحد أنشطة لجنة الشعر، لأول وآخر مرة، وأعرف أن إيقاع العمل هناك لا يمكن أن يكون طبيعياً، لأن الأنشطة ظلت فى حالة توقف بسبب وباء كورونا، وإن كانت مهمة اختيار الفائزين فى “جوائز الدولة” لا تزال عبئا كبيراً على إيقاع بطيء كهذا، فى ظل وجود هؤلاء المسنين على رأس العمل فى المجلس.

كان القرار سبباً فى تفجر ينابيع السخرية على مواقع التواصل الاجتماعى وجعل الناس تتذكر قصيدة الشاعر الكبير الراحل عبدالرحمن الأبنودى: “آن الأوان ترحلى يا دولة العواجيز”، التى كتبها عقب سقوط نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك منتقداً شيخيوخته وشيخوخة رجال دولته، التى أدت إلى تفجير ثورة  يناير 2011.

الرغبة والشغف

وما لم يصدمنى هو أن متابعة أنشطة المجلس لم تعط أية مؤشرات جديدة منذ اعتماد خطة تقشف قضت على البقية الباقية من الأنشطة قبل خمسة أعوام، على الرغم من أن الهيئة العامة لقصور الثقافة وهى هيئة تابعة للوزير نفسه لا تزال بميزانية محدودة قادرة على تقديم أنشطتها حتى اليوم، كما أن تقارير الدولة كلها تشير إلى ضرورة “تمكين الشباب” إلا أن وزير الثقافة لا يزال مصراً على انتقاء العناصر التى تجعل العمل مستحيلاً.

ففى حين أكد الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء العام المــاضى (2024) أن عدد الشباب فى الفئة العمرية (18 ـ 29 سنة) فى مصر بلغ نحو 21,1 مليون نسمة، بنسبة 19.9% من إجمالى السكان، وهى نسبة كبيرة جداً  قياساً إلى بلدان آخرى عجوزة التكوين، يبدو أن لجوء رئيس الوزراء إلى “أدباء وفنانى التسعين” فى تشكيل أعضاء مكتب المجلس الأعلى للثقافة يعنى أنـــه لم يقرأ تقارير الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، و«إن كان لم يقرأ فتلك مصيبة..»، لأنه يعنى أيضاً ـ فى المقابل ـ أننا أمام خطة محكمة الهدف منها الوصول إلى رتم التعجيز البطيء والملل المريع الذى يؤدى بالضرورة إلى شلل الأنشطة الثقافية المعلقة أصلاً ـ سبحان الله ـ فى المجلس الأعلى للثقافة، منذ سنوات، وهو التفسير الوحيد المقبول لما أصيب به المجلس من شلل فى السنوات الأخيرة، حيث لم يعقد مؤتمراً للرواية منذ 6 سنوات تقريباً ولا مؤتمراً للشعر منذ عشرين عاماً، بسبب هذه الروح الشائخة التى أصابت أنشطة المجلس بالسكتة القلبية، منذ انتشار “وباء كورونا” ولا أظن أنها عادت منذ العام 2020، بسبب قدرة السيد رئيس الوزراء على اختيار الطاعنين فى السن ووضعهم بحيث يكونون قادرين ـ بارك الله فيهم ـ على تعطيل تروس العمل وإبطال مفعول أى نشاط.

الذى لا شك فيه هو أن كبار أدبائنا ليسوا بحاجة الآن إلى مناصب يشغلونها أو مقاعد مسئولية يجلسون عليها، وأنهم ككل الطاعنين فى السن فى كل البلاد ليس لديهم القدرة ولا الشغف ولا الرغبة فى تذكر اللوائح أو التفكير فى تطبيقها، وهم فى عقدهم التاسع لا يمكنهم أن يحضروا اجتماعات شهرية أو أن يراجعوا قرارات صدرت أو أن يقرأوا أعمالاً إبداعية متقدمة لنيل جوائز الدولة، فهم ـ يا حول الله ـ فى سنوات شيخوختهم تلك بحاجة ماسة إلى قرارات علاج على نفقة الدولة، وقرارات رعاية طبية شاملة وعمليات جراحة وترميم، هم أحق الناس بها من دون منازع، نظراً إلى ما قدموه من آثار فنية عظيمة ـ لا ينكرها إلا جاحد ـ خلال العقود الخمسة الماضية، ونحن لا نريد لهم بسبب هذه المناصب الزائلة “البهدلة” وقلة القيمة، حيث تتجاوز أعمار غالبية أعضاء التشكيل الـ 80 عاماً، ومنهم من التحق بنادى التسعين بالفعل، مثل الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى، الذى لا تزال قدرته على الكلام باقية والحمد لله إلى اليوم، على الرغم من الضعف العام الذى أصاب الحواس الأخرى شفاه الله.

«رأس الحكمة» أم الزهايمر

الطريف أن الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة، تصدى بنفسه للدفاع عن القرار، كأنه لم يجد من يقوم عنه بهذا الدور، وظهر شخصياً للرد على انتقادات تشكيل أعضاء المجلس، عبر مداخلة هاتفية مع برنامج «يحدث فى مصر»، مع الإعلامى شريف عامر، وساق عدداً من المبررات التى لا تعطينا أية تصورات عن معايير الاختيار، كما لم يجب على الأسئلة بشأن مستقبل عمل لجنة بها هذا العدد من المسنين، وأوضح الوزير أن الهيكل التنظيمى للمجلس الأعلى للثقافة ينقسم إلى محورين رئيسيين لكل منهما دور محدد، مؤكدًا أن الجدل المثار حول تمثيل الشباب يرجع إلى عدم تفرقة البعض بين عمل “هيئة المجلس” التى تضم قامات وخبرات كبيرة، وعمل “اللجان النوعية” العامرة بالشباب على حد تعبيره، وأضاف: “هيئة المجلس الأعلى تضم كبار المثقفين لأنها تمثل “رأس الحكمة” فى المشهد الثقافى المصرى والعربى، ممن اكتملت تجربتهم وخبراتهم، وصاروا بمنأى عن أى طموح أو أهواء، لضمان أعلى درجات النزاهة”، مشيراً إلى الدور الأساسى لهذه الهيئة الموقرة تتمثل فى الاقتراع والتصويت على جوائز الدولة المرموقة، مثل جائزة النيل والتقديرية والتفوق.

 وحتى إن كنا تربينا على مقولة العرب الشهيرة “رأس الحكمة مخافة الله” فإننا لا نستطيع أن نفهم كيف تكون رأس الحكمة حكراً على هؤلاء الذين يتسمون بالعجز والشيخوخة بحيث لا تتوفر الحكمة بيننا إلا فى الأجساد الهزيلة، التى تحتاج إلى الكثير من الجهد لكى تنتقل للمشاركة فى اجتماع شهرى، وحتى إن استطاع بعضهم حضور الاجتماعات فإن التواصل بينهم ربما يكون أمراً مستحيلاً فى بعض الحالات نظراً إلى سوء حالة السمع والنظر عند الكثيرين منهم، ناهيك عن احتمالات إصابة “رأس الحكمة” بمرض “الزهايمر”.

ولكى أكون منصفاً، فقد تعاملتُ شخصياً مع قطاعات ثقافية فى عدة بلدان عربية وأوربية ولم أجد مثل هذه الأعمار المتقدمة أو الشيخوخة المتفشية فى أى منها على الإطلاق، على العكس مثلاً فى أمة متحضرة مثل فرنسا، ففى عام 2015 شاهدت بنفسى النشاط الثقافى لواحد من أهم مهرجانات الشعر فى العالم وهو “مهرجان سيت لشعراء البحر المتوسط” فى المدينة الفرنسية الساحلية الشهيرة، وكان المعرجان يعتمد فى نشاطه اليومى الذى يمتد لعشرة أيام فى أجواء صيفية جميلة، على عدد كبير من طلبة وطالبات كليات الآداب فى الجامعات الفرنسية، وفى أقسام الأدب بالذات كانوا هم فى الحقيقة بهجة المهرجان وضحكته الرائعة، حيث يكون نشاطهم فى المهرجان جزءاً من دراستهم، بأن تضاف درجات “أعمال السنة” إلى درجاتهم النهائية بناء على أدائهم فى المهرجان.

كما أننى شاهدتُ القائمين على العمل فى واحد من أشهر المهرجانات السنوية العربية، وهو “مهرجان القرين الثقافي” هذا العام 2025 فى الكويت، خلال شهر فبراير الماضى، وقد كان الفريق الذى يقوم على إعداد الندوات وتنظيم المحاور والنقاشات على مدار أسبوع هو فريق من الأدباء الشبان على رأسهم الشاعر محمد هشام المغربى، وكلهم لم يتجاوز الأربعين عاماً تحت قيادة عدد من المسئولين الأكبر سناً ـ ولاشك ـ فى المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الأمر الذى أخرج النشاط على أكمل نحو ممكن وفق طموح القائمين عليه.

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مؤتمر

المزيد من ثقافة

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...