بهجورى.. رسام «الحوارى» وعمدة شارع «معروف»

ولد ليكون رسامًا.. وتعلم «اللصوصية» من بيكاسو «20» عاش طفولة قاسية.. وأنقذه الرسم من التعاسة شقيقه أول من آمن بموهبته ونصحه: «ماترسمش ستات عريانة» لماذا وصفته نادية لطفى بـ«الواد المجنون»؟! وصلة هزار مع أستاذه بيكار غيرت مسار حياته

 

قبل أكثر من عشرين عاما قابلت "بهجورى" لأول مرة فى مرسمه بشارع "معروف" بقلب القاهرة "الشعبية"، ذهبت إليه حاملا توصية من صديقته الفنانة الكبيرة نادية لطفى، وكنت حينها بدأت فى تسجيل سيرة حياتها، واقترحت هى أن أسمع عنها أولا شهادات من الذين عرفوها عن قرب، وكان بينهم جورج بهجورى الذى وصفته بأنه "الواد المجنون"، هكذا بكل بساطة وتلقائية وجدية، وأعطتنى تليفونه لأذهب إليه وأسمع منه عن صديقته التى لا تقل عنه جنونا..

لما حدثته تليفونيا طالبا تحديد موعد معه، وبمجرد أن سمع اسمها هتف بصوت طفولى: بولا.. حبيبتى، وراح يسألنى عن أحوالها ويستفسر عن ظروفها، وانتهى الاستجواب الطيب بأن منحنى موعدا عاجلا فى الثالثة من عصر اليوم التالى، طالما أننى من طرف بولا..

حاولت أن أكتم دهشتى عندما قابلته، ومرت دقائق طويلة قبل أن أستوعب هيئته وملابسه التى بدت مدهشة وغريبة وعبثية..

(1)

يومها قضيت يوما كاملا مع بهجورى، جلسنا ساعات فى المرسم نتحدث، أو بالأدق يتحدث هو، ففى حضرة بهجورى من الصعب أن تجد فرصة للكلام، وعليك أن تقوم بدور المستمع، واحتفاء بالقادم من عند بولا قرر أن يعزمنى فى المقهى القريب من المرسم، ونحن نسير فى الشارع الشعبى كان الجميع يعرفونه ويحيونه، ويرد هو التحية ويعرف الناس بالاسم كشيخ حارة، ويسأل عن أولادهم وأحوالهم.. كصديق حميم.

حدثنى لدقائق عن علاقته "التاريخية" ببولا، وبهدوء أخرج من الشنطة القماشية - المتسقة لونا وشكلا مع ملابسه - أوراقه وأقلامه، وراح يرسم منظرا وقع عليه بصره.. وبنفس الهدوء التفت إليّ وقرر أن يرسمنى، وطلب أن أنظر بزاوية معينة، وتصورت أن المهمة ستستغرق وقتا فحاولت تأجيلها لوقت آخر، لكننى فوجئت أنه رسمنى خلال دقيقة، نظر لى نظرة فاحصة ثم جرت خطوطة سريعة مباغتة بالقلم الفلوماستر على الورقة البيضاء وقدم لى البورتريه بابتسامته الطفولية: تعرف الأخ ده؟!.. ثم عاد من جديد يستأنف حديثه عن صديقته التاريخية نادية لطفى..!

قابلت بهجورى بعدها مرات فى أثناء تجواله فى منطقة وسط البلد، تبادلنا السلام والأحاديث العابرة، التى تنتهى غالبا بتوصيل سلامه إلى بولا، لكن بقيت زيارتى الأولى له فى مرسمه حاضرة بتفاصيلها وألغازها، بالفعل خرجت من عنده يومها مُحملا بعشرات الأسئلة عن هذا "الواد المجنون" كما وصفته بولا..

الآن، وبعد هذا الفاصل الزمنى الطويل أستطيع أن أفهم وأستوعب ما التبس عليّ حينها، أوما تصورت أنها ألغاز، أو تصرفات بدت لى يومها غامضة.. فاختياره لمكان مرسمه فى قلب هذه المنطقة الشعبية من وسط القاهرة لم يكن عشوائيا ولا من قبيل الصدفة، بل هو أمر مقصود ومع سبق الإصرار والترصد..

فمنطقة "معروف" – حينها- كانت من المناطق النادرة التى ظلت محتفظة ببقايا قاهرة الخمسينيات، القاهرة بصورتها وتفاصيلها التى عشقها وظلت محفورة فى ذاكرته ووجدانه وتمثل له أجمل سنوات العمر والصبا والبراءة والأحلام وشغف البدايات.. ثم إنها عامرة بوجوه البسطاء من أبناء الشعب الطيبين الكادحين..

منذ بداياته كان بهجورى مسحورا بالحارة الشعبية وروحها وناسها، وعندما فكّر فى مشروع للتخرج فى كلية الفنون الجميلة عام 1955 حمل ريشته وأوراقه وخرج إلى الأحياء الشعبية التى تحيط بها يرسم أطفال الحارة بكل عفويتهم وعفرتتهم.. ثم جمع لوحاته عن أطفال الحارة ليكونوا أبطال أول معرض له فى أتيليه القاهرة.. "كنت أريد أن أرسم الحياة الحقيقية للشعبيين والبسطاء".. هكذا قال.

ومن جديد كانت الحارة الشعبية بكل تفاصيلها موضوعا لعشرين لوحة ضمها معرضه الرابع (1964)، وهو ما أثار انتباه النقاد فكتب فؤاد كامل مثلا:

"يجوب البهجورى الحوارى والأزقة العتيقة الضيقة المظلمة، ينقب الجدران القديمة وأبواب البيوت الخربة والشبابيك المخدوشة والمخلفات الملقاة وأكوام الحصى.. ليستخرج منها للوحاته – كما استخرج من قبله كامل التلمسانى ومنير كنعان وصمويل هنرى – الملامح الأولى للضائعين من ذوى الحظ العاثر والأجساد النحيلة.. وهكذا تخرج لوحات بهجورى صورة كاملة لعالم أولاد الحارة بما فيه من أحياء وجماد".  

إن بهجورى يعتبر نفسه رسام الحارة المصرية و"سارقها" مثلما كان نجيب محفوظ كاتبها ومبدعها و"سارقها"، ولا تنزعج عندما يفتخر بهجورى باللصوصية والسرقة، لأنك ستضحك من قلبك عندما تعرف تفسيره الخاص لهذه اللصوصية:

"أنا تعلمت اللصوصية من بيكاسو، فقد كان لصا عبقريا لن يتكرر بسهولة، ولصوصيته لا تعنى السرقة أوالاقتباس أو التقليد.. بل الذكاء والعبقرية فى توظيف ما تم إنتاجه برؤية جديدة ومختلفة.. أن تكون ذكيا وأنت تتلقى أعمال الآخرين والاستفادة من نجاحاتها وإخفاقاتها، على أن توظف ذلك بطريقة تخصك أنت وحدك.. وأذكر أن صديقى الروائى السورى خليل النعيمى كان أول من وصفنى باللص حين أهدانى روايته الأولى "الخلفاء"، وكان يقصد أننى سارق الحياة.. وبهذا المعنى الطيب يمكننى أن أقول إن نجيب محفوظ هو أشهر لص فى حياتنا الأدبية، فهو الذى سرق الحارة المصرية.. وعلى مدى سنوات ظل جالسا على مقاهى الحوارى المصرية يشرب الشيشة والشاى ويخزن ما يراه ويخرجه إبداعا عظيما".

لكن "اللص المبدع" جورج بهجورى لا يكتف فقط بالفرجة وهو يجلس على المقهى يشرب الشيشة والشاى، بل يخرج أوراقه وأقلامه فورا ليرسم المناظر والوجوه، ويحمل معه اسكتشاته إلى المرسم فى الصباح ليختار منها ما يصلح لأن يكون لوحة على الحامل..

الآن أدركت لماذا أعطانى موعدا فى الثالثة عصرا، مع أنه يصل إلى مرسمه فى ساعات الصباح الأولى، باختصار: لأنه لا يستقبل أحدا مهما كان، يغلق عليه باب المرسم، ويختلى بأفكاره ويحلق مع خيالاته ويتفرغ لإبداعه، ساعات يخصصها لفنه وحده، فإذا ما انتهى منها فإنه يبدأ فى استقبال الأصدقاء والزوار والعودة إلى الحياة.. وهو أحد كبار عشاقها.

الآن.. لنقترب من هذا الرسام الذى يحمل بداخله طفلا لا يكف عن اللعب والجنون والمرح (حتى ولو كان عمره بشهادة الميلاد يقول إنه تخطى التسعين).. الرسم عنده هو لعبته المفضلة التى لا يمل من ممارستها أبدا.. ولما سئل مرة عن هذا المشوار الطويل، قال بشقاوة طفل: لم أشعر أبدا أنه مشوار طويل.. بل أحس أننى بدأت من صباح الأمس فقط"..

لنقترب إذن بهدوء حتى لا نثير الطفل المشاغب!

(2)

لا تصدق بهجورى عندما يقول إنه ولد ليكون رساما، صحيح أن عينيه تفتحت على ذلك المنظر الخلاب هناك على نيل الأقصر؛ حيث يتعانق النهر والجبل ومعابد الفراعنة، فى لوحة ربانية بديعة قادرة على تفجير ملكات الإبداع، لكن الأمر لم يكن بتلك البساطة، إذ إن ظروف حياة الطفل جورج عبد المسيح بشاى شنودة البهجورى - المولود فى 13 ديسمبر عام 1932 بقرية "بهجورة" التابعة حينها لمحافظة قنا-  كانت صعبة وقاسية، ولا تبشر أبدا بميلاد رسام بتلك الموهبة الاستثنائية الفذة..

اسمع منه عن طفولته ونشأته واحكم بنفسك:

"والدى كان يعمل مدرسا، تزوج مرتين وأنجب 12 ولدا وبنتا، 4 من الأولى والباقين من الثانية، وأيام طفولتى كانت تعسة جدا، وأرغمتنى هذه التعاسة على أن أكون فى حالة تأمل دائم، رغم أننى كنت "رزل" ومنظرى كطفل يدعو إلى الضحك"..

التعاسة والمعاناة فى سنوات الطفولة كانتا كفيلتين بتدميره نفسيا، وأن يشب ويكبر محملا بهذا الميراث من المشقة، الكفيل بأن يهدم الأحلام ويبدد الطموح ولا يجعل من صاحبه شيئا مذكورا، ولكن الطفل جورج البهجورى قرر أن يتحدى ظروفه ومعاناته ويصنع منها إبداعا وأن يكون شيئا مذكورا، بل واحدا من أشهر الرسامين المصريين، وواحد من أفضل 15 رسام كاريكاتير على مستوى العالم باختيار الأمم المتحدة..

وجد طفل بهجورة فى الرسم الملجأ والملاذ من ظروفه الصعبة، وبين رسوماته وألوانه اكتشف عالما مسحورا، وسرعان ما أدرك أنه سبيله الوحيد للنجاة من المصير المؤلم الذى ينتظره..

بهجورى يحكى عن قصته مع الرسم:

"كنت أخلو بنفسى وأمارس الرسم الحر فى القرية، وحين صار هذا الأمر عادة دائمة انتبه إلى ذلك شخصان من الأسرة، أحدهما هو شقيقى "سمعان" الذى أعطانى حجرته التى ينام فيها كى أرسم بها، بل إنه كان يشجعنى على التفرغ للرسم بدلا من اللعب مع العيال، وكان مؤمنا بى وأننى يمكن أن أكون شيئا ما رغم بساطة تفكيره.. والثانى هو ابن عمتى الذى كان يجلس إلى جوارى ليقص عليّ النكت حتى أقوم بتحويلها إلى لوحات.. لكن شقيقى نهرنى ذات يوم وقال لى معاتبا: أنت بترسم الستات بصدر باين وده عيبك الوحيد"!

ويحكى بهجورى:

"تعلمت السخرية منذ الصغر، وأول شخص كان ضحية لسخريتى هو والدى وزوجته، وحين كبرت قليلا انتقل والدى من الأقصر إلى المنوفية ثم إلى القاهرة، فألحقنى بمدرسة "الإيمان" بشبرا.. وفى المدرسة رسمت الطلبة والمدرسين بالطباشير، وكان زملائى يضحكون كثيرا من رسوماتى، خصوصا حين أرسم مدرسا لا نحبه، كان الأمر يرضى غرورهم ويجر عليّ المشكلات، مثلما حدث عندما غضب منى مدرس الجبر والهندسة عندما رسمته بطريقة ساخرة..".

تعثر بهجورى فى سنوات دراسته الثانوية، وكان عليه أن يدخل الامتحان النهائى  3 مرات حتى حصل على الشهادة، ورغم ذلك ظلت أسرته على حلمها بأن يلتحق ابنها بكلية الطب كعادة الأسر الريفية حينها، لكن جورج خيب أملهم وقرر الالتحاق بكلية الفنون الجميلة..

لم يكن الأمر بهذه السهولة، بل خاض معركة ليقنع أسرته برغبته وينتزع موافقتها على دراسة الرسم على خلاف رغبتها، وكان من حسن حظه أن سانده شقيقه الأكبر "شفيق" وكان أستاذا لعلم النفس، تفهم رغبته وشغفه بالرسم ودعمه فى خوض اختبارات القبول بكلية الفنون الجميلة، وبالفعل اجتازها وكان ترتيبه رقم 16 من بين 60 مقبولا.. وهكذا تحقق حلم بهجورى وأصبح طالبا بكلية الفنون الجميلة.

(3)

وفى كلية الفنون واصل بهجورى شغبه وتمرده وجنونه، ومثلما فعل فى المدرسة حين انتقم لزملائه من أساتذتهم القساة برسمهم على السبورة فى أشكال ساخرة، فإنه فعل الشىء نفسه فى الكلية، ولكنه هذه المرة رسمهم على حوائط مرسمها.. ويحكى بهجورى بسعادة طفل مشاغب:

"لاحظت أن الأساتذة بالكلية يعاملون الطلبة بـ"عنطزة"، ووجدتها فرصة لأن أتقرب من زملائى الذين لا يعيروننى اهتماما، فأخذت فى رسم الأساتذة على حوائط مرسم الكلية بأشكال غريبة لكنها تحتوى على استخلاص نادر لكل شخصية أستاذ على حدة، وفى هذه المرحلة تحديدا اكتشفت فى نفسى أسلوبا جديدا لم أعهده من قبل.. وكان بيكار هو آخر أستاذ رسمته، واحتفظ زملائى بالرسمة حتى يقدموها له حين يأتى إلى الكلية، وظنوا أنه سيغضب منى لكنهم فوجئوا برد فعله، أعجبه رسمى وتصورى لشخصيته، وفوجئت به يطلب منى أن أمر عليه بمكتبه فى جريدة "الأخبار"، وحين ذهبت قدمنى إلى صديقه "صاروخان" قائلا: الولد ده عنده عين غريبة، ولم أفهم ما يقصده فى حين التقطه صاروخان، وطلب منى أن أعرض عليه شغلى، فلما رآه سلمنى إلى الشخص الذى غيّر مسار حياتى".

أما الشخص الذى غيّر مسار حياة بهجورى وأدخله إلى عالم الصحافة وهو لم يزل بعد طالبا بكلية الفنون الجميلة فهو عبد الغنى أبو العينين، الذى يصفه بهجورى بأنه الأب الروحى لجيله من الرسامين، ووقتها كلفه إحسان عبد القدوس بالإشراف الفنى على "روزاليوسف" والاستعانة بأسماء جديدة من الرسامين، بعد أن كادت الدار تفرغ من ملوك الريشة البارزين، وكان آخرهم "عبد السميع" الذى اتفق معه مصطفى أمين على الانتقال إلى أخبار اليوم..

وجد أبو العينين فى الطالب المشاغب ضالته، فاحتضنه ومنحه فرصة للرسم فى "روزاليوسف" وهو تلميذا لم يزل فى سنته الأولى بكلية الفنون الجميلة، وقدمه إلى صاحب المجلة ونجمها إحسان عبد القدوس، وطلب منه إحسان رسمة تصلح لغلاف المجلة السياسية العريقة، وعاد إليه بهجورى ومعه تلك الفكرة المجنونة: الرئيس الأمريكى أيزنهاور يحمل فوق راسه "بقجة" ويسير فى منطقة الشرق الأوسط يوزع سياسته الجديدة، فى إشارة إلى تخلى أمريكا عن سياسة الحياد وسعيها للسيطرة على الشرق الأوسط.. ونجح الغلاف، وبدأت رحلة بهجورى مع مهنة البحث عن المتاعب..

والمتـــاعب لـــم تكن مقصـــورة على بهجورى وحده، بل كادت أن تغلق أبواب المجلة مع أول رسمة كاريكاتورية تحمل توقيعه.. لنترك لبهجورى الفرصة ليحكى عن تلك "العملة" الجنونية:

"كانت أولى رسوماتى الكاريكاتيرية فى بداية ثورة يوليو لقائدها ورجلها القوى جمال عبد الناصر، وحينها كان من الصعب نشر رسم كاريكاتيرى لوجه عبد الناصر، وعندما حاولت لأول مرة فى حياتى وجدت أنفه قد استطال لياخذ المساحة البيضاء من أول الصفحة حتى آخرها، وكان كل من يراها يخشى عليّ من عواقبها، ولكن إحسان نشـــرها ولـــم يكن أقل منى جرأة، وفوجئ بها عبد الناصر ولم يعترض، بل أصبح أنفه الطويل المدبب بعدها هو العلامة المميزة فى بورتريهات الرسامين، ولا أعرف كيف واتتنى الجرأة وقتها على ما فعلت، ربما لاقتناعى بالمثل الفرنسى الذى يقول: يجب أن تعود زعيمك أن تكون حادا وإلا فسوف يقتلك لتراخيك".

يعترف بهجورى أن وجه عبد الناصر كان أكثر الوجوه التى استفزت ريشته، وكان أول من رسمه بأنف الصقر المدبب، وكان من حسن حظه أن الرقابة فهمته على أنه دليل القوة.. كذلك كان وجه الرئيس السادات أكثر استفزازا لريشته، فرسمه فى عشرات البورتريهات وجمعه فى كتاب نشره خارج مصر لاعتراض الرقابة..

لكن وجه صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة كاد أن يذهب به وراء الشمس!.. فقد طلب منه إحسان أن يرسم صورة لمجلس قيادة الثورة، ويوم صدور المجلة وجد سكرتيرة إحسان تقتحم عليه مكتبه وهى فى حالة ارتباك شديد: الأستاذ إحسان قالب عليك الدنيا وعايزك فورا، ولما دخل على إحسان كان يضع سماعة التليفون منهيا مكالمة تليفونية بدا أنها كانت عاصفة، وبمجرد أن لمحه إحسان ثار فى وجهه: أنت إزاى ترسم صلاح سالم بالشكل ده.. الراجل زعلان جدا إنك راسمه وهو شايل جردل.. بقى له ساعة بيكلمنى وهو فى منتهى الغضب وده زعله وحش!

وعدت الأزمة على خير، وواصل بهجورى جنونه وشغبه، وكان يتقاضى 20 جنيها شهريا، يذهب أول كل شهر ليتسلمها من السيدة فاطمة اليوسف صاحبة الدار ومديرتها، وحدث مرة أن ذهب ليقبض راتبه ففوجئ بمؤسسة الدار تسأله بجدية شديدة: عايز مرتبك تعمل به إيه؟، وكان قد بلغها أن الرسام الشاب "العازب" يبذر فى الإنفاق ويضيع مرتبه على كلام فارغ، ويومها كان بهجورى على موعد مع أخته وصديقاتها؛ حيث وعدهم بعزومة فى وسط البلد بمناسبة المرتب الجديد، لكنه فوجئ بسيارة تعترض طريقه ونزلت منها السيدة فاطمة اليوسف وهى توجه إليه فرمانا: ارجع على المجلة فورا!

ولما رجع ودخل عليها مكتبها أعطته "دُشا" باردا وهددته أن تمتنع عن دفع راتبه إن لم يتوقف عن الشقاوة!

(4)

ولم يتوقف بهجورى عن الشقاوة والشغب، بل انضم إليه فى المجلة عدد آخر من كبار المشاغبين فأصبح ناظر مدرسة المشاغبين!

وكان أول المشاغبين المنضمين إليه صلاح جاهين.. الغريب والمدهش أن صداقته التاريخية بجاهين بدأت بخناقة!.. فماذا حدث؟.. لنسمع الإجابة من بهجورى:

"فى يوم فوجئنا ونحن فى المجلة بزكريا الحجاوى يدخل علينا ومعه "واحد تخين"، وكانت المجلة وقتها تضم نجوما فى عالم الكتابة مثل أحمد بهاء الدين ولطفى الخولى وعبد الرحمن الشرقاوى، دخل الحجاوى فوجدنا ووجه حديثه إلى الجميع: عايزكم تسمعوا الشاب ده.. وقدمه لنا على أنه شاعر جديد موهوب واسمه صلاح جاهين، وأخرج صلاح ورقة من جيبه وأخذ يقرأ أشعاره، ولما فرغ منها وجدتنى متفاعلا معها فسحبت كرسيا وخلوت بنفسى ورسمت أشعاره، وفوجئت به إلى جوارى يتأمل ما رسمت ويقول لى بتلقائية: الرسماية الأولى عظيمة.. التانية أقل.. والتالتة أقل بكتير، واستفزنى أن يقيّم أعمالى وقلت له بحدة: أنا ما طلبتش رأيك!، ولكنه راح يحدثنى عن عشقه للرسم والأفكار الجديدة التى يبحث عنها، وأسرتنى رقته وتلقائيته وبقينا أصحاب".

وتوالى المشاغبون: بهجت، حجازى، الليثى، إيهاب..

كل ذلك وبهجورى ما زال طالبا فى كلية الفنون الجميلة لم يتخرج بعد، لمع اسمه وصار من الرسامين المعدودين وله تجاربه ورصيده وأسلوبه ومرتبه.. وفى صفحة الكاريكاتير الفنى وجد الجرأة لأن يهاجم عبد الحليم وشادية وفايزة ويسخر من صلعة المليجى!

من يومه لا يعرف بهجورى الخطوط الحمراء، يتعامل بروح طفل مشاغب لا يمكنك أن تضبط تصرفاته أو تتوقع رد فعله، ما يؤمن به يقوله ويرسمه ويكتبه مهما كانت العواقب.. ففى وقت كانت الأديبة السورية المعروفة غادة السمان ملء السمع والبصر، تنافس نجمات السينما فى الشهرة والأضواء، ويعدها النقاد ظاهرة أدبية متفردة، خرج بهجورى ليصدمنا برأيه فى صاحبة "أعلنت عليك الحب":

"سحرتنى غادة السمان من كلماتها، وأصبحت سنوات طويلة أعيش معها الحلم الجميل، كل وصف وكل جملة تجعلنى أرى قامتها تعلو وتصل إلى قمم الأشجار.. وكانت الصدمة كبيرة عندما التقيتها المرة الوحيدة فى حياتى فى بيروت، ولم أستطع الهروب من الواقع، كل شىء مر بسرعة وبالمصادفة، فهالنى شكلها الجميل ولكن الملىء بالأصباغ، فالشعر له لون، والبشرة والرموش لهما لون وكريم، وأحمر الشفاه لون.. ولما لم أستطع أن أعطيها ظهرى وأجرى، فلسنا فى استاد أو مونديال، استعملت طريقتى الخاصة التى أسميها اليوجا السيكولوجية البهجورية، فألوذ بالعيون على أنها مفتاح الروح أو النافذة إلى الأعماق، ولكنى وجدتها أيضا وقد انسدلت عليها ستارة.. إلا إننى سألت نفسى أو تساءلت: كيف وهى التى لا تضع أصباغا صناعية فى كلماتها؟!".

وتجاوز شغبه الحدود.. وقرر بهجورى أن يترك كل ما حققه فى مصر ليبدأ رحلة مع المجهول والجنون فى باريس.. وللحديث بقية.

Katen Doe

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص