«ابن مَمّاتى» هو البطل المصرى للحكايات حين أراد إيقاظ الرعية ضد ظلم الأتراك صلاح الدين دخل مصر عسكريًا مغمورًا وخرج منها قائدًا يخشى بأسه العالم
"قال: وأتوه بغلامٍ له راكبدار، وقد قتل، فقال: اشنقوه، ثم قالوا له: إنه حدادُك، وينعل لك الفرس، فإن شنقتَه انقطعَتْ منه.
قال: فنظر قراقوش قبالة بابه لرجل قفاص، فقال: ما لنا بهذا القفاص حاجة، فلما أتوه به قال: اشنقوا القفاص واتركوا الراكبدار الحداد الذى ينعل لنا الفرس"
من حكايات "الفاشوش فى حكم قراقوش".
يبدو أن تاريخنا لا يزال بكرا أمام البحث العلمى الجاد، لدرجة أنه كلما ازددنا فيه تأملا ودرسا وتمحيصا تكشفت لنا جوانبه المجهولة وخباياه التى لم نكن نعرف عنها شيئا من قبل، واستطعنا مع كل بحث علمى جاد أن نعيد النظر فى كل ما عرفناه عن أنفسنا، الأمر الذى يزيد من قدرتنا على فهم الحاضر، خصوصا إذا توافرت لقراءة هذا التاريخ عقليات ذات ثقافة علمية جادة، تعتمد على مناهج أكثر من فرع من فروع العلوم الإنسانية فقط لكى تجيب عن أسئلة حيّرتنا لسنوات طويلة.
من بين أهم القراءات الجديدة للتاريخ ما يقدمه الدكتور عمرو عبد العزيز منير ـ أستاذ التراث وتاريخ وحضارة العصور الوسطى وعضو هيئة التدريس فى جامعة جنوب الوادى فى كتاباته المختلفة، وبينها كتابه الجديد "الفاشوش فى حكم قراقوش بين التاريخ والفن والحكى الشعبي" ـ الصادر مؤخرا فى غلاف جميل للفنان عبد الرحمن الصواف عن "دار العين" ـ حيث استطاع أن يتتبع حكايات "الفاشوش" فى مؤلفاتها القديمة، لكى يربطها بأحداث الخلاف السياسى والعسكرى بين الدولتين الفاطمية والأيوبية، كما أحييه على شجاعته فى تناول مثالب وعيوب فترة حكم صلاح الدين الأيوبى، حيث يصف صلاح الدين بأنه: "القائد الذى دخل مصر عسكريا لا يسمع عنه أحد، لكنه خرج منها قائدا يخشى بأسه العالم".
الحق أن القيمة المضافة بين سطور هذا الكتاب تتمثل فى أنه اعتمد على قوة الحجة العلمية المستمدة من قوة وطزاجة المصادر التاريخية التى اعتمد عليها المؤلف، ليقول لنا معلومة جديدة ومهمّة عن فترة حكم الناصر صلاح الدين، يوسف بن أيوب، المثيرة للجدل، ذلك القائد "الأيقونى" المسلم من أصل كردى الذى أسس دولة وحدت مصر والشام والحجاز وتهامة واليمن تحت الراية العباسية، بعد أن قضى على الدولة الفاطمية التى استمرت 262 عاما، وكان قراقوش واحدا من أبرز رجال هذه الدولة الأيوبية الوليدة.
لقد قطع الباحث أشواطا من المراوحة بين التاريخ والحكاية الشعبية ليستخلص لنا استنتاجاته، من خلال مقارنة عدة كتب تناولت "حكايات قراقوش"، نائب صلاح الدين على الديار المصرية، منها المعاصر للحدث ومُفجره الأول وهو كتاب "الفاشوش فى حكم قراقوش" لـ "أسعد بن مَمّاتي"، ومنها ما صدر بعد قرون طويلة من رحيل أبطال الحكايات مثل كتابى السيوطى واللقانى، لقد قطع الباحثُ كل هذه الأشواط لكى يفسر لنا لماذا صمدت "حكايات قراقوش" فى وجه الزمن نحو عشرة قرون، تماما مثلما صمد المصريون ضد غزاتهم حتى يتخلصوا من "الوصاية الاستعمارية" ويتمكنوا من حكم أنفسهم بأنفسهم تجنبا لظلم الحكام الأجانب.
لقد استمرت حكاية قراقوش تعمل فى الوجدان المصرى لقرون طويلة دامت بدوام المستعمرين، لذلك كثيرا ما تم استدعاء نوادر وحكايات "قراقوش" ـ الحاكم التركى الظالم الذى خدم مصالح الدولة الأيوبية فى مصر ـ إلى الأذهان وإلى المجال الثقافى العام مع اشتداد المِحن ـ وما أكثرها ـ على هذا البلد، إلى أن جاء الدكتور عمرو عبد العزيز منير ليعيد تقديمها إلينا فى ثوبٍ جديد.
وتأكيدا على هذا الحضور الطاغى لشخصية قراقوش وحكاياته ينقل لنا الباحث ما كتبه الروائى المصرى عبدالمنعم شميس (1918 ـ 1991) فى كتابه "قهاوى الأدب والفن فى مصر"؛ حيث قال إن "حكايات قراقوش" ظلت تروى على ألسنة الناس فى القاهرة فى الجيل الذى انتسب إليه.. يقول شميس: "كان يرويها بعض أبناء البلد الظرفاء، كنا نسمعها منهم فى القهاوى البلدية، التى كنا نرتادها على حذر لنسمع شعراء الملاحم الشعبية المشهورة، وكانت لهؤلاء الشعراء شهرة ذائعة".
النسر الأسود
يستكمل الدكتور عمرو حكاية قراقوش وأثرها الممتد فى المكان والزمان، ثم ينقل عن شميس قصة جديدة عن ذلك النسر الأسود: "أما قره ـ قوش فمعناه النسر الأسود، لأن كلمة "قره" التركية معناها أسود و”قوش” معناها نسر، ويبدو أن السلطان صلاح الدين هو الذى أطلق عليه هذا اللقب، فقد كان شعار صلاح الدين الأيوبى هو النسر الذى أمر بنقشه على جدار باب القلعة، وعندما قامت ثورة 23 يوليو 1952م وغيّرت العلم المصرى الأخضر ذا الهلال والنجوم الثلاثة إلى علم الثورة مثلث الألوان أى الأسود والأبيض والأحمر، كان لابد من وضع شعار عليه، فقامت مصلحة الاستعلامات التى كان يعمل فيها شميس بتصوير نسر صلاح الدين المنقوش على جدار باب القلعة ونقلوه بخطوطه الفنية المرسومة كما هو وأصبح هو الشعار المرسوم على العلم الجديد”.
ولأن الظلمَ مفردةٌ مركزية فى التاريخين المصرى والعربى بكل أسف، فإن الحاجة إلى "الفاشوش" استمرت طوال العهد المملوكى والعثمانى ووصلت إلى مطلع القرن العشرين، بما يثبت لنا أن الشعب المصرى قادر دائما على الانتقام فنيا وأدبيا من ظالميه عبر الحكايات والأمثال والقصص والنوادر والمُلح والنكات، ومن خلال نشر حكايات ظلمهم والانتقام بالقصص من النموذج الشرير الذين يمثلونه، حيث كان "قراقوش" هو الذراع الظالمة لصلاح الدين الأيوبى فى مصر، وبالتالى انتقم منه المصريون بأن حولوه إلى "أراجوز".
ومنذ السطر الأول يبدو الدكتور عمرو عبد العزيز منير كأنه يعيد إضاءة البحث التاريخى مستندا إلى أضواء من الحكاية الشعبية، يقول فى عبارة بليغة:
|يُعد كتاب "الفاشوش فى حكم قراقوش" عملا فنيا أدبيا بالغ الأهمية، وموقفا سياسيا عظيم الدلالة، ولِد من رحم إبداعات التراث الشعبى المصرى فى العصر الأيوبى، وتربى فى حجر مصر المملوكية، وشبّ عن الطوق فى مصر العثمانية، ووصلنا عبر الأزمنة المتعاقبة فى ثوب كتاب "الطراز المنقوش فى حكم السلطان قراقوش" فأضحى وثيقة تاريخية مهمة، وما بين ابن مماتى ت 606 هـ وابن شاهين الظــاهرى ت 873 هـ والسيوطى ت 911 هـ وعبد السلام اللقانى ت 1078 هـ إلى يومنا الميمون هذا.. رسائل شفهية قادمة من عمق التاريخ"، كما أنه يعيد الاعتبار إلى شخصية ابن مماتى، المثقف الذى أنطقه الوجدان الشعبى المصرى "بما يدور فى خلده وضميره حين عز القول نحو حكامه".
البطل الحقيقى
يشير الباحث إلى أن أول بزوغ لكتاب الفاشوش يعود إلى النصف الأول من القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى، فى مرحلة يصفها بمرحلة مسحورة من تاريخ مصر مليئة بالثورة والثورة المضادة، مشددا على أن الرجل الذى يحكى عنه "الفاشوش" يظهر فى الأفق قادما من عمق الزمان، هو الأتابك قراقوش بن عبدالله الأسدى، أبوسعيد، بهاء الدين، وهو أمير رومى "خَصيَ"، نشأ فى خدمة السلطان صلاح الدين الأيوبى، وناب عنه فى الديار المصرية.
والحق أن وعى الباحث وجديته كانا سببا فى إعادة الاعتبار إلى القيمة السياسية والاجتماعية الكبرى لكتاب "الفاشوش"، ولقيمة مؤلفه الأول أسعد بن مَمّاتى، الذى اتهم من البعض بأنه كان حاقدا ناقما على الحكم الأيوبى، على الرغم من أنه كان حكما استعماريا توسعيا ظالما وفاسدا، يبنى القلاع الضخمة على مشارف المدن الفقيرة، بينما يتضور المصريون جوعا وتهاجمهم الأمراض والأوبئة والمجاعات من أجل بناء الجيوش، وبالتالى كان من الطبيعى أن يتخذ "ابن مَمّاتي" المثقف المصرى الوطنى موقف أهله وناسه، الذين يحاولون مقاومة ظلم المستعمرين.
الفاشوش إذن تحول بمرور الزمن إلى صوت للنقد السياسى عبر العصور، بينما ظل جزء كبير من رفض المصريين لدولة صلاح الدين يتجلى فى صفحات هذا الكتاب، وهو تعبيرٌ عن الصدمة بعد سقوط الفاطميين تحت خيول صلاح الدين الأيوبى القائد المسلم "السنى" الذى تسبب فى طرد الدولة الفاطمية التى كانت تعرف أحيانا بـ "الدولة المصرية"، نظرا إلى قوة الروابط التى شعر بها المصريون تجاه الحكم الفاطمى.
الحق أن الباحث شاء أن يضع فى صدارة الحكايات مؤلفها الأول أو راويها الأول باعتباره البطل الحقيقى القاضى أبوالمكارم "أسعد بن مماتى" وهو شخصية مصرية مرموقة فى عصر صلاح الدين، فقد كان ممثلا رئيسا لديوان الجيش وديوان المال فى ذلك الوقت، ويعتقد المؤلف أن هذا يجعلنا نقبل ما يذهب إليه "كزانوفا" حين يقول: إن ابن مماتى أراد فى الحقيقة أن يسخط الشعب على الدولة الأيوبية الجديدة، التى ورثت الحكم الفاطمى، ولذلك يمكن الظن أن كتاب الفاشوش هو ضربٌ من ضروب الدعاية السياسية والحروب الإعلامية بين الدولتين". لقد أنصف المؤلف "ابن مماتى" الذى كان من الطبيعى أن يغضب من أن صلاح الدين الأيوبى كان يثق فى عبده الخصى "قراقوش" ولا يثق فى مصرى مهما كان قدره.
يُشار إلــى أن الـــدكـتـور عـــمــرو عبد العزيز منير كاتب وأكاديمى مصرى متخصص فى العلاقة بين التاريخ والفلكلور، يحمل زمالة gerda henkel للتاريخ الفكرى بجامعة إرفورت بألمانيا، عضو لجنة التراث الثقافى والفنون الشعبية بالمجلس الأعلى للثقافة، ومن أبرز مؤلفاته: "كتاب طيف الخيال: تحقيق جديد لكتاب ابن دانيال الموصلى"، "حكايات شعبية قبطية من مصر العثمانية، سيرة القس نصير الإسكندرانى وابنه مرقص"، "تحقيق سيرة سيف بن ذى يزن" تحقيق سيرة البدرنار بن النهروان" 12 جزءا، "تحقيق سيرة الحاكم بأمر الله 20 جزءا، "تحقيق سيرة دلال وكمال حكاية شعبية عربية مصورة من القرن السابع عشر الميلادى"، "التحفة الزكية فى سياحتى مصر والأزبكية"، "أهل الحيل والألعاب السحرية".. كما حاز على عدة جوائز، منها جائزة الإبداع فرع التراث والدراسات التاريخية 2014، جائزة ابن بطوطة الدولية فى أدب الرحلات 2009، جائزة تحقيق التراث من وزارة الثقافة المصرية عن تحقيق كتاب "سيرة فتوح البهنسا الغراء" القاهرة 2012، جائزة تحقيق التراث الأولى من وزارة الثقافة عن تحقيق كتاب فتوح مصر المحروسة على يد سيدى عمرو بن العاص" القاهرة 2016.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...
بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...
قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...
خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...