الكتابة النسوية نادتنى حين أتى وقتها أكره القوالب الجامدة والتصنيفات المُجحِفة وتكرار نفسى عتبر نفسى كاتبة هاوية ولست محترفة.. وداخلى طفلة تحب اللعب
كاتبة لديها مشروع خاص، تلعب اللغة دور البطل فى كل رواياتها، لديها أفكار إنسانية وأهداف معرفية تسعى لإيصالها فى أعمالها، هى الكاتبة رضوى الأسود التى صدرت مؤخرا روايتها "أوجه عديدة للموت"، وهى تقول فى حوارها معنا: "إن وفاة الأقربين موت، وقهر الآباء موت، وعقوق الأبناء موت، والمدير الظالم المتعسف موت، وانهيار حياة كانت يومًا قائمة موت، وتنكُّر الأهل موت، وخيانة الأصدقاء موت، وخذلان الحبيب موت.. ولذلك نحن كلنا موتى!"
صدرت روايتك الأحدث "أوجه عديدة للموت" فى معرض الكتاب الماضى. ما أهم خطوطها الدرامية؟
هذه الرواية تعتبر لونا مختلفا تمامًا عن كل ما سبقها؛ فهى عبارة عن مونولوج طويل، وهى مكونة من خطين سرديين متوازيين؛ الأول، علاقة حب بين رجل وامرأة، والثانى، علاقة تلك المرأة بأبيها وأمها. وإن كنت قد أفردت مساحة أكبر للخط الأول. وعلاقة الخطين السرديين ببعضهما هو ما تجيب عنه الرواية.
اللغة فى "أوجه عديدة للموت" مميزة للغاية. كيف تتباين لغتك من عمل لآخر؟ وكيف تمكنت من خلق لغة خاصة بك؟
بداية، كل موضوع يفرض لغته. فعلى سبيل المثال، فى رواية "بالأمس كنت ميتًا" فرضَت لغة الحرب نفسها، كما انتقيت اللغة الملائمة لتلك الفترة الزمنية التى تمتد من نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تحديدًا فى الجزء التاريخى من الرواية. وفى رواية "خداع واحد ممكن"، والتى تتحدث عن المشاكل النفسية والعقلية لدى المبدعين والعباقرة، لجأت فى مواضع عدة منها، إلى لغة طبية، تتحدث عن الأمراض النفسية ومسبباتها وأعراضها والعقاقير الملائمة لتلك الأمراض. وفى رواية "يونيفيرس" استخدمت لغة البرمجة الإلكترونية لتلائم الموضوع الذى يتحدث عن الطفرة التكنولوجية الهائلة التى نعيشها. وفى رواية "أوجه عديدة للموت" استخدمت لغة بوح كاشفة، لكن المؤكد أن جميع رواياتى -رغم تنوعها واختلاف موضوعاتها- تحمل بشكل عام لغة رصينة، شاعرية، تغوص عميقًا فى الأبعاد النفسية لأبطالها. تلك اللغة التى تفضلت بوصفها، ربما تعود لأمهات الكتب التى تربيت عليها منذ طفولتى، والتى كانت تزخر بها مكتبة والدى فاضل الأسود. ربما أكون تأثرت بها، ثم ظهرت لاحقًا فى كتاباتى.
"أوجه عديدة للموت" مليئة بالشحن النفسى والمعرفى. حدثينا عن هذا الأمر.
الجزء المعرفى موجود بشكل أساسى فى كل رواياتى، حتى تلك المصنفة "اجتماعية" أو "لايت" مثل "ثلاثية حفل المئوية". صدقينى لا أعمد إلى ذلك، فهو يظهر بشكل تلقائى أثناء الكتابة، لأنه سمة تخصنى. منذ طفولتى، كنت أهوى طرح الأسئلة على الآخرين، بينما أكون بالطبع أعرف إجابة السؤال، وحين تأتينى الإجابة بـ"لا أعلم"، أقوم بالشرح فورًا. حينها أكون سعيدة، ليس لأننى "الأعلم"، ولكن لأننى مؤمنة تمامًا بتداول المعرفة، وبحق كل فرد فى أن يكون على دراية كافية بكل ما يدور حوله، وأن يمتلك الحد الأدنى من الثقافة. أما عن الشحن النفسى، فكما قلت سابقًا، أعشق الغوص فى تلافيف النفس البشرية، واكتشاف أغوارها السحيقة، والبحث عن الجِذر الأساسى للمشكلة الذى أدى للمرض أو للاضطراب النفسى.
على الروائى أن ينقل القارئ لقلب المشهد، لعمق الرواية ومغزاها الحقيقى، أن يُجلِسه مع الشخوص كى يشعر بهم ويراهم ككائنات حية من لحم ودم، وهذا لن يتأتى سوى بالصدق الروائى بالطبع. لذا كان ذلك الشحن الذى رأيتِه مستمرًا بطول الرواية. وكونك تأثرتِ إلى هذا الحد، فهذا معناه أننى نجحت.
هذه أول رواية "نِسوية" لكِ. هل تخشين هذا التصنيف؟
بداية، نحن فى حاجة ماسة لفهم المصطلح ذاته، لذا دعينا نشرحه قليلًا: شاع فى التداول النقدى العربيّ فى سبعينيات القرن الماضى مُصطلح "الكتابة النِسويَّة"، والتى يُطلَق على كاتبها (فيمينيست)، وهى الكتابة التى تتناول قضايا المرأة، سواء كان كاتبها رجلا أم امرأة، وهى تختلف عن مُصطلح "كتابة المرأة" أو "أدب المرأة"، الذى يشير إلى كل ما تكتبه المرأة، بغض النظر عن نوعية موضوعاتها، وهو يرتكز على التمييز الجنسى للكاتب، وهو مصطلح لا يصحُّ استخدامه عندما يتعلق الأمر بـ"الأدب"، أو "الإبداع"، أو "الكتابة"، والتى هى مشروع إنسانيّ بالدرجةِ الأولى، بغض النظر عن جنس كاتِبه، سواء كان رجلا أو امرأة. أعترف أننى قبلًا، كنت أكره هذا التصنيف، لا لشىء إلا لأن الرجال من الكُتَّاب والنقاد قد برمجوا أدمغة الكاتبات النساء -والقراء بالمثل- على أن هذا النوع الأدبى تافه وعديم القيمة، يملك رؤية أُحادية وقاصرة، ويلعب فى أفق ضيق يعتمد على اللطميات والمراثى النسائية، وإظهار المرأة مظلومة دائمًا، والرجل ظالم دائمًا. وظلت بالفعل تلك البرمجة فى عقلى اللاواعى، وقد يكون ذلك هو ما دفعنى بشكل غير متعمَّد إلى ابتعادى عن ممارسة ذلك النوع من الكتابة. حتى قررت فى يوم ما كسر تلك البرمجة، وكان ذلك بعد قراءات عديدة ومكثفة لذلك النوع، وكأنه شىء قدرى، وكأن تلك الكتابة نادتنى حين أتى وقتها. بجانب أننى كما يعرفنى قرائى، أهوى التجريب وخوض مغامرات الكتابة، فقد مارست كل أنواع الكتابة، عدا أدب الرعب، والكتابة الغرائبية.
أما الشىء الآخر، فهو أن الكتابة بحد ذاتها تعبير عن كل المقهورين والمهزومين فى هذا العالم، وبما أن المرأة فى مجتمعاتنا تعيش فى أنظمة أبوية رجعية، تمنح نفسها الحق فى قهرها، لا لشىء سوى لأنه تصادف أنها ولدت امرأة! فيجب على المرأة ألَّا تكف عن الكتابة عن قضاياها العادلة، وحقوقها المهضومة، والتى تهاونت قوانين الدولة فى توفير أبسطها. ورغم ذلك، فتصنيف هذه الرواية بأنها "نِسوية"، وبأنها محض قصة حب بين رجل وامرأة، يُعَد تصنيفًا سطحيًّا، بل وظالمًا. لأن الرواية رؤية فلسفية عميقة للعالم، ليس من منظور علاقة عاطفية بين اثنين، ولكن من منظور العلاقات بين الناس بشكل عام، وتحديدًا علاقات الأبوة والأمومة والبنوة، أيضًا هى محاولة لفهم ماهية الحب، وهل هو العيش لحصد حب الناس، أم هو قدرتنا على حب الآخر؟ وكيف أن الحرمان من الحب يؤدى إلى المرض النفسى، وكيف أن حب الذات وتقديرها (بعيدًا عن الأنانية) هو المدخل للصحة النفسية، وهو ما يؤدى بنا لحب الآخرين، وحب العالم من حولنا.
كما أن الرواية بها الكثير من الألعاب الفنية والسردية، فهى تلعب على مفهوم "السرد المستحيل"، بما أنه سرد يأتى على لسان امرأة شبه ميتة. ومن خلال ثنائية الموت والحياة، والروح والجسد، يتم طرح العديد من الأسئلة الوجودية، كذلك تعتمد الرواية الضمائر بديلًا عن أسماء الأبطال، وتحمل الكثير من الهوامش، بما أنها مسودة رواية لم تتم مراجعتها وتنقيحها.
وعطفًا على موضوع الكتابة "النِسوية"، فأظن أن حصول الروائية الفرنسية "آنى إرنو" على جائزة نوبل فى الآداب عام 2022، والتى لم يخرج أدبها عن الكتابة الذاتية، مُمَثَّلًا فى نوفيلات تشكل كل واحدة منها جانبا من جوانب حياتها، هو انتصار لذلك النوع من الكتابة، واعتراف به، بعد أن ظلت تلك الكاتبة التى تنتمى لدولة من دول العالم الأول، وعاصمتها هى عاصمة النور، متهمة بالكتابة السطحية، حتى من قِبَل زملائها من الكُتَّاب والنقاد الذكور.
تعتبر الرواية مونولوجًا طويلًا عبر صوت واحد منذ بدايتها وحتى نهايتها. لماذا اخترتِ هذا التكنيك السردى؟
مع كل رواية، يقع الكاتب فى حيرة شديدة؛ ماذا يقدم فى جديده؟ سواء على مستوى البناء، أو اللغة، أو الألعاب السردية، وقد ارتأيت أن ذلك النوع من "السرد المستحيل" -أى يستحيل أن يكون حقيقيًّا بحساب العقل، لأنه صادر عن شبه جثة- سيبدو وكأنه صرخة غائب، بَغَى عليه كل من أحبَّهم، بعد أن أمعنوا فى قتله وتشويه نفسيته، بدلًا من أن يمنحوه الحب الذى يستحقه. وبالفعل تظل البطلة بطول الرواية فى حالة سرد يتراوح بين استدعاء للذاكرة، ومحاكمات للأشخاص الذين أثَّروا على حياتها بشكل مباشر (الأم، الأب، الحبيب)، واعترافات، وبوح، لتهتدى فى النهاية لإجابات تخص شخصيتها، وتصل لفهم أعمق للعالم من حولها.
كل عمل لك يختلف عن الآخر اختلافًا تامًّا، سواء على مستوى الروايات، أو الكتب. أتحدث هنا تحديدًا عن الموضوع. ماذا تقصدين من وراء ذلك؟
أعتبر نفسى كاتبة هاوية ولست محترفة، وتسكن داخلى طفلة شقية تحب اللعب. أدخُل كل تجربة كتابة جديدة وفى نيتى اللعب بكل الأدوات المتاحة، وتجريب كل الأشياء، وقد ساعدنى فى ذلك كثيرًا قراءاتى الأدبية المتعددة، وكذلك قراءاتى النقدية. أعترف أننى أكره القوالب الجامدة والتصنيفات المُجحِفة، وتكرار نفسى. أنا مثل الممثل الذى يحب لعب كل الأدوار، يبتعد عن التنميط ويحرضه شغف عجيب على أن يقوم كل مرة بأداء مختلف، ذلك أننى فى الأساس أتحدى نفسى وأشاغبها، قبل حرصى على مفاجأة القارئ. أحيانًا أيضًا أفكر أننى بذلك ربما أشير بشكل ما إلى طاقاتى المتعددة، أو قد أرغب بترك بصمة مميَّزة تصل لجميع أنواع القراء، بعدم قبوعى فى مكان محدد، أو باجترارى لنفس التجربة أو نفس طريقة الكتابة.
حينما يُذكَر اسمك تذكر رواية "بالأمس كنت ميتًا". ما سبب هذا الاقتران الدائم، رغم تقديمك للعديد من الروايات والكتب؟
رواية "بالأمس كنت ميتًا" ظهرت إلى النور عام 2020، وكان ذلك بعد مرور عشرة أعوام كاملة على نشر أول رواية لى، وهى "حفل المئوية". وقد حقَّقَت "بالأمس كنت ميتًا" نجاحًا مذهلًا لم أتوقعه، وكانت فرصة حقيقية لتعريف القراء برضوى الأسود، كما أنها نوقشت فى رسائل دكتوراه تناولت صورة الأرمن فى الرواية العربية. لكن، يجب أن أوضح شيئًا هامًا، أن أولى رواياتى قد لاقت نجاحًا نقديًّا كبيرًا داخل وخارج مصر، أما على مستوى المقروئية، فقد حققت نجاحًا لا بأس به، وظلت تتردد على ألسنة من قرأوها لسنوات. أيضًا لا يجب إغفال عاملين مهمين جدًّا: سحر الرواية التاريخية، وما تتركه من أثر فى نفس وقلب القارئ، خاصة لو كانت عن حادثة أو تاريخ مجهول للكثيرين، وأثر السوشيال ميديا وظهور جروبات القراءة التى لم تكن موجودة عام 2010.
ما مشاريعك المقبلة؟
مشاريعى المستقبلية تتركز تحديدًا فى محاولة إعادة نشر الأعمال القديمة. وأنا بالفعل فى طريقى لذلك.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة