ماريو فارجاس يوسا.. رحيل هادئ بعـد روايات خالدة وحياة مثيرة للجدل

مواقفه السياسية ولكمته لماركيز نافسا أعماله فى الشهرة الكاتب الحائز على جائزة نوبل كان أحد رموز الأدب اللاتينى الثقافة العربية استقبلت رواياته المترجمة بكثير من الاحتفاء

عن 89 عاما، رحل، الاثنين الماضى، عن عالمنا الكاتب البيروفى ماريو فارجاس يوسا الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2010، وأحد أشهر أدباء أمريكا اللاتينية، ووضع هو وصديقه القديم جابريل جارثيا ماركيز الأدب اللاتينى فى صدارة المشهد الأدبى فى العالم. وتوفى يوسا في ليما، حيث كان يقيم منذ أشهر قليلة بعيدا عن الحياة العامة. بعد أن نالت أعماله إعجابا كبيرا حول العالم، وحظت بمبيعات هائلة، وحازت شهرة مدوية شرقا وغربا.

جاء فى رسالة وقعها أولاده (ألفارو، وجونزالو، ومورجانا)، ونشرها ألفارو على منصة التواصل الاجتماعى "إكس": "ببالغ الحزن والأسى نعلن أن والدنا ماريو فارجاس يوسا توفى بسلام فى ليما اليوم، محاطا بعائلته". وأضافت الرسالة: "إن رحيله سيحزن أقاربه وأصدقاءه والقراء فى جميع أنحاء العالم، لكننا نأمل أن يجدوا العزاء كما نجده نحن فى حقيقة أنه تمتع بحياة طويلة ومثمرة ومليئة بالمغامرات"، مشيرين إلى أنه ترك إرثا يتألف من مجموعة من الأعمال الأدبية ستظل باقية.

وكانت شائعات كثيرة سرت فى الأشهر الأخيرة حول تدهور الوضع الصحى لكاتب بيرو الشهير، وقال نجله ألفارو فى أكتوبر الماضي: "شارف على التسعين، وهو عمر ينبغى فيه التحفيف من نشاطاته" من دون أن يوضح وضع والده الصحى.

 مسيرة أدبية

ولد الأديب العالمى فى جنوب بيرو فى 28 مارس 1936 لعائلة من الطبقة المتوسطة، ونشأ على يد والدته وعائلتها فى بوليفيا، ثم فى بيرو. بعد دراسته فى الأكاديمية العسكرية فى ليما، حصل على شهادة فى الأدب واتخذ خطواته الأولى فى الصحافة. وانتقل فى 1959 إلى باريس، وفى العاصمة الفرنسية كتب أولى رواياته. وفى باريس أيضا، عمل مترجما ومعلما للغة الإسبانية وصحفيا فى وكالة الأنباء الفرنسية، تزوج من خوليا أوركيدي، التى كانت تكبره بعشر سنوات، وبعد سنوات قليلة انفصل عنها، وتزوج من قريبته باتريشيا يوسا، وأنجب منها ثلاثة أبناء وظل معها 50 عاما.

يوسا، الذى حصل على الجنسية الإسبانية فى 1993، وانتخب عضوا فى الأكاديمية الفرنسية عام 2021، ظل طوال حياته مثيرا للجدل، سواء عبر أعماله الاستثنائية، أو من خلال حياته الشخصية، وكذلك كانت مواقفه وآرائه السياسية موضع جدل حاد واختلافات بين مؤيدين ومعترضين، وقد واجه انتقادات من الدوائر الفكرية فى أمريكا الجنوبية بسبب مواقفه المحافظة. وقال الأديب الراحل قبيل تسلمه جائزة نوبل فى 2010: "نحن فى أمريكا اللاتينية حالمون بطبيعتنا، ونواجه صعوبة فى التمييز بين الواقع والخيال. ولهذا السبب لدينا موسيقيون وشعراء ورسامون وكتاب بارعون، وكثير من القادة السيئين".

تُرجمت روايات يوسا، إلى حوالى ثلاثين لغة، وكان أول كاتب أجنبى يدخل مجموعة "بلياد" المرموقة خلال حياته فى 2016، وهو العام الذى بلغ فيه الثمانين من عمره. وقدم قبل بضع سنوات أحدث أعماله "النظرة الهادئة (لبيريز غالدوس)"، وهى مقالة أدبية عن الكاتب الإسبانى بينيتو بيريس غالدوس (1843-1920).

 الوجه السياسى

كان للأديب العالمى الراحل حضور ونشاط سياسى ملحوظ، سواء عبر علاقاته الشخصية بقادة وزعماء سياسيين، أو عبر ممارسته هو للسياسة، التى وصلت به للترشح لرئاسة بلاده. وعلى مستوى رؤاه السياسية وعلاقاته بالسياسية، كانت علاقته الأشهر والمثيرة للجدل فى تحولاتها العنيفة، مع الزعيم الكوبى الشهير فيدل كاسترو، فقد اقترب منه يوسا جدا، إلى حد الصداقة، لكن سرعان ما ابتعد عنه وعن النظام الشيوعى هناك عام 1971، بعد حبس الشاعر الكوبى هيبرتو باديا، الذى كان بمثابة القشة التى كسر ظهر هذا الارتباط السياسى بين الروائى والثائر القديم.

لم يكتف الروائى الراحل بعلاقاته مع السياسيين، فقد نزل ميدان السياسة بنفسه، طامحا فى دور سياسى كبير فى بلاده، وخاض الانتخابات مرشحا لرئاسة بيرو فى 1990، وبدا لكثيرين أن فوزه مؤكد، لكنه خسر السباق الانتخابى أمام مهندس زراعى غير معروف وقتها، ألبرتو فوجيموري، الذى جرى انتخابه على نحو فاجأ الجميع. بعد ذلك، وإثر هذا السقوط الانتخابى، ابتعد الراحل عن المشهد السياسى فى بلاده، لكنه ظل صاحب رؤى ومواقف سياسية، وحافظ على متابعة الأخبار الدولية عن كثب، وكان يندد بالشعبوية باعتبارها "مرض الديمقراطية"، وهاجم سياسات هوجو تشافيز (رئيس فنزويلا الأسبق) وفيدل كاسترو (رئيس كوبا السابق) فى أمريكا اللاتينية واليمين المتطرف واليسار الراديكالى فى أوروبا.

 صداقة ثم قطيعة

ظل يوسا وماركيز (الحاصل على نوبل عام 1982) معروفين كصديقين مقربين، وظلت صداقتهما ممتدة لسنوات طويلة، لكنها انقطعت بشكل مفاجئ، وصلت إلى حد القطيعة، بعد نشوب عراك بينهما، وبادر يوسا بتوجيه لكمة شهيرة إلى وجه ماركيز، وسقط صاحب "مئة عام من العزلة" أرضا وهو ينزف على إثر هذه اللكمة، وانكسرت عدسة نظارته انكسرت على أرنبة أنفه. وبعدها، حاول كثيرون التكهن بالأسباب الحقيقية وراء هذه القطيعة الدرامية بين الصديقين التاريخيين، لكن يوسا تعهد بالتكتم إلى الأبد عن الأسباب التى أدت إلى خلافهما، ولكن تسربت أنباء وقتها أن امرأة كانت سبب هذا العراك الدامى بين الكاتبين الشهيرين. واستمرت القطيعية بينهما حتى رحيل ماركيز، الذى رفض كل الوساطات للصلح مع يوسا.

عقب انفصاله عن زوجته الثانية، تصدر الكاتب عناوين الصحف المتخصصة بالمشاهير فى 2015 بسبب علاقته بالمرأة الإسبانية من أصل فيلبينى إيزابيل بريسلر، الزوجة السابقة للمغنى خوليو إيغليسياس. وأعلنا انفصالهما فى نهاية 2022.

 بداية أدبية

كتب يوسا روايته الأولى «المدينة والكلاب»، سنة 1963، وعمره 26 عاما، ثم حقق نجاحاً كبيراً بعد نشره «البيت الأخضر» سنة 1966، ورسّخ حضوره فى الساحة الأدبية مع «حوار فى الكاتدرائية» عام 1969. وتوالت بعدها نجاحاته الأدبية مع «بانتاليون والزوار»، و«حرب نهاية العالم»، و«السمكة فى الماء»، وهى مذكرات تستعيد حملته الانتخابية للانتخابات الرئاسية البيروفية عام 1990. وأعلن حينها عن نيته مواصلة الكتابة حتى أيامه الأخيرة.

تأثرت العديد من أعمال يوسا بوجهة نظره حول المجتمع البيروفى وتجاربه الشخصية بوصفه مواطنًا بيروفيًا. غير أنه وسّع مداه بشكل متصاعد، وعالج موضوعات وأفكار مستوحاة من مناطق أخرى من العالم. وشهدت مسيرته تحولًا فى الانتقال من أسلوبٍ ومنهج مرتبط بالحداثة الأدبية إلى أسلوب ما بعد حداثة عابث أحيانًا.

وعلى مدار مسيرته الأدبية التى امتدت لستة عقود، تناول يوسا مجموعة متنوعة من الأنواع الأدبية، فكتب روايات تاريخية آسرة، وكوميديا شبه سيرة ذاتية، وروايات جريمة قتل غامضة، ومقالات ومسرحيات سياسية. واشتهر بنسج حبكات قصصية جذابة، وقال إنه وقع فى غرام رواية القصص منذ صغره، وكان يكتب كل صباح تقريبًا، حتى وهو فى الثمانينيات من عمره عندما كان يعيش فى إسبانيا.

 حضور عربى

عرف الأدب العربى أعمال يوسا، ونالت إعجاب كثير من المثقفين والروائيين العرب، حتى صارت أعماله بمثابة ولع خاص لدى قطاعات كبيرة من الأدباء العرب، الذين تأثر بعضهم بأعماله، وكانت أشهر هذه الأعمال التى عرفها القارئ العربى عبر الترجمة روايات "حفلة التيس"، و"فى مديح الخالة" و"شيطنات الطفلة الخبيثة"، وغيرها من الأعمال الروائية، كما نال كتابه "رسائل إلى روائى شاب" مكانة خاصة لدى الأدباء الشبان، الذين اتكأوا فى مشوارهم الإبداعى على ما قدمه لها الروائى العالمى الشهير من نصائح ورؤى، واستفادوا منها.

كانت مواقفه السياسية من القضية الفلسطينية مثار انتقاد كبير لدى المثقفين العرب، فقد كان يصف نفسه أحيانا بأنه صديق لإسرائيل، لكنه رغم ذهب فى رحلات ليتعرف على واقع الحياة الفلسطينية، مما جعل رأيه يتغير من القضية. وفى منتصف عام 2016، كتب مقالا لصحيفة إلباييس الإسبانية ، وانتقد فيه ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلى التى قال إنها "تثير الذعر والاستقرار النفسى للأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاما لتمنع الإرهاب"، وأضاف أن هذه الطريقة تختلف عندما يتعلق الأمر بالبالغين والمشتبه بهم، إذ تشمل "القتل الانتقائى والتعذيب وعقوبات السجن الطويلة والهدم ومصادرة الممتلكات". وأبدى تعاطفه مع شبان فلسطينيين حضر بنفسه جلسة لمحاكمتهم، وقال "كان الصباح الذى قضيته معهم فى القدس من أكثر ساعات حياتى تنورا".

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - كده وكده

بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...

مثقفون فى الحج.. رحلة كبار الأدبــــاء إلى الأراضى المقدسة

تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...

السلطان عبد الحميد الثانى.. خَـــذل المصريين بفرمان عصيان عرابى

شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...

شهادات تذاع لأول مرة «15» جلسة نفسية لتحليل الشيخ وأيامه من شاهد على العصر

إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...