صراع الحضارات على طقوس رمضان

امتد من الفانوس المصرى وأطباق الطعام الوطنية إلى الأساطير الأمازيجية قصة إعادة تشكيل النظام العالمى الجديد

كتب الكاتب وسيم سليمان فى مقدمة عن الإرث الثقافي- يقول:  إن الشعوب تتميز منذ الأزل بعاداتها وتقاليدها التى تختلف عن بعضها البعض، وتعتبر تبعا لأنواعها وأشكالها خزانا ثقافيا قد بنى عبر التاريخ، مما أكسب كلا منها خصوصيته وجماله الخاص، مكونا هذا الخليط الواسع تحت مسمى الحضارة، وعكس هذا التماذج والتجانس بينها رغم وجود الاختلاف.

لنبدأ من رقعة الألوان التى لم تعد مقتصرة على السبع، بعد أن اتسعت مع الزمن فزاد عددها وتعدادها وامتد ليكون العجائب والغرائب الثقافية حين لامست هذه الألوان أقمشة الأثواب وألوان الطعام التى توارثتها الأجيال، لتدخل بعد ذلك كإرث ثقافى غير مادى يحتفظ للبلدان والشعوب بطبيعتها الخاصة، ويتماهى مع غيرها من نفس الصنف فى بلدان أخرى ولو تحت مسمى مختلف.

 صدام الحضارات

ويبدو أن البروفيسور صامويل هنتجتون كان محقا عندما رد عام ١٩٩٣ على أطروحة تلميذه عالم الاقتصاد الفرنسى فوكاياما التى حملت "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، وقد دحض فيها الأستاذ فكرة تلميذه عن استقرار الحضارة عند واحدة شكلتها الديمقراطية الليبرالية، فطبعتها على أنظمة الشعوب، مما طبع العالم كله بطابع واحد انصهر تحت هذه الحضارة الحديثة، وقد أكد هنتجتون فى مقاله "صراع الحضارات" وبعدها فى كتابه "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي" أن هذا الصراع الحضارى سيختلف مع الزمن وسيأخذ أشكالا ومنحنيات مختلفة، وهو ما أكده واقع ما حدث بالفعل، إلى أن وصل الأمر إلى صراع حتى على أطباق الطعام وتشويه هويتها بما جعل الإرث القومى للشعوب فى مهب رياح.

 أطباق وطنية تحولت إلى بطاقة هوية

فى بداية القرن السابع عشر الميلادى بجزر الكاريبى كان يتم تعميد العبيد الأفارقة قبل ترحيلهم مكبلين بالأصفاد من أفريقيا إلى البلدان الجديدة، وقد ظل هذا الأمر الملكى الذى تبناه الملك فيليب الثالث ملك إسبانيا حتى أصبح تقليدا حرص عليه عدد من الملوك من بعده؛ وفى الحقيقة كان هذا التقليد ما هو إلا محاولة لطمس هوية هؤلاء العبيد ضمانا لولائهم لعالمهم الجديد، لكن هؤلاء الضعفاء المغلوبين على أمرهم لم يقفوا مكتوفى الأيدى تماما، وقد وجدوا أن لا حل لديهم للمقاومة من أجل الحفاظ على مكانتهم الاجتماعية المتدنية سوى ما كانوا يقدمونه لأسيادهم من أطباق طعام احتفظت بطابعها الأفريقى، فكانت تلك الأطباق والأطعمة بذلك وسيلة للصمود والتحدى وإشارة للأصول المتجذرة التى لا يمكن تكميمها وإرغامها على الرحيل من أرضها، الأمر الذى عجز عن صده شهية الأسياد، وهكذا أصبحت وجبة طعام ساخنة للسيد ضمانا للبقاء والوجود ودليلا خفيا للمقاومة السرية وعاملا فى نفس الوقت يحفظ حضارة بشرية من الضياع، وكأن الأكل قد بات أشبه ببطاقة هوية لا يمكن لأحد سلبها أو محوها.

ولعل هذا النموذج الإنسانى أدى إلى تأكيد الإنسان لذاته بالحفاظ على هويته تحت أصعب الظروف، ولعل التمسك بالدين والثقافة الأم هنا قد تماذج مع الطعام، فأمست مجرد سلسلة غذائية وصفة لعدم السقوط أو الاندثار.

وتحت هذا التعقب التاريخى لأصل سرقة الهوية وعلاقته بالصراع الثقافى، فأغلب الظن أن نظرية هنتجتون سابقة الذكر لم تأخذ وقتا طويلا لإثبات صحتها؛ فخلال سنوات قليلة من كتابة مقاله حول صراع الحضارات انتشرت بعض المطاعم حول العالم التى تقدم مثلا وجبات عربية شهيرة، لكن تم نسب هويتها بشكل سافر لغير العرب لتبدو تلك الأطباق وكأنها متنازع على أصلها الحضارى بل وزاد الترويج لشراء هذه النوعية من الطعام على أنها لا تخص بلدانا بالتحديد ليكشف هذا الأمر الذى يبدو بسيطا وسهلا عن نوع جديد من الصراع الثقافى، وهو الذى قصده هنتجتون من الحديث.

فعلى سبيل المثال لا الحصر سلطت الكاتبة الفلسطينية ريم قسيس فى مقال لها بصحيفة أمريكية أن بعض الأطباق الفلسطينية المعروفة مثل الحمص والفريكة والكبة قد أخذها العدو الصهيونى فنسبها فى فجاجة إلى نفسه، وقد روج لهذا عبر طرحها فى الأسواق -وتحديدا الامريكية- من خلال المتاجر التجارية الضخمة التابعة له، وهى منتشرة أيضا حول العالم على أنها وجبات إسرائيلية الهوية، رغم أن هذه الوجبات شائعة فى بلاد الشرق الأوسط وهى لا تصنف فقط كقائمة للطعام، بل تشرح ألوانا من طبائع وعادات طوائف ممتزجة فى تلك البقاع عاشت فى تلك المنطقة منذ آلاف السنين.

وتدقيقا للمرجعية أوردت الكاتبة ما يؤكد حقيقة الأصل العربى لتلك الأطباق من خلال البحث عن الأصل اللغوى لها، ما يعطى مؤشرا هاما وصادقا عن هويتها الأصلية، فأشارت فى مقالها المطول إلى كتابين أحدهما "الطبيخ ومعجم المآكل الدمشقية" لمحمد البغدادى وكتاب "الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيب الأطعمة المصنوعة"، وهما كتابان هامان كمصدر يوضح الأصل العربى لكثير من الأطعمة، وقد استخرج هذا الكتاب من كتب أبو مظفر الوراق الذى عاصر الخلافة العباسية وكتب كتاب "الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللب والمذاق"، ومن الكتب الثلاثة نكتشف مثلا أن الحمص قد طهاه العرب كوصفة طبية، ومأخوذ اسمه فى المعاجم العربية القديمة من حمص بفتح الحاء وكسر الميم وفتح الصاد، وهو نبات زراعى عرفته الأراضى العربية.

أما الفول فأصله كما هو معروف مصرى، وقد أخذ مع الحمص إلى حيث مناضد كبار القوم فى إسبانيا على سبيل المفاخرة بطعام مستورد من الشرق، وهو ما يؤكده الكتاب الأندلسى "بهجة المائدة فى ملذات الطعام"، وفى هذا الكتاب المصنف دوليا وصف شديد الدقة كشاهد على العديد من الأطباق العربية التى عرفها غير العرب من خلال الحروب والفتوحات والسفر والترحال وحركات الاستكشاف والعمل التجارى والتبادل الاقتصادى، ومن خلال الطهاة العرب أنفسهم وطريقة صنعهم للطعام المميزة، مما يفسد زعم الأعداء بغير ذلك .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ذلك الترويج السافر للأغذية العربية على أنها أغذية لا تنتسب للعرب كان على يد كبار الطهاة الأجانب على المنصات الإلكترونية المختلفة وعبر السوشيال ميديا حين قدموا معلومات مغلوطة عمدا لا تخص الطعام والأطباق بقدر ما تمس ثقافة شعوب وحضارة أمم من المضيق للخليج لها إرثها القومى ذو المذاق الخاص.

 صراع حضارى على الفانوس الرمضانى

ومما لا شك فيه أن عادة شراء الفانوس الرمضانى مشهد يتكرر بالبلاد العربية قبل شهر الصوم، وهى عادة رمضانية عرفها المصريون فى العصر الفاطمى ومنها امتدت لكل البلدان العربية .. ذلك بعد أن حمل الفانوس بيد الأطفال من جيل إلى جيل ومن بلد إلى بلد وهم يغنون لحلول الشهر الكريم.. غير أن تلك العادة لم تسلم هى الأخرى من الصراع الحضارى فى محاولة لاختطافها عزز منها إقبال الأطفال العرب أنفسهم على التكنولوجيا والألعاب الحديثة، نافضين ورافضين أغلب ما هو قديم وتقليدى تعود عليه آباؤهم وأجدادهم.

وكما هو معروف أن الفانوس قد مر فى صناعته على مختلف الخامات، أقدمها ما صنع فيه من النحاس والبلور وأضيء بالزيوت النباتية قبل الشموع وقد أمسك به الجميع قبل دخول الكهرباء؛ حيث كان وسيلة الإنارة الوحيدة فى البيوت البسيطة وفى الأزقة والحارات، وكان العسس الليلى يمسكونه لرؤية الطرق والممتلكات وحمايتها.

ولعل من عجائب الأيام أن هذا الفانوس ذا البلور الملون والمصنوع من النحاس والذى كان يضاء بالشموع المتراقصة بداخله والتى تعكس جمال ألوان زجاجه قد تحول إلى بلاستيكى يعمل بالكهرباء والبطاريات يغنى بنفسه من خلال أسطوانات ممغنطة عبر زر يضغط عليه غير منتظر لغناء الأطفال الذين يحملونه بعد أن أصبحوا مستمعين فقط.

ولا شك أن ظاهرة التحول تلك التى تقاسمت حصة القديم لصالح الجديد قد ظهرت نتيجة التنافسية بعد أن دخلت الصين على خط إنتاج كل شىء، وكان منه الفانوس الرمضاني؛ حيث عاد حديث لكن بلا طعم؛ ولم يقف الأمر عند هذا، بل أصبح الفانوس وكل من يحمله كل عام ينتظر هذا الصينى الهوى وصيحاته التى باتت تحمل أسماء لتشير إلى فحوى هذا التنافس أو الصراع الحضارى الثقافى دون أن يلفت ذلك الانتباه ولا أن يتحول الأمر لنقاش وجدال كأن لا مشكلة من الأساس يجب الالتفات إليها.

وبالطبع لم يصل الأمر بقصة الفانوس الرمضانى فى الأذهان إلى التفكير فى خطورة هذا التحول الذى حدث له على الموروث الثقافى بوجه عام وبخاصة لدى الأجيال القادمة، ولعل هنا يؤكد د. مصطفى عيسى الباحث الاجتماعى أن الفانوس الرمضانى فى ثوبه الجديد أصبح مع الأيام -ورغم صيحاته المختلفة- مملا، مما قد يشير إلى فكرة العودة إلى الماضى، وأن هذا سيحدث بشكل وارد جدا وبخاصة أن الماضى يحكى حكايات لذكريات وروايات التاريخ، منها على سبيل المثال أن الفانوس كان شاهدا على بداية خروج النساء مع أطفالهن ليلا فى شهر رمضان للتزاور والعودة فى وقت متأخر نسبيا يتقدم الجميع تابع كان يحمل هذا الفانوس الكبير ليضىء للعائدين الطريق.

 أسطورة أمازيجية

يعتقد الكثيرون أن موضوع الإفطار العلنى نهار شهر رمضان وحتى فى السر وليد اليوم نتيجة الصراعات الأيدلوجية بين المعسكر الدينى المحافظ والحلف الحداثى العلمانى بالإضافة إلى تصاعد النبرة الحقوقية الحديثة التى تقول بحرية الفرد التامة ما إذا كان سينوى الصيام أم سيفطر، سواء كان ذلك سرا أم جهرا لكن على ما يبدو أن الحقيقة كانت عكس هذا، فبالتوغل فى عمق الثقافات وبالخصوص الضاربة فى التاريخ، منها مثلا الثقافة الأمازيجية نكتشف أن إشكالية إفطار الشخص فى نهار رمضان قديمة لدرجة أوصلتها أن تصبح أسطورة تحكى وتروى.

ولعل من خلال النسيج الشعبى تولد فى العادة الأساطير، وهو ما ينطبق هنا على أسطورة طيط صضيص الأمازيجية، والتى انتشرت فى قبائل المغرب العربى وتحكى عن النجمات الست اللاتى يظهرن بالليل وهن فى الأصل عبارة عن ست أخوات عذراوات استقر رأيهن يوما فى نهار رمضان على الإفطار بالسر وكى يسترن جريمتهن العقائدية دخلن إحدى الغرف وغلقن الباب والنوافذ حتى ساد الظلام الغرفة معتقدات فى فعل ذلك عدم إمكانية أحد مراقبة تصرفهن بالإفطار؛ والأسطورة تكمل أن من أجل تجرأهن على هذا الإفطار بنهار رمضان وانتقاما من فعلتهن السيئة مسخهن الله إلى ست نجمات حتى يصبحن عبرة لكل من تسول له نفسه أن يفعل مثلهن.

وهنا قد يدرك أن مثل هذه الحكايات أو الأساطير كانت تروى للصغار لحثهم على الصيام والتمسك به، ولأن الصوم كان قد عرف قبل نزول الوحى بالديانات، فإن تاريخ هذه الأسطورة الأمازيجية يرجع إلى عصر ما قبل الإسلام، ورغم ذلك ظلت متداولة إلى بعد ظهوره، فهى المرتبطة فى الأذهان بما يؤمن به جميع المؤمنين حتى من هو بديانة أخرى غير الإسلام.

ويبدو أن هذه الأسطورة قد امتدت إلى أذن العرب، فقابلت فى العربية ما يسمى "الثريا"، وهى عبارة عن عنقود نجمى سمى بذلك نسبة إلى رقم ٦ وهو نفس عدد النجمات أو الشقيقات فى الأسطورة، والغريب أن الفلكى الفرنسى شارل سمييه سمى هو الآخر فى فهرسه الفلكى الشهير تلك النجمات الأصل فى السماء بالشقيقات الست.

وكالعادة نشبت حرب الحضارات أو صراعها؛ فكان كل من الإغريق والصينيين والأتراك والهنود والعرب بل وسكان الأمريكتين القدامى يتنازعون فيما بينهم على نسبة أصل هذه الأسطورة إلى واحد منهم فقط، فى إشارة إلى أن التاريخ الثقافى تحديدا تاريخ متنازع عليه دائما وبخاصة على الشهير المعروف منه وأن تلك الحرب الحضارية لا هوادة ولا هدنة فيها، فهى بمثابة قوة ناعمة ترسم حجم التأثير فى الآخر، ولذا فهناك دوما شىء قيم وهناك دائما من يحاول أن يسرقه.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - العتب ع المطر

لا تبحث في الصورتين عن الرؤوس أو الوجوه، فقد اختفت في "الجواكت" في ظروف غامضة!

«السماء الثامنة ».. أول رواية مصرية عن مأساة غزة

سلماوى يسجل تاريخ القضية فى قصة حب عاصفة قصة غرام «إيمان» و «عمر» تبدأ بمظاهرة لنصرة غزة 2006 وتنتهى ب...

سمير غريب مفكر كشف الستار عن أهم جماعة فنية فى الأربعينات

عاون فاروق حسنى وتولى رئاسة أربعة أجهزة ثقافية كبيرة ألقى الضوء على رواد السريالية ومؤسسى جماعة الفن والحرية فى كتابه...

ماجدة حسانين: أصعب ما يواجه الشاعر أن يظل صادقًا وسط الضجيج

أصدرت 3 دواوين وتكتب المسرح والقصة القصيرة الشعر ليس وزنًا وقافية بل أن ترى العالم بعين أكثر انتباهًا حضور المرأة...


مقالات

المرأة مديرة الاقتصاد
  • الجمعة، 10 ابريل 2026 10:00 ص
حكاية بيت المساجيري وفيلم "ابن حميدو"
  • الأربعاء، 08 ابريل 2026 10:00 ص
الاستقرار الزائف
  • الثلاثاء، 07 ابريل 2026 10:00 ص