محمد عبلة.. حكاية عاشق طردته «الفنون الجميلة» من بيت الأسرة

سيرته الذاتية صدرت عن دار الشروق مؤخرًا نام فى المسجد الأموى ونادته ماجدة الخطيب باسمه دون أن تعرفه بحث عن منزل سيف وانلى فى الإسكندرية ورسم مشروع التخرج فى قنا

من بين عشرات السير الذاتية التى قرأتها لكتّاب عرب أو مترجمة لكتّاب أجانب تبدو سيرة "مصر يا عبلة" للفنان التشكيلى الكبير محمد عبلة أقرب شىء إلى شخصية صاحبها، تشبهه تماما سواء وهو يرسم أجمل لوحاته أو وهو يجلس فى معرضه الأخير "بساط الريح" الذى زرته قبل أسابيع فى جاليرى الفن بالزمالك، حيث وقف يحكى بطلاقة عن طفولته وصباه، لدرجة أنه كتب قصة حياته "مصر يا عبلة ـ سنوات التكوين" على هيئة مشاهد مكثفة وخبطات ريشة قوية قادرة على نقل كل المشاعر المطلوب نقلها للقارئ بخفة وسلاسة ووضوح رؤية وبألوان شديدة السطوع أيضا.

الميزة الكبرى فى كتب السيرة الذاتية أنها تنقل إلينا من الماضى عصارة التجارب التى تستحق أن تروى، تلك التجارب التى تركت أثرا عميقا فى نفس كاتبها وتعلم منها وأراد أن نتعلم منها نحن شيئا، وما بقى فى ذاكرة الكاتب هو دائما خلاصة رسالته، أو عصير خبراته المتراكمة، الذى يتساقط من كلماته المليئة بالأسى والمرارة، كونه كان ابن أسرة متوسطة الحال، لا تعرف شيئا عن قيمة الفن وأراد ابنها بإصرار وعناد أن يدرس الرسم الذى يحبه، والذى لم يجد منه شيئا يذكر فى البيت، فظل طوال حياته يبحث عنه وينغمس فيه ليتعلم كل فنونه، فكانت المسيرة الفنية الكبيرة للفنان محمد عبلة.

منذ اللحظة الأولى يهدى عبلة سيرته إلى المقربين، كأنه يشركهم فى الاحتفاء بحياته، الذين هم جزء من هذه الحكايات ولا شك: "إلى زوجتى وعائلتى.. وأصدقائى اللى شجعونى إنى أكمل الحكايات. وإلى جمال القصاص على صبره وحضوره، وإلى روح الصديق الدكتور شاكر عبدالحميد كان واعدنى بكتابة مقدمة الكتاب.. أهديكم بداية حكاياتى"..

نشأ عبلة كما يقول فى سطور سيرته فى بيت لا يريد سوى أن يحصل الابن على شهادة تؤهله للعمل فورا، وهى قصة كفاح لإثبات الذات، من مجتمع لا يريد أن يعترف بمواهبك إلى مجتمع  يعطيك أرفع الجوائز المصرية والدولية بسبب لوحاتك الفنية المميزة التى ترسمها، وقد بدأت القصة من لحظة حصوله على الثانوية العامة، والنضال ضد الجميع من أجل الالتحاق بكلية "فنون جميلة"، فى الإسكندرية، العام 1973، الأمر الذى كلفه الطرد من منزل الأسرة، والاضطرار إلى الاعتماد على النفس فى هذه السن الصغيرة.

الكتاب يروى سنوات التكوين الثقافى لمحمد عبلة وجيل السبعينيات فى "فنون جميلة الإسكندرية" ومشروع تخرجه وأساتذته والأسئلة التى عاشها جيله كله خلال هذه الرحلة الطويلة، والمسيرة الفنية الحافلة بالمعارض الفنية فى كثير من عواصم العالم، فقد بدأت رحلة محمد عبلة بإصراره على دراسة الفن حين صُدم بالتحاقه بكلية "الفنون التطبيقية" التى لم يكن يحبها، فوقع فى ورطة أن يسحب أوراقه منها وركب القطار إلى الإسكندرية ليتقدم "شخصياً" إلى كلية الفنون الجميلة، الأمر الذى كان يحتاج إلى معجزة لكى يتحقق، وقد حدثت المعجزة بطريقة الملاك الحارس لكل فنان وهو قدرته الفائقة على التخيل، لقد قرر الفنان محمد عبلة أنه لو بحث عن الفنان السكندرى الشهير سيف وانلى لدى باعة التحف واللوحات وحصل على عنوان بيته وذهب إليه وعرّفه على نفسه وشاهد لوحاته سوف يؤمن به ويجد له حلاً يدخل به كلية الفنون الجميلة منتصف العام الدراسى بعدما سحب أوراقه من "فنون تطبيقية"، وهو ما حدث فعلياً وبمنتهى الدقة، وبصورة تفوق الخيال.

 حلم فنون جميلة

أجمل ما يمكن أن نراه ونتأمله فى قصة حياة عبلة أنها قصة كفاح ضد العادات والتقاليد والأفكار البالية القديمة، فقد كان والده يرفض رفضاً قاطعاً أن يلتحق الابن بكلية “الفنون الجميلة” والرجل كان يريد لابنه أن يلتحق بالكلية الحربية، وكان يردد ساخرا على مسامع ابنه هذه العبارة الخالدة: "هل سمعت أن هناك رئيس مجلس مدينة خريج فنون جميلة؟" ما اضطر الشاب الصغير إلى مغادرة بيت والده والعمل مع الدراسة فى الجامعة منذ سن مبكرة، حيث كان يعمل دائما فى مهن قريبة من الرسم والمطابع.

لقد بلغ به الحلم أنه كان يقف ينتظر خارج أسوار "كلية فنون جميلة" يتطلع إلى الطلاب والدموع تكاد تفر من عينيه للالتحاق بالكلية، إلى أن أصبح مسموحا له بالالتحاق بها بعد تدخل سيف وانلى، وبينما كان يقف على باب الكلية كأنه ينظر إلى الجنة  الموعودة التى تنتظره، وأعتقد أنه إلى هذه الدرجة يجب أن يتحلى الفنان بالاقتناع بذاته، والإيمان بقدراته فى مواجهة الجميع، وعلى الرغم من أنه تعرض كفنان ومثقف لأسئلة شائكة كثيرة خلال مسيرته الفنية الطويلة إلا أنه انحاز دائما إلى الفن والاستمرار فى العمل بلا توقف، والتعلم والبدء من جديد.

وعلى الرغم من التحديات التى لابد أن يصادفها الناس فما بالك بالفنانين، إلا أن بعضا من حكاياته عن الأصدقاء الذين التقى بهم فى هذه المسيرة تكشف أنه كان محظوظا إلى حد ما بمن تعرف إليهم وعلموه وأرشدوه واحتضنوا تجاربه وآمنوا بها، فقد كان يعتز أولا وأخيرا بانتمائه إلى "حضارة مصر القديمة"، تلك الحضارة العظيمة التى احترمت الفن وحوّلت الجدران إلى لوحات فنية خالدة، وحولت الأحجار إلى منحوتات تنطق بالبراعة والعبقرية التى لا تزال تثير الدهشة والحسد فى كل من يتأملها.

من بين هذه النماذج والأنماط البشرية التى التقى بها محمد عبلة وتوقف أمامها نظرا إلى تكرارها فى الحياة كنموذج، شخصية الشاعر "عزمى"، الذى كان "ينتحر كثيرا فى تلك الأيام"، وهو نموذج للمثقف المهزوم الباحث عن فرصة للخلاص الفردى، لكنه كان يدعى كثيرا أنه مقبل على الانتحار، ليستجلب عطف الناس والأصدقاء، إلى أن أكرمه الله بعد ذلك وعُين مديرا ماليا فى شركة كبيرة، وهنا فقط انتهت رغبته فى الانتحار.

وما تكشفه قصة محمد عبلة وقصص كثير من رموز الأدب والفن هو أن النضال الذى يحتاجه الفنان ليكمل طريقه يبدو أكثر أهمية وضرورة من النضال الذى يحتاجه الفنان ليبدأ هذا الطريق، فلكى تستكمل عملك وأدواتك وتخوض غمار التجارب يجب أولا أن تكون حرا طليقا قادرا على فهم العالم والتجول فيه والالتقاط والتعلم منه باستمرار وبلا توقف، كما هو حال الفنانين فى كل العصور.

من بين القصص الملهمة فى حياة عبلة قصة أول معرض له تبدو مثيرة للدهشة والشجن، فبينما كان مشغولا بعد التخرج قرر أن يقيم معرضه الأول فى المركز الثقافى الإسبانى، وبعد إعداد كل شىء اكتشف أنه لا يملك إلا لوحة واحدة، والباقى كان ضمن مشروع التخرج الذى تركه فى عهدة كلية "فنون جميلة"، وقبل أيام من المعرض سافر إلى الإسكندرية للحصول على لوحات مشروع تخرجه وقد حصل عليها بالفعل وأقام بها معرضه الأول الذى كتب عنه محرر الصفحة الأخيرة كمال الملاخ فى الأهرام خبراً يبشر بالفنان وتجربته وينشر صورة "البانفلت" الخاص بالمعرض.

 النوم فى المسجد الأموى

لقد كانت رحلة محمد عبلة دائما محفوفة بالمخاطر والأزمات  وتضعه أمام تحديات جسام، ويبدو أن كل ذلك كان يستفز قدراته الفنية الكبيرة التى كانت تساعده على المواجهة، فقد أنجز مشروع تخرجه من لوحات رسمها فى رحلة نيلية إلى "قنا"، وتشكلت اللجنة التى ستقيم المشاريع وأصبح كل من يخرج يسلم عليه ويهنئه ويقول له إنه منحه أعلى الدرجات، إلا أن عميد الكلية كان يرى فى عبلة رأياً آخر، واستمرت الأزمة إلى أن صرخ رئيس الكنترول يومها الدكتور أحمد سطوحى قائلاً بأعلى صوته: "يا عبلة إنهم يريدون أن يغيروا فى درجاتك.. لن أسمح لأى أحد بدخول الكنترول، لا العميد ولا غيره، أنا رئيس الكنترول".

كان من بين التجارب التى رواها محمد عبلة تجربة وصوله إلى دمشق ليلاً والنوم فى "المسجد الأموى" ـ الذى كان أغلق بقرار من حافظ الأسد لكنه كان يفتح ليلاً على ما يبدو وهو المسجد الذى استمر مغلقا منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين حتى ديسمبر 2024 ـ بينما كان فى طريق العودة إلى مصر فى إحدى سفرياته، التى يقول إنه تعلم منها وفيها الكثير من التجارب التى استفاد بها كثيرا فى مشواره الفنى، ومن بين هذه التجارب مشاركته الوجدانية فى انتفاضة 1977، وكان وقتها طالبا فى كلية فنون جميلة، حيث انطلق ليلتها ووجد نفسه وسط مجموعة من الشباب الإسكندرانى تسير بمحاذاة خط الترام يقول: "بدأنا فى تحطيم صور السادات فى محطة سيدى بشر، وعدت آخر الليل إلى الكلية أحمل قطعة خشبية مرسوما عليها "شارب الرئيس السادات"، ومن بين الفنانين الذين تعرف إليهم الممثلة ماجدة الخطيب، التى فاجأته مفاجأة صادمة فى أول لقاء بينهما، بينما كانا فى مقعدين فى طائرة عائدة من العراق، فوجئ بالفنانة تنظر إليه وتناديه باسمه وتجلسه بجوارها بمجرد أن رأته، ولأنها بكل تأكيد لا تعرفه بل هو الذى يعرفها كان مصدوما من أنها عرفت اسمه، يقول:

"ابتسمت لها فإذا بها تشدنى من يدى "أهلاً..أهلاً يا محمد، كيفك يا محمد" اجلس بجانبي". كان ترحيبها بى مفاجأة، جلست إلى جانبها، وأنا لا ازال غارقا فى دهشتى ومن أين تعرفنى سألتها:

ـ حضرتك تعرفينى؟.. من المؤكد أننى أعرفك، أنت فنانة مشهورة". فقالت بصوت خفيض: لا أنا لا أعرفك، لكن هناك شخص ما فى الكرسى الخلفى، ثقيل الظل يريد أن يجلس بجانبى، وقلت له إننى أنتظر صديقاً. وعندما دخلت تظاهرت بأنك هذا الصديق لكى لا يجلس بجانبى.

ـ ومن أين عرفت أن اسمى محمد؟

ـ لا أدرى أن اسمــك مـحـمــد.. لكنــى خمنت".

Katen Doe

محمود خير الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منير كنعان الرسام الوحيد الذى كتب هيــكل مقـدمـة لكتابـة

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص