بعدسة الانتقام.. الانتقام من أقدم الرغبات الإنسانية وأشدها ظلمة على الروح

قد بدأت الفكرة فى السماء لحظة أن قرر إبليس الانتقام من آدم عليه السلام، لا لشىء سوى شعوره بأن الله تعالى قد فضل مَن خلقه من طين وهو المخلوق من النار،

وعلى الأرض كان قدر قصة الانتقام أن تستمر، والبداية أيضا حين قرر قابيل الانتقام من أخيه هابيل بالقتل، وكانت نفس الفكرة المسيطرة هى أن آدم قد فضل هذا الأخ عليه فتقبل الله قربان هابيل و لم يتقبل منه، كما زوج الأب أخيه لأخته الجميلة و زوجه من الأقل منها جمالا.

ومن يومها ظلت حكاية الانتقام تدور حول نظريتين.. الأولى هى الدعوة إلى تقديم حياة مقابل حياة تحت مبدأ العين بالعين، والثانية هى فكرة مارتن لوثر كينج وتقول إن النظرية الأولى ستجعل الجميع عميانا فى النهاية، لذا فإن الآلية العقلية يجب أن تسود الانتقام وهذا ما يرجع للشخص نفسه و ماذا يريد من انتقامه.

 فكرة الانتقام

أغلب الناس يسعون ولو على سبيل التفكير فى الانتقام ممن آذوهم إما لتسكين وتخفيف وجع أو بحث عن منفس الراحة بعد الشفاء من الداء.. لهذا ربما علماء النفس يؤكدون أن الأخذ بالثأر فرصة ضعيفة من أجل الشعور بالسعادة، لأن المنتقمين فى الحقيقة لم ينالوا أبدا حتى هذه الفرصة، وإن لم يمنع ذلك أن الانتقام أحيانا يسبب بالفعل الشعور بالرضا عن النفس؛ وهنا يصف عالم مثل ماريو جولوزير حقيقة هذا الشعور اللحظى بأن رؤية المسىء يعانى.  وحدها كافية لضحاياه كى يستردوا أنفاسهم الضائعة من القهر، فالطبيعة الإنسانية لا تأبه إلا الإحساس بالعقاب المجزى حتى تشعر نوعا ما بالسكون النفسى.

 حلو الانتقام و مرارته

غير أن ووفقا لدراسة أجرتها جامعة واشنطن للأبحاث النفسية تؤكد أن عواقب الانتقام النفسية فعليا مختلطة.. ذلك أن المنتقم يشعر بعد انتقامه بمزيج من الأحاسيس المتناقضة، حيث يمكن أن يشعر بمشاعر سيئة، و هذا يرجع إلى أصل الفطرة، كما أن إحساسا بعدم الرضا فى هذه الحالة يعود إلى فكرة الجبر التى أرغمت شخصا ما على استعمال العنف فى ظلها، وفى نفس الوقت يحصل المنتقم على فرحة عارمة تأتى من أنه قد أعطى للمسىء فرصة لتصحيح خطأه، و أيضا درسا لن ينساه فلا يعود إلى إساءته مرة أخرى.

 حكاية الانتقام

وعلى ما يبدو أن قصص الانتقام غالبا ما تجمع بين اللذة والألم، حيث نجد على سبيل المثال فى الأدب وبملحمة الإلياذة الشعرية ما يعطينا هذا الدليل، ففكرة الانتقام فى الحكاية أحيانا ما تشتعل لتعطى الألم، وأحيانا تخفت فيشعر الأبطال بلذة الانتقام.

وهكذا يعد الأخذ بالثأر جزءا من السلوك البشرى ولد معه وظل ملتصقا به على الأرض، لأنه مرتبط بإحساس آخر وهو حب الانتصار، وهو ما عبر عنه الفن واصفا تلك المشاعر المختلطة فى  المسرحيات الإغريقية، ووصولا لماكبث شكسبير وهاملت، وبهما كانت صياغة عميقة لمشاعر الراحة التى تمس النفس الغاضبة بعد الانتقام، وهو نفسه الإحساس الغريب الذى يتملك كل نفس منتقمة؛ و لذا أراد الباحثون الاجتماعيون والنفسيون التعمق فى هذا المبحث ليصلوا الى إجابات منطقية عقلية تصور هذا الجانب الإيجابى الغيبى وراء فكرة الانتقام، فتوصلوا إلى أن الثأر يعد محفزا عاطفيا قويا ضمن للإنسان طوال تاريخه البقاء عبر المحاربة كون الثأر والانتقام أفكار تحض على التنفيذ والفعل.

وعلى هذا ما يؤكده عالم النفس التطورى مايكل ماكولاه والذى قضى عقدا كاملا ليدرس فكرتى الثأر والصفح المضادتان لبعضهما البعض، فقال إن تجربة الأخذ بالثأر معتادة فى حياة البشر، فهى المرتبطة بالغضب الشديد وضرورة الحصول على راحة بعد رد الإيزاء بالمثل، وهو ما توضحه الإحصاءات، حيث إن أكثر من ٢٠% من جرائم القتل كانت بفعل الانتقام، و ٦٠% من محاولات الاغتيال كانت لنفس السبب، هذا بعد أن امتد العنف إلى الحياة السياسية مع الوقت مما أضفى جانبا مثيرا وراء فكرة الانتقام.

ولا شك أن طالما ما كان من الصعب التمييز بين الثأر والسلوك العنيف ذلك حين دراسة موضوع الانتقام، وهذا ما دفع الباحثون للسير خلف هذه التفرقة ما استدعى دراسة السلوكيات العنيفة بوجه خاص تلك التى تتفاعل داخل النفس البشرية قبل مباغتة الآخرين بالهجوم، وهى فى الحقيقة ما تقود لفعل الانتقام لما لها من أثر فى مواجهة الألم حال عدم تنفيذ هذا الانتقام.. لذا هناك بالفعل علاقة وثيقة بين السلوك العدوانى والانتقام، وبالتالى بين العنف والحصول على اللذة بعده، وهو ما أكده فرويد بعد سؤاله لماذا يستمر هذا السلوك المستمر بالهدم، وقد التصق بالشخصية البشرية عبر السنين رغم ما يسببه من مشاكل و مضار؟! وقد أجاب على هذا السؤال بأنها الراحة واللذة والهدوء الذى يبحث عنه الإنسان بعد انتقامه، خاصة إذا كان الانتقام بسبب إهانة وقهر ومذلة.. وهنا تحديدا قد يتحول إلى إدمان حتى يستمر الإنسان فى الحصول على تلك النشوة التى أحسها عند انتقامه الأول، وهو ما يفسر لماذا تعمى البصائر والبصيرة حتى تحدث الكارثة، وفى أحيان كثيرة تستمر النشوة حتى بعد حدوث الكارثة، لذلك يعد الانتقام غريزة فى الإنسان لا يجب تشجيعها، لكن تبقى دراسة دوافعها مهمة، فهى ليست وليدة عقول مريضة بل كانت فى الأساس ردا على فعل مريض.

 لعنة الانتقام و الإرث المر...

هذا و تعد فكرة الدم لا يزال إلا بالدم، هى منطلق قصة الانتقام.. ذلك أن فوق كونها غريزة بشرية استمرت كعادة جاهلية مازالت تتحكم بالبشر وتغلف بمفاهيم عديدة مثل ما سبق من حب الإنسان للانتصار، و كذا ارتباط الأمر بمفهوم القوة والغلبة و الهيبة و الرفعة وفوق كل هذا ذلك الارتباط القوى بمبدأ الكرامة، وكلها فى الحقيقة مبررات عقائدية ممتدة فى نزعتها بما يليها من مفاهيم مثل الولاءات، والانتماءات للقبيلة والعشيرة والمذاهب والمنطقة التى تضم جل هذا وتلصقه بموروث لا يمكن تجاهله بسهولة، ولعل من مجموع كل هذا النسق تكمن المشكلة، بحيث تعد فكرة الانتقام ذات بعد لا يمكن القضاء النهائى عليه، فهو كالإرث المر أو اللعنة التى لا تنتهى حتى بالموت.

وفى المجتمعات المنغلقة تخرج فكرة الثأر كأقوى عن غيرها من مجتمعات أخرى منفتحة، فهى فى المنغلقة تنتج من فكرة أخرى لا يمكن تجاوزها، وهى فكرة المعايرة وارتباطها بالذل والعار والضعف الذى يستمر من جيل إلى جيل، حيث إن المجتمعات المنغلقة تهوى دائما المفاخرة والمنافسة بالمال والعيال والأصل والفصل ليكون الأمر معنيا أكثر بحكاية استعراض القوة حتى أصبحت هناك قرى ومناطق تسمى بنواحى الدم والنار، وتوضيح الأسباب بات معروفا فإرث الخصومات الأهلية المسلحة إرث ثقيل يخلف دمارا وهلاكا وضحايا بشكل مستمر، وللأسف أمست جلسات المصالحات العرفية وقتية ومرهونة بالالتزام بالكلمة، وتحت أى ظرف عارض خارج عن السيطرة تعود الدائرة من جديد ليصبح تأثير تلك الجلسات ضعيفا مع الزمن.

وكأى فكرة مجنونة فإن فكرة الثأر والانتقام لا تخضع لأى سلطة بما فى ذلك سلطة الدين أو القانون، حيث إن تأصيل الانتقام بات كموروث شعبى لا يمكن إسكاته أو محاربته.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...