قصة 3 سنوات تفرغ فيها لتخليد نقل معبد أبى سمبل فى 80 لوحة كيف حوله هيكل من رسام إلى شاعر
لا أستطيع أن أقدم وصفا دقيقا لتلك التجربة الصحفية التى صنعها هذا الرسام، والتى تختلط فيها الريشة بالقلم والشعر والفلسفة والحكمة، تلك الحالة الفريدة التى كان القراء ينتظرونها بشغف كل يوم جمعة على الصفحة الأخيرة من جريدة الأخبار، يتأملون الرسومات البديعة الدالة ويقرأون بمتعة ما تجاورها من أبيات، لا تخضع لأوزان الشعر وبحوره، ولكنها فى الوقت ذاته تفيض بسحر الشعر ومتعته، وتفيض كذلك بمعان براقة، يخطها رجل حكيم عرف الحياة وخبرها، يقول لك فلسفته العميقة فيها بكلمات بسيطة بليغة، فلا تملك إلا الإعجاب والتقدير والمحبة، والانتظار إلى الجمعة التالية..
بجوار رسم لرجل عركته الحياة وتركت آثارها على ملامحه وجسده، يكتب فيلسوف الحياة:
يا بتاع التذاكر على بابك مهاجر تعبان من الأسفار
ادينى تلات تذاكر أواصل رحلة الليل والنهار
تذكرة خضرة لبدء الطريق..
وتذكرة غالب عليها الصفار
وتذكرة بيضا بلا ألوان.. أكمل بها المشوار
(1)
الغريب والعجيب أن بيكار، صاحب تلك الحالة ومبدعها، لم يكن يعتبر نفسه شاعرا، بل يعترف لك ببساطة أنه تورط فى تلك الكتابة الفريدة ولم يسع إليها.. بل هى التى سعت إليه ووجد نفسه شاعرا..
وكان يعتبر صديقه الأستاذ هيكل هو السبب فى تلك الورطة..كان هيكل مؤمنا بعبقرية بيكار وريشته، ولذلك اختاره لأن يرسم بورتريها للأميرة فوقية شقيقة الملك فاروق ليضعه على غلاف مجلة آخر ساعة فى سابقة فريدة فى تاريخ المجلة، وأحدث الغلاف ضجة عند نشره، فقد كانت الأميرة الجميلة وقتها متزوجة من إسماعيل شيرين بدون رضا الملك.. ومرت الورطة لكن جاءت الورطة الأكبر التى قادته إلى تلك الحالة أو التجربة الصحفية المتفردة..
تعالوا لنسمع منه قصته مع تلك الحالة، كيف بدأت وتطورت، وكيف تورط فيها:
"لم أكن فى يوم من الأيام شاعرا أو كاتبا، وإنما أرى نفسى منذ الطفولة رساما وموسيقيا، إلا أننى عند دخولى الصحافة تورطت فى حب الكتابة.. كانت البداية من الأستاذ هيكل عندما كان رئيسا لتحرير "آخر ساعة" وكنا أصدقاء.. مرة قال لي: يا بيكار نفسى فى فنان يكتب، وكان يقصد الكتابة بحس فنان تشكيلى، قلت له: ممكن أرسم وأحكى لك وتكتبه، قال لي: لأ.. عايزك ترسمه وتكتبه.. يا بيكار عايز تلقائية الفنان، وألّح الاستاذ هيكل فى طلبه وقبلت.. وكتبت فى البداية قصة ورسمتها كان عنوانها "المصباح الأحمر" وكانت قصة مؤثرة.. ثم جاءت فترة شهدت تجديد جريدة "الأخبار"، ومع تطوير الصفحة الأخيرة جعلوا فيها كل يوم صورة فوتوغرافية عن حدث، وبعد ذلك اقترحوا أن يخصصوا لى يوما فى الأسبوع أقدم فيه رسمة بدل الصورة.. وبدأت أرسم الدنيا، مرة بائعة برتقال ومرة بائع اللبن وهكذا.. رسومات من واقع الحياة وأضع تحتها عنوانا مثيرا وقصيرا.. يعنى مرة سميت لوحة "برتقال بسرة".. وشوية بشوية طوّل معايا التعليق على اللوحة وأصبح سطرا بدل كلمتين، ثم أصبح مسجوعا، ومع الاهتمام بالكلمة المرسومة تحولت بنفسى من اللوحة المرسومة إلى اللوحة الفكرة، وأصبحت أشرحها بمنظومة صغيرة من الكلمات، ليست شعرا ولكن تعبيرا بالكلمة بدون تصنع، وبفطرة وإحساس وصدق، هذه اللوحة الفكرة أصبح التعبير عنها فى شكل خماسيات ثم سداسيات، وأخيرا رباعيات وجدتها أكثر بلاغة وصدقا.. وهكذا استقرت لوحة يوم الجمعة".
ثم يصل إلى سر التجربة وسحر الحالة وكشف عنهما:
"كنت فى كل ما أكتب أبحث عن التلقائية وأبعد عن الصنعة، لأن التلقائية هى كاريزما الكلمة التى تصل للقلوب، وهذا مطلوب ومفيد ليس فى الكلمة فقط بل فى الرسم كذلك، فأنا أبدع بشكل أفضل حينما يكون العمل الإبداعى مثل سجادة الصلاة فأقف أمام اللوحة كالمصلى لا يعرف هل ستقبل صلاته أم لا، أما حين تأخذ ألف جنيه مقدما ثمنا للوحة سترسمها.. هنا أتلخبط وأفقد التلقائية وأجد نفسى عايز أخلص.. الفن لا يقبل المساومة ولا التجارة، وكما أن الصلاة لإرضاء الله دون شيء آخر، فالفن لإرضاء الفن دون شيء أخر".
كان بيكار إذن يرسم وكأنه يصلى، بريشة مغموسة فى المحبة والتلقائية والخشوع وحكمة الحياة، ولذلك ستظل لوحة الجمعة تجربة ملهمة ومتفردة فى تاريخ الرسم والكتابة.
(2)
وما أكثر التجارب الملهمة والمتفردة فى حياة بيكار.. لكن تبقى تجربته فى تسجيل عملية إنقاذ معبد أبى سمبل من الغرق فى مياه بحيرة ناصر بعد إنشاء السد العالى من أكثر التجارب التى كان يفتخر بها فى مشواره الطويل الغنى..
فعند بناء السد – كما يقول صبحى الشارونى – ظهر أن المياه ستغمر النوبة بما فيها من آثار، وخاض الدكتور ثروت عكاشة – وزير الثقافة حينها – معركة الدعوة لإنقاذ آثار النوبة، وهى الدعوة التى تبنتها هيئة اليونسكو، وكان من بين الآثار التى تم إنقاذها معبدا أبى سمبل ( الكبير والصغير)، وقد تم نقلهما إلى أعلى الجبل بعيدا عن فيضان المياه، وبالطبع كان تقطيع المعبد الكبير إلى أجزاء لترفعها الرافعات العملاقة وتحملها الجرارات الضخمة إلى الموقع الجديد بمثابة معجزة هندسية ومعمارية غير مسبوقة، وقد قام المخرج الكندى جون فينى بتصوير مراحل نقل المعبد إلى أعلى الجبل، ثم ظهر أن الفيلم التسجيلى تنقصه المعلومات والصور الموضحة لتاريخ هذا البناء حتى إقامة السد العالى، أى تاريخ المعبد على امتداد 3500 سنة من عصر رمسيس الثانى الذى أقيم المعبد خلال فترة حكمه، وقام بيكار بتلك المهمة العظيمة..
تجربة تفرغ لها بيكار ثلاث سنوات واصل فيها الليل بالنهار لكى يسجل بريشته روعة هذا الأثر الفرعونى الخالد فى ثمانين لوحة تتجلى فيها عظمة الحضارة الفرعونية، يشارك بها فى فيلم تسجيلى عالمى شاهده العالم كله حينها، ووثقت مشاهده تلك العملية الأسطورية لإنقاذ معبد أبى سمبل ..
عن هذه التجربة/ الملحمة/ الملهمة من سيرة بيكار يمكننا أن نجد تفاصيل أخرى فى ما رواه صديقه الناقد التشكيلى عادل ثابت:
"كانت عملية نقل هذا المعبد فى عام 1967 قائمة على قدم وساق حينما أشار الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة فى ذلك الوقت بإنتاج هذا الفيلم (التسجيلي)، فكان العالم بأكمله يتابع بانبهار أخبار هذا الأثر الغريق.. وعلى الرغم من المعاناة والجهد الذى يتطلبهما مثل هذا العمل الجبار، إلا أن الفنان بيكار تحمس للفكرة، وتحمس معه المخرج العالمى جون فينى الذى كان فى ذلك الوقت يُنهى المشاهد الأخيرة من فيلمه "ينابيع الشمس"، وهو أول فيلم تسجيلى طويل عن نهر النيل، ووضع د. شحاته آدم المادة العلمية اللازمة للموضوع، وبعدئذ بدأت تجربة بيكار والمخرج فى إتمام هذا الفيلم الذى كانت ثمرته خبرة فريدة فى السينما التسجيلية، ويتضمن عرضا كاملا لتصور العلماء عن الحياة وفن المعمار، عند الفراعنة بريشة بيكار وهو فى النهاية مفخرة للسينما يحمل صورة حضارية للفن المصرى القديم والحديث معا"..
واستغرق الفنان بيكار فى هذا العمل سنوات ثلاث، يرسم آلاف الاسكتشات على الطبيعة فى معبد أبى سمبل، سواء فى الخارج أو من الداخل، كان يتنقل بين النوبة وطيبة فى مركب نيلى، كما اتجه إلى المتحف المصرى لدراسة أزياء عصر رمسيس الثانى وملامح الناس وحركاتهم وأصحاب المهن المختلفة الذين شاركوا فى البناء والاحتفالات، فقد قام فى هذا الفيلم بتصميم الديكور والاكسسوار ، كما اختار الممثلين والكومبارس والمناظر الطبيعية، وكل ما تقع عليه عين المشاهد عند عرض الفيلم.. وكانت أبعاد اللوحات 35 فى 25سم، ووصل بعضها إلى 4 مترات طولا ومتر ارتفاعا، وكأنه أراد أن يجعل من هذه اللوحات عملا فنيا فى ذاته يُكتب له البقاء بعد الانتهاء من الفيلم..
وبشهادة النقاد: وصل الجهد الذى بذله فى لوحاته الثمانين إلى نتائج لم يكن من السهل أن يصل إليها فنان معاصر إلا إذا كان فى مستوى وخبرة وتمكن بيكار من إبداع فى تفاصيل الرسم والتلوين..
وفى متحف "أبى سمبل" الموجود فى "كفر الجونة" القريبة من الغردقة، توجد 54 لوحة من تلك اللوحات البديعة التى رسمها بيكار ، تظل شاهدة على عبقريته ومهمته الوطنية وعشقه للحضارة الفرعونية..
(3)
ويظل الحديث عن إبداع بيكار وتجاربه الملهمة ناقصا إذا لم يكتمل بتجربته العاطفية التى لا تقل إبداعا وإلهاما، فقد كان صاحب تجربة عشق فريدة، وكانت علاقته بزوجته مثالا لقصص الحب الملهمة، ويمكن أن ترى بيكار العاشق فيما رسمه من بورتريهات ولوحات لزوجته.. ملهمته الكبيرة التى كان يقول إنها جعلته أسعد زوج فى العالم..
وفى العيد الخمسين لزواجه قال بحماس شاب فى عنفوان حبه:
"أحفظ تاريخ زواجى ولا أحفظ تاريخ ميلادى، فأنا رجل من برج الجدى تزوج فى 9 ديسمبر سنة 1945.. عمر زواجى 50 سنة وهو فى الأصل زواج عقلانى.. عملت حسبة ودراسة جدوى كما يقولون، قلت: أنا مش عايز واحدة فى غاية الجمال ولا مليونيرة ولا معاها دكتوراه ولا من العائلة المالكة، ولكن عايز واحدة على مقاسى، تمنحنى الراحة والاستقرار، وبالطبع لم يكن الاختيار بشكل حسابى وإنما عن اقتناع داخلي"..
ورغم تلك العقلانية التى يتحدث بها إلا أن بيكار ظل حتى آخر حياته يعيش بإحساس العاشق لتلك الزوجة "أسما" التى تحملته ووفرت له كل الأجواء المواتية للإبداع، كانت فى نظره أجمل امرأة فى العالم ويسميها "ست الجميلات"..
كانت "أسما" أو "قاسمة" هى شريكة الرحلة، قاسمته حبه للفن، وكان يعتبرها أجمل لوحات حياته، وعن سر السعادة الزوجية معها قال:
"كلا من اللوحة والزواج فى حاجة إلى انسجام وتناسق، فى المنزل أحشاول أن أكون الزوج المثالى المتفهم.. وأؤمن أن العلاقة الروحية (العاطفية) أهم بكثير من العلاقة المادية فى الزواج لأنه على أساسها تقوم الأسرة، وكما هو الحال فى الفن الزواج أيضا يحتاج أحيانا إلى حلول وسط وتقديم بعض التنازلات"..
ويظل بيكار تجربة ملهمة.. رساما وشاعرا وفيلسوفا ومبدعا.. وعاشقا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة