«أنس الوجود» القصر الأثرى الذى تحوّل إلى حكاية فى «ألف ليلة وليلة» جــد الدكتــورة عــائشـة عبد الكريم وفدى والأب يسارى وهى خريجة auc
من بين كل المدن المصرية والسودانية التى زرتها وشممتُ رائحة شوارعها لم أزر أبداً طوال حياتى مدينة "أسوان"، لذا رأيت أن أكفر عن هذا الخطأ الفادح بأن أقرأ معكم هذا الكتاب، فربما اقتربت خطوة من بلد جميل أحلم بزيارته.
من حسن الحظ أن "44 أصوان" هو من الكتب القليلة التى تساعدنا على فهم ماضينا وتجيبنا ـ فــى الوقت ذاته ـ على أسئلة ملحاحة يطرحها حاضرنا، بكل ما يحمله من تقلبات اجتماعية وسياسية وثقافية، راصداً قصة هذه التغيرات فى الثقافة الشعبية وتحولاتها داخل مدينة حدودية بعيدة، هناك فى أقصى مدن الصعيد، لنعرف منه مصير ما تبقى من عادات وتقاليد وأعراف ومُثل، ومآل ما اختفى منها تماماً، مـا أصبح ينتمـى إلى زمن مضى، بفعل الحداثة أو التمدن أو المعاصرة أو غيرها من الأسباب.
لعل السر فى طزاجة هذا الكتاب وطرافته أنه يجمع بين صفحاته الـ (350) الحكاية الإنسانية للباحثة وأسرتها وجدودها مع "دقة المعلومات" عن مدينة أسوان والقدرة على تأملها وتحليلها بدقة، حيث تبدو الباحثة وهى تحكى عن أسوان معتمدة على نوعين من المصادر: الأول مصدر معرفى "وثيقة" أو صحيفة قديمة أو مستند، والثانى مصدر واقعى أو "شهود عيان"، كما أن مادته تتمحور حول محاولة صياغة كتاب عن المدينة القديمة يضع أهلها وعائلاتها فى الصدارة، وفى الوقت نفسه كتابة رواية جديدة لنشأة الحداثة فى "أسوان"، من طرائق وعادات الطبخ إلى طرق الاحتفال فى الأعياد والمناسبات مثل الزواج والسبوع، متأملاً فى العمارة والتعليم والحياة الاجتماعية، ولا ينسى أن يُلقى نظرة على تعليم الفتيات وعدد دور السينما فى المدينة، بالضبط، كما يتأمل المعانى التى يمكن أن نفهمها من طقوس أهلها فى الدفن أو من غنائهم الشعبى كما من عَديدهم على الأموات.
لذلك أعتبر كتاب "44 أصوان.. مدينة أسوان فى جيل العقاد" ـ الصادر مؤخراً عن دار "ديوان للنشر" ـ من بين هذه الكتب النادرة جداً، لأنه فعل ما لم يفعله أحد من قبل وهو تقديم حكاية مدينة مصرية عريقة مثل "مدينة أسوان" مع الحداثة، طوال القرن العشرين، لكى يصف ملامح حقبة ثقافية زائلة، أو هى فى طريقها إلى الزوال، مكتوبة بقلم واحدة من بنات أسوان المثقفات، الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم. الحاصلة على بكالوريوس دراسات الشرق الأوسط من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ودكتوراه الفلسفة من بريطانيا، وابنة الباحث والمفكر اليسارى الراحل خليل عبد الكريم.
تستحضر الكاتبة إيمانها بموضوعها منذ الإهداء، الذى قدمته إلى والديها، وهما من أبناء مدينة أسوان، بينما يدور الكتاب حول قصة ثلاثة أجيال عاشت فى هذه المدينة قبل جيل الكاتبة التى تربت خارج أسوان، لكنها تحكى لنا تفاصيل أسرتها، تحكى عن جدها الذى كان يصدر أول صحيفة فى الوجه القبلى، القيادى الوفدى الحاج عبدالكريم ناصر خليل، وكانت تحمل اسم جريدة "الصعيد الأقصى"، تصدر أسبوعياً وتنشر أخبار المدينة، فبينما كانت الباحثة تقلب فى قاعة الدوريات فى "دار الكتب المصرية" فوجئت بقراءة اسم الصحيفة التى كان يصدرها جدها وشريكه فى أسوان منذ العام 1936، ولذلك أسمت كتابها عن المدينة "44 أصوان" رقم الهاتف المنزلى الأول الذى يحمل اسم جدها، حينما كان هو المشترك رقم 44 فى خدمة التليفونات فى أسوان، وقد وجدت الرقم مطبوعاً على الجريدة دليلاً على زمن مضى، فاختارته ـ هو بالذات ـ عنواناً للكتاب.
سوف نكتشف أن أسوان هنا ليست هى المدينة المنمقة المبنية على الطراز الأوربى الحديث والمطلة على كورنيش النيل والتى يعرفها الجميع من الصور التى التقطت خلال النصف الأول من القرن العشرين على أنها ذلك "المَشتى العالمى" الذى يغوى بدفئه الاستثنائى أثرياء العالم، فالمدينة لها أبعاد أكبر بكثير من صورة يصدرها الأوربيون عنها، وقد ظهر ذلك التحول الأكبر فى تاريخ المدينة كما تقول الباحثة خلال العقد الأخير مــن القــرن التـاسع عشــر، علـى خلفية صـراعات بين الدول الاستعمارية، تقول:
"جاء تحول المدينة خلال عقد واحد من بندر إلى عاصمة مديرية مستقلة، على خلفية السباق بين انجلترا وفرنسا لاستعمار القارة الإفريقية، حينذاك احتلت بريطانيا مصر 1882، وانتقلت منها لاحتلال السودان، ففرضت على الخديو الانسحاب منه عام 1884، وعملت على القضاء على الثورة به، إذ كانت الثورة المهدية مشتعلة منذ سنوات، وفشلت كل المحاولات فى إخمادها، واستفحل الأمر إذ هددت قوات الدراويش مصر. فكان على بريطانيا أن تتخذ موقفاً عسكرياً صارماً، وهكذا اقتطعت المنطقة الحدودية مع السودان، وأعلنتها منطقة عسكرية. ففى العام 1888 ألغيت مديرية إسنا وقسمت إلى قسمين، حيث ضم القسم الواقع شمال جبل السلسلة إلى مديرية قنا، أما الجزء الآخر (بين جبل السلسلة ووادى حلفا) فأصبح مديرية الحدود ومركزها يحمل اسم مدينة أصوان"، التى كانت تكتب وقتها بالصاد، ومنها اشتُق تعبير "الأصولّية" الذى يشير إلى أهالى مدينة أسوان حتى اليوم.
أنس الوجود
كل ما حدث هو أن التغير الكبير الذى عاشته أسوان أوائل القرن العشرين كان يتم اختصاره فى مشروع هندسى ضخم لبناء "خزان أسوان" الذى تم افتتاحه عام 1902 والذى لم يكن يخدم أهلها بقدر ما يخدم شريحة واسعة من المصريين، ويبقى المستفيد الأكبر منه هو الاحتلال البريطانى، لقد كان "خزان أسوان" محاولة لترويض مياه النيل وحجز مياه الفيضان ـ التى تُهدر سنوياً ـ كى تستفيد البلاد من زراعة إضافية لزرع آلاف الأفدنة من القطن الذى كان يُصدر إلى مصانع المنسوجات البريطانية، تحت شعار المشاركة فى سداد ديون مصر لبريطانيا، ووقتها تعالت صيحات الاعتراض من علماء الآثار الذين رأوا فى المشروع تدميراً لآثار أسوان، خاصة قصر أنس الوجود "جزيرة فيلة"، الذى ستغمره المياه لشهور طويلة "عشرة شهور" كل عام، والحق أن معمار "فيلة" تم نقله حينما قررت الحكومة المصرية 1968 نقل هذه المجموعة من المعابد، بما فيها معبد فيلة، وإعادة بنائها فوق الجزيرة المجاورة "أجيلكا" على بعد 600 متر من "جزيرة فيلة".
وللحق، وعلى الرغم من أهمية المشروع إلا أننا لا يجب أن ننسى أن بناء "خزان أسوان" تم فى خدمة المصالح الاستعمارية، حين بدأت مرحلة جديدة فى تاريخ أسوان عقب انتهاء "حرب الدراويش"، حيث اندثرت بسبب هذا الخزان بعض معالم أسوان كما ترى الباحثة ومنها "قصر أنس الوجود" ـ الاسم المحلى لجزيرة "فيلة" ـ والذى ورد ذكره عند الرحالة الأوربيين، مشيرة إلى أنه:
"أنس الوجود ظهر فى حكاية رومانسية أسطورية من إحدى حكايات "ألف ليلة وليلة"، (الليالى 396 ـ 408)، وهى "حكاية أنس الوجود ابن السلطان الذى أحب الورد فى الأكمام بنت الوزير"، والحكاية ـ باختصار ـ تقول إن الوزير حينما علم بذلك الحب بعث ابنته إلى "معبد إيزيس" القائم فى الجزيرة، لكى ينفيها هناك بعيداً عن حبيبها رقيق الحال، لكن "أنس الوجود" ظل يبحث عنها ويسأل البشر والحيوانات عن أثرها، وتقول القصة إنه استعان بتمساح كبير ليعبر نهر النيل ويصل إلى الجزيرة، حيث التقى حبيبته وحررها من سجنها واستطاع إقناع أبيها حتى يرضى بزواجهما".
ولو كان مشروع الخزان قد قوبل بالرفض والاعتراض مطلع القرن العشرين، فإن كثيراً من مظاهر الحداثة الأخرى ـ تقول الباحثة ـ إنها قوبلت على العكس بالقبول وبالترحاب فى أسوان، ولك أن تتخيل أنه قبل نحو مائة عام اهتم بعض أهل أسوان بتعليم بناتهم حيث تم افتتاح مدرسة أسوان الابتدائية التى استُحدثت عام 1925 كما تقول الباحثة وعدد تلميذات المدرسة الأميرية بلغ 66 فتاة فقط فى العام 1940 وإن كان عدد التلميذات قد تضاعف فى الأعوام اللاحقة، وتحكى لنا عن خالتيها اللتين تعلمتا فى "مدرسة التربية النسوية بأسوان"، التى افتتحت عام 1939، وكانت تقبل حاملات الشهادة الابتدائية، ممن لا تقل أعمارهن عن 12 سنة، وكانت ناظرة "مدرسة التربية النسوية" بأسوان عام 1943 هى "حضرة المــربية الفاضلة الآنسة عزيزة عبده عبد الوهاب".
ومثلما اختارت الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم عنوان الكتاب من رقم تليفون جدها، اختارت صورة الغلاف من ألبوم العائلة أيضاً، فقد عثرت على صورة عائلية تعود إلى أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين لاثنتين مــن خـــالاتها، خــلال رحـلـة مدرسية إلى "إدفو" فاختارتها صورة الغلاف الأمامى للكتاب، تقول:
"كانتا فى نحو الثانية عشرة من العمر، زيهما المدرسى متماثل، لكن شخصيتيهما مختلفتان، فبينما تبتسم إحداهما وهى تنظر باستحياء إلى الكاميرا، تتشاغل الأخرى وتتحاشى النظر أمامها، ومعهما زميلات الدراسة، سبع فتيات فى مثل سنهما، ترتدين الزى المدرسى نفسه، وبصحبتهن مدرسة الفصل شابة فى العشرينيات مكشوفة الوجه والشعر، ويركبن عربة لا أعرف لها اسماً، فهى حديدية ميكانيكية، مسقوفة تسير على قبضان، ويجرها حمار ويظهر سائق العربة "أو عربجى الحمار" فى طرف الصورة، رجل أسمر بشارب كث، يلبس ملابس محلية "الجلباب والعمة" وينظر إلى الصورة بثبات ولكن دون تحدٍ".
مدينة الجبانات
يحاول الكتاب أن يقرأ ملامح "المجتمع الأصولّى" فى كل أشكال تجلياته الثقافية والمعرفية والفنية، وبعدما كتبت عن أسماء الشوارع والعمارة المحلية وبيت جدها وجدتها والسوق والموردة والتَرَسِينة والزار وتذكرة داوود والمشاهرة، وتناولت طعام أهل المدينة واهتمامهم بـ "العيش الشمسى"، انتقلت للحديث عن "الموت"، الذى يبدو أنه علامة فارقة فى تاريخ مدينة أسوان بوصفها "أرض الجبانات"، تقول الكاتبة : "بدءاً من الجبانة العربية الكبيرة التى وردت فى كتابات الرحالة فى القرن التاسع عشر ووصفتها الرحالة أميليا ادواردز فى كتابها "رحلة الألف ميل" بأنها جبانة ممتدة إلى نصف ميل، هى أكبر من مساحة المدينة الحديثة نفسها: "تشعرك بشىء من الحزن العميق والروعة".
يشير الكتاب إلى عدد كبير من الجبانات التى تعود إلى عصور قديمة، منها مقابر نبلاء فى "عصر الفراعنة"، وهناك شواهد قبور لأولياء صالحين داخل المدينة، وهناك جبانة الانجليز وجبانة النجومى، حيث يولى الكتاب اهتماماً بمفردات الحزن التى تشكل جانباً مهماً وملحوظاً فى وجدان أهل أسوان، متنقلة بين إجراءات الغسل وطقوس الدفن وفن العديد، فبالإضافة إلى سرد الطقوس تتوقف الباحثة أمام بعض نصوص العديد التى جمعتها ومنها:
"لو الحبايب فى السوق يتباعوا
أنا كنت اشتريت أحبابى ضاعوا
لو الحبايب فى السوق يتدلوا
أنا كنت اشتريت أحبابى ضلوا".
ولأن العديد مثل كل "فنون القول الشعبية" يروى جانباً من وجدان الناس ويحكى على ألسنتهم ما لا يستطيعون ـ أحياناً ـ صياغته، كانت الجدات فى أسوان على الأرجح من الحكمة ونفاذ البصيرة إلى الحد الذى كنّ فيه قادرات على اكتشاف أعماق الحكمة الإنسانية فى كل من يظن فى نفسه الخلود، مثل قولهن فى هذه العدودة التى لا تنسى:
"رُحت الجبل هلبت ألقاهم
لقيت الحصا والرمل ساواهم
رُحت الجبل هلبت أوجدهم
لقيت الحصا والرمل مرمغهم".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية
بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية