الصهيونية والرياضة ..أولمبياد اليهود (1) - أنا وشلومو.. الشيطان يعظ أحيانا!

على سبيل التقديم..

 كانت شمس بكين تقترب من المغيب، ومع بدء إضاءة الأنوار المتلألئة للقرية الأولمبية في دورة الألعاب الأولمبية بالعاصمة الصينية في عام 2008 وقفت أرقب حركة رجوع اللاعبين من المنافسات المختلفة لعلي أظفر بخبر جديد أقوم بتطييره إلى القاهرة.. ومع سعادتي الكبيرة بوجودي في أكبر حدث رياضي على وجه «الكورة الأرضية» تبدلت كل ملامح السعادة على وجهي، الذي تغير نحو 180 درجة لتكسوه سحب الغضب السوداء والغيظ الحمراء، وذلك بعدما شاهدت فوجا رياضيا إسرائيليا يدلف إلى القرية الأولمبية وهو سعيد بمركز رياضي متقدم حققه في هذا اليوم.

وبينما وقفت مستدعيا كل الألفاظ النابية التي أحتفظ بها في خزانة الذاكرة لسب ذلك الوفد الصهيوني المستفز فوجئت به يربت على كتفي ويقول لي بلهجة شامية: «يبدو أنك تضايقت لرؤية هؤلاء اللاعبين الإسرائيليين؟!».. فرددت عليه قائلا: «ألم تتضايق مثلي من رؤية (ولاد الـ...) هنا وكأنهم لم يكفهم وجودهم بيننا في منطقتنا وفي جسد وطننا العربي المغلوب على أمره، وكأنهم ورم سرطاني خبيث ينغص علينا حياتنا، فأتوا إلى هنا أيضا ليعكروا علينا صفو مشاركتنا العربية اليتيمة في الأولمبياد؟!».. فجذبني من يدي وقال لي: «الكلام سيطول بيننا، يجب أن أعزمك على قهوة (مجانية) من تلك التي تقدم للرياضيين في مطعم القرية الأولمبية»!.. فقبلت عزومته «المجانية» تلك لعلها تطفئ نار غضبي من ذلك المشهد الذي أنساني واجبي الصحافي في تغطية أحداث الأولمبياد.

وبمجرد أن جلسنا فوجئت به يبتسم، وتزايدت حدة ابتسامته الصفراء لتصل إلى حد الضحكات العالية و«القهقهة» التي لفتت أنظار الموجودين في المطعم الأولمبي، وقال لي: «لم تسألني عن اسمي.. هل اكتفيت بلهجتي الشامية لتعبر لي عن مدى سخطك من الوفد الإسرائيلي؟».

قلت له: «عفوا منظر حفدة القردة والخنازير أنساني أن أسألك عن اسمك وبلدك، هل أنت من سوريا أم من الأردن أم من لبنان أم فلسطين؟»..

قال لي بلهجة متعجبة: «وهل الشام ليس به سوى هذه البلدان الأربعة؟!»..

قلت: «حدود معلوماتي الجغرافية كذلك»..

قال: «لكنك مصري، وبيننا وبينكم اتفاقية سلام.. أناااا (وسكت لبرهة وكأنه يخترع اسمًا له).. أنا شلومو صحافي إسرائيلي، ويسرني التعرف عليك»!!

ولم أفق من الصدمة إلا وأنا أقف غاضبا ورافضا مواصلة الحديث معه، وقررت أن أتمالك أعصابي لكي لا أوجه له لكمة قوية في وجهه الذي ارتسمت عليه ابتسامة خبيثة تحدتني بغرور.. فقال لي: «اجلس ولا تكن مثل كل العرب».

قلت له: «وما لهم العرب؟!»..

قال «يفعلون مثلما فعلت تماما.. يرفضون التواصل مع الآخر أو حتى معرفته عن قرب، على الرغم من أن دينكم الإسلامي يحثكم - كما أعلم - على العلم والمعرفة».. وباغتني بسؤال مفاجئ قائلا: «أنت صحافي رياضي محترف؟»..

قلت له: «نعم»!

قال: «ماذا تعرف عن الرياضة الإسرائيلية.. تاريخها، ونشأتها، وتطورها.. ومدى الاستفادة المجتمعية منها في وطننا إسرائيل؟!»..

قلت له بنبرة تغطيها معاني الاحتقار: «أنا لا يشرفني أن أعرف شيئا عن تاريخكم الصهيوني الاستعماري الاستيطاني، ويكفي سطوكم على التاريخ الكروي لدولة فلسطين في ملفات دولة الفساد بزيوريخ الشهيرة بالاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا».

قاطعني ضاحكا: «هل هذا كل ما تعرفه عن تاريخ الرياضة الإسرائيلية؟!.. لن أدافع عن الواقعة التي ذكرتها عن سطونا وسرقتنا - بحسب تعبيرك - على تاريخ كرة القدم الفلسطينية وإرجاع تاريخ انضمامنا للفيفا لتاريخ يسبق تاريخ إنشاء دولتنا نفسه!.. وسأترك لك أنت الإجابة عن هذا السؤال بنفسك إذا ما بحثت في تاريخ الرياضة الإسرائيلية وعلمت كيف استفاد رواد الحركة الصهيونية (العظام) من الرياضة كنشاط اجتماعي مهم لتأسيس دولتنا، في الوقت الذي نظرتم فيها أنتم للرياضة على أنها وسيلة من وسائل اللهو والإلهاء.. (إلهاء) من الحكام و(لهو) من المحكومين، ومضيعة للوقت ومفرغة لطاقات الثورة والغضب لدى الشباب الباحث عن الانتماء، وذلك في الوقت الذي استفدنا فيه نحن من الرياضة واستثمرنا في مادتها الخام التي هي أشبه ما تكون بالديناميت المفجر لطاقات الشباب الإسرائيلي، فجعلناهم أكثر انتماء لدولتنا، وأحلنا تراب الرياضة إلى ذهب خالص، وضحكنا من أعماق قلوبنا ونحن نشاهدكم تتصارعون وتتقاتلون في ما بينكم في الدولة الواحدة أو في ما بينكم كشعوب عربية بسبب مباراة لا قيمة لها في كرة القدم»!!

ساد الصمت الغاضب على الطاولة التي تفصلني عنه بعد كلماته هذه لدقائق قطعها هو بسؤالي قائلا: «أتحب أن تسمع نصيحتي؟»..

قلت لها ساخرا: «أمِثْلُكَ من ينصح مثلي؟!»..

قال: «سأقول لك كما يقول المصريون: خد كلامي وارميه البحر. وبحر الصين كبير جدا كما تعلم ويستوعب كلامي وأكثر»!

قلت له: «هات ما عندك، ودعني أذهب قبل أن أرتكب عملا يحاسبني عليه القانون الصيني ولوائح القرية الأولمبية»..

قال وهو يرتشف آخر قطرة في كوب قهوته: «أنت صحافي، والصحافي باحث عن الحقيقة، فلا تدع الثوابت والقشور التي تعرفها عن الرياضة الإسرائيلية تحكم نظرتك الضيقة لها، ولنظل أعداء كما تحب ولكن عليك أن تبحث في تاريخ أعدائك وتتعلم لغتهم بل وتجيدها لكي تعرف كيف تخاطبهم بها، ومن الواجب عليك أيضا أن تجيب عن عدد من الأسئلة المبهمة عن الرياضة الإسرائيلية التي أرى أن تاريخها القديم مشرف، والحديث مثمر، والمعاصر مشرق.. بالطبع هذا من وجهة نظرنا نحن الإسرائيليين، وقد تختلف هذه النظرة إذا جاءت من معسكر أعدائنا العرب» (قالها ضاحكا ثم ذهب مغادرا).

وبعيدا عن رأيي الشخصي في هذا الـ«شلومو»، فإنني تأكدت في تلك اللحظة من صدق مقولة إن «الشيطان قد يعظ أحيانا»، وإنه بات لزاما علي أن أجيب عن أسئلته تلك بالإضافة إلى عدد من الأسئلة التي تقافزت إلى ذهني. وبمجرد أن زالت سحابته السوداء من مطعم القرية الأولمبية ببكين بدأت أسأل نفسي عن حكاية الأندية الإسرائيلية الشهيرة مثل «مكابي» و«هابوعيل» و«بيتار»، وطبيعة تلك البطولة الرياضية اليهودية التي تشبه الأولمبياد والمسماة بالـ«مكابياه»، وكيف استثمرت الحركة الصهيونية في بدايتها الرياضة في تجميع شباب اليهود من شتات العالم داخل أندية تعلمهم فيها بناء الجسد القوي وتسمم عقولهم بمفاهيم العنصرية الصهيونية ومبادئها التي بنيت عليها دولة الكيان الصهيوني.

ومن وقتها لم يفارقني ذلك الحوار مع المدعو «شلومو»، الذي أعترف بأنه وعظني ودلني إلى طريق البحث لإنتاج سطور سلسلة المقالات هذه.. 

أحمد السباعى

أحمد السباعى

رئيس تحرير الموقع الرسمى للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات