لم أتوقع الفوز بالجائزة بعدما أشيع عن صعوبة الفوز بها أريد أن أترك للأجيال القادمة بذورا طيبة تحمل جينات مصرية خالصة
فازت الكاتبة انتصار عبد المنعم بجائزة عبد الحميد شومان لأدب الطفل فى دورتها الثامنة عشرة، والتى اختصت فى مجال الرواية فى موضوع أدب المغامرات الموجهة لليافعين، وذلك عن روايتها "الفتى الألمانى فى إجازة"، انتصار روائية وقاصة وكاتبة أدب أطفال وباحثة فى التراث، حاصلة على عدد من الجوائز فى الرواية والقصة وأدب الطفل فى مصر وخارجها، صدر لها مؤخرا رواية "نخلة شافع – حكايا البحر والبحيرة"، تحدثنا معها عن الجائزة وعن روايتها الأخيرة وعن مشروعها القادم.
حصلت على جائزة "عبد الحميد شومان" لأدب الطفل عن روايتك "الفتى الألمانى فى إجازة"، ماذا تمثل لك هذه الجائزة؟
لم أتوقع الجائزة، فقد سبق لى الاشتراك فيها من قبل ولم أوفق، وبعدما اشتركت مجددا، لم أتابع أخبارها، بعدما أشيع أن من الصعب الفوز بها، فعلى مدار تاريخ الجائزة التى انطلقت عام 2006، فاز خمسون كاتبا، لم يكن بينهم إلا 3 مصريين.. وعندما أُعلنت القائمة القصيرة التى تضم 6 أعمال، لم أعلم إلا متأخرا عندما أرسل لى بعض الأصدقاء الخبر على الواتس آب، وقتها شعرت أن وصول روايتى للقائمة القصيرة غير عادى، لعدة أسباب أهمها أنها تدور فى نفس الفضاء المكانى لثلاثية البحيرة، وأن "أسامة" الفتى المصرى المهاجر مع أسرته إلى ألمانيا، يخوض المغامرات فى مدينة "إدكو" نفسها المعروفة باسمها المصرى القديم "جوكات" الذى يعنى الأرض المرتفعة.. فزت بالجائزة، وهو فوز لمدينتى، مسقط رأسى، وهذا ما أريد أن أوصله للأجيال التى أقوم بالتدريس لها: أن مسقط رأسك هو وطنك، وبقدر إيمانك بنفسك، تستطيع أن تنجح وأنت فى هذه النقطة الصغيرة البعيدة عن العاصمة.
حصلت على العديد من الجوائز الــمهـمة. فـمـا أهـميــة الــجــوائز للمبدع؟
الجوائز تمثل دعما معنويا وماديا للكاتب، وهناك من الجوائز ما تفوق قيمتها المعنوية قيمتها المادية، مثل جائزة "إحسان عبد القدوس" فى القصة التى حصلت على المركز الأول فيها. وهناك جوائز لا تقدر بثمن مثل "جائزة الدولة التشجيعية" التى حصلت عليها عام 2015 عن عام 2014. كل جائزة حصلت عليها، جعلتنى أشعر بالمسؤولية أكثر تجاه ما أكتب، ودفعتنى للتدقيق فى كل كلمة وكل عمل أكتب عليه اسمى. فى نفس الوقت، هذه الجوائز لا يمكن أن نعتبرها مقياسا عادلا نقيس عليه إبداع الكاتب، فكم سمعنا عن جوائز ذهبت لمن لا يستحق، لكن فى النهاية لا يصح إلا الصحيح، فهؤلاء المانحون بغير عدل، والحاصلون عليها بغير حق، لن تزيدهم الجائزة إبداعا، ولن تضمن لهم احترام الذات وتقدير الناس.
ما تفاصيل روايتك الأخيرة "نخلة شافع"؟
تبدأ أحداث الرواية انطلاقا من مكان تواجد "نخلة شافع". وقد تخيرت للرواية اسم شجرة نخيل، وكانت موجودة بالفعل فى جبانة المدينة إلى جوار مقام الصحابى شافع بن السائب، وهو الجد الرابع للإمام الشافعى، ويقال إنه جاء إلى إدكو مع جيش المسلمين فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب. ونالت تلك النخلة شهرة واهتماما من أهل المدينة لأنها فى نظرهم تركت عالم الأحياء ونبتت وسط المقابر إلى جوار مقام شافع، فأصبح اسمها نخلة شافع..
والحقيقة لست أول من يكتب عن "نخلة شافع"؛ فقد ذكرها الشاعر والمؤرخ محمـد محمود زيتون (15 يناير 1916 - 24 ديسمبر 1978) فــى قصيدة «على شاطئ الموت» الـمنشورة فى صحيفة الأهرام عام 1938.
الــرواية هــى الــجـــزء الــثــالــث والمتمم لثلاثية البحيرة، فما الذى يميز هذه الثلاثية؟
"نخلة شافع/حكايا البحر والبحيرة" رواية مستقلة بذاتها، وفى نفس الوقت تعتبر الجزء المتمم لثلاثية البحيرة، التى تضم رواية "كبرياء الموج" وكان محورها البشر فى حياتهم اليومية البسيطة، والثانى "جوكات/ حكايا الدار الحمراء" وفيها يظهر المكان كبطل رئيس له سطوة على شخوص الرواية.. والبشر والمكان لا وجود لهما إلا على البحر والبحيرة، وهنا جاءت حكاياهم فى "نخلة شافع/ حكايا البحر والبحيرة" والبحر المقصود هو البحر المتوسط، والبحيرة هى بحيرة إدكو، تلك البحيرة التى تحمل محافظة البحيرة اسمها. أى أن الثلاثية عن فضاء مكانى واحد "مدينة إدكو" لكن من زوايا مختلفة، وطرائق مختلفة فى السرد. ويمتزج فيها التاريخ والجغرافيا فى مزيج إنسانى يشمل إنسان الماء وإنسان الصحراء وروح الغجرى الطواف الذى لا يرضى بغير البراح بديلا.. وشخوصها يتعاطون مع البحر والبحيرة والبر، فى الصيد والزراعة وضفائر سعف النخيل.
الرواية تتناول عالم الصيادين، هل درست ما يتعلق بهذا العالم، أم أنك تعاملت معه عن قرب؟
أمضيت ما يزيد عن العامين وأنا أعد نفسى لكتابة "نخلة شافع" بقراءة عميقة لكتب ومراجع عن البحر والصيد، فقرأت على سبيل المثال موسوعة "الفلكلور والبحر"، تأليف هوراس بيك، وفنون البحر تأليف "جمال عبد البر"، وغيرهما. وبالطبع كان لابد من سماع الصيادين وهم على نوعين، صيادى البحر وصيادى البحيرة. وبالفعل، عايشت النوعين فى البحر وبحيرة إدكو، وبحيرة البرلس، لأحصل على المعرفة العملية التى تمكنى من كتابة مشاهد الصيد والحديث بلسان وعين الصياد. وعندما شعرت أنى مستعدة للكتابة، بدأت، ولعامين آخرين قضيتهما فى كتابة "نخلة شافع"، ولم أجرؤ على تقديمها للنشر إلا بعد عرضها على اثنين من مثقفى مدينة "إدكو" على دراية بالمنطلق الذى أنظر منه إلى حياة البشر فى مدينتهم، وهما: محقق التراث الكاتب هانى طه، والأستاذ فريد على، الذى أفادنى بما يحفظ من أغانى مندثرة كانت مرتبطة بطقوس صنع الخبز وغيرها.
هل الرواية مذكرات شخصية لك، أم سيرة حياتية للبشر فى المكان؟
كل عمل لى، وخاصة ثلاثية البحيرة، بها مشاهد عشتها أو شاهدتها. فالجزء الأول "كبرياء الموج" فيه حديقة بيت عائلتى، وشجرة الزيتون العتيقة التى كانت تتوسطه وغيرها، لكن ذلك لا يعنى أنها سيرة ذاتية خالصة، بل هى مزيج من الواقع والخيال، بحيث لم يعد هناك فاصل مرئى يفصل بينهما. وفى "جوكات" استفدت فيها من تجربتى بالسفر عن طريق البحر الأحمر والعبارات لأكتب وصفا دقيقا للسفر بحرا، أما "نخلة شافع" ففيها ما شاهدت، وما سمعت، عن صور الحياة اليومية التى اندثر أغلبها، ولذلك أعتبرها سيرة حياتية للمكان نفسه.
كيف أثرت المتغيرات الثقافية والاقــتصاديــة عــلـى مـــجتمـع الصيادين، وكيف حافظوا على تراث مجتمعهم؟
للأسف الشديد، الأثر كان قاسيا، وأصبحت حياة الصيادين التى أتحدث عنها فى أعمالى، حلما جميلا، يوشك أن تغرب شمسه، وخاصة من يعملون فى الصيد فى البحيرة.. قل عددهم، وقلت مساحة البحيرة نفسها، بعد أن تحول أغلبها إلى مزارع سمكية.. كنت دائمة التردد على أماكن تواجد الصيادين، وأعرف أكثرهم، ولذلك تابعت ما يحدث لهم، واستمعت إليهم، يتحدثون عن جبال قلة الحيلة التى يحملونها على ظهورهم، نتيجة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، أعمارهم لا تتجاوز الأربعين، لكن من يراهم يظنهم فى الثمانين.
لك مقولة "البحر فى إدكو لا يحب النساء"، فهل المرأة لم تحصل على حقوقها فى الحرية؟ وهل المرأة تملك القدرة على التغير ومواجهة المجتمع؟
ما أقصده أن بحر إدكو ليس للتنزه، فليس له كورنيش مثل بحر الإسكندرية. لأن بحر إدكو، أصبح جزءا من مشاريع عملاقة ويوجد عليه أكبر حقل للغاز المسال فى الشرق الأوسط وغيرها، إلى جانب الصيد.. هكذا لا مجال لوجود النساء. بالنسبة لموضوع الحرية، فالمرأة فى إدكو، تحصل على نصيبها من التعليم مثل الرجال تماما، داخل المدينة وخارجها، بل وخارج مصر أيضا، وتعمل فى كل المجالات. ولذلك المرأة ليست فى صراع مع المجتمع، ولا تنظر إلى فكرة تغيير المجتمع نفسه، لكنها تنظر إلى تحقيق الأفضل لنفسها، بتحصيل العلم والحصول على وظيفة تمكنها من إعالة نفسها وأسرتها، وهذا فى حد ذاته تغيير كبير للمجتمع الذى أصبح مجبرا على تقبل هذا الواقع.
أعمالك متنوعة بين القصة القصيرة والرواية وأدب الطفل، بالإضافة إلى كونك باحثة فى التراث، فكيف كانت البداية؟ وكيف جاء التحول من نوع أدبى لآخر؟
البداية كانت بكتابة الشعر فى المرحلة الثانوية، ثم كتبت القصة فى نفس المرحلة وحصلت على المركز الثانى على مستوى طلاب المحافظة.. ثم توقفت عن الكتابة، إلى أن بلغت من العمر 37 عاما.. وكان أول إصدار 2008 مجموعة قصصية حصلت بها على جائزة الدكتور عبد الغفار مكاوى فى اتحاد كتاب مصر، تلاها عام 2010 رواية "لم تذكرهم نشرة الأخبار/ وقائع سنوات التيه) وتوالت الإصدارات المتنوعة من غير تعمد منى لاختيار نوع أو تفضيل نوع على آخر.. لكن كان ما يحكمنى المادة التى أقدمها، أو المضمون، فعندما لم يسعفنى الشعر لقول ما أريد، كتبت القصة، وهكذا.. وعندما أردت عيش حياة الحرفيين العاملين فى مجال صنع "السداة/ الأكياب" من البوص البرى، وصانعى منتجات الجريد "القفاصين" كتبت عنهم كتاب (حرف الأجداد.. مستقبل الأحفاد) ونزلت إلى حيث توجد أماكن تجمعاتهم القليلة فى إدكو ورشيد.. فالموضوع يفرض على الشكل أو النوع المناسب له، ولا تفضيل لنوع على آخر إلا فى مدى ملاءمته لما أريد كتابته. بالنسبة لى "فعل الكتابة" نفسه هو ما يروق لى، ولذلك أردد دائما مقولة "روعة أن تكون كاتبا" واتخذت منها "هاشتاج" يخصنى.
من أهم الكتاب الذين تأثرت بهم خلال رحلتك الأدبية؟
بدأت القراءة مبكرا جدا، فقد نشأت فى بيت يشجع على القراءة فى كل المجالات، وكانت أولى القراءات من مكتبة الكلية البحرية التى اعتاد والدى استعارة الكتب منها، وكانت فى مختلف المجالات، ومنها علوم البحار والفلك والأدب والتاريخ وغيرها، واستمرت مسيرة القراءة بالعربية والإنجليزية، ولم تتوقف إلى اليوم، ولذلك أعتبر نفسى نتاج كل هذه المعرفة التى حصلت عليها طيلة 50 عاما بعد أن تعلمت القراءة والكتابة، فمن المؤكد أن كل كاتب قرأت له، ترك فى عقلى الباطن أثرا، وأثر المعرفة لا يزول.. لكنى أستطيع أن أقول إنى اكتسبت "الشجاعة" من العظيم نجيب محفوظ، كى أكتب عن فضاء مكانى واحد، وأن أختلط بالناس وأكتب حياتهم فى هذا المكان الذى لا يشبه غيره، إلى أن نجحت فى الحصول على هوية جديدة تنسبنى إلى هذا المكان عندما يُذكر اسمى.
تناول عدد من الباحثين رواياتك للـحصــول عـلــى درجـــات عـلمـيــة كالماجستير والدكتوراه، هل هذا يعد إضافة للعمل؟
تناول أعمال أى كاتب فى دراسات الماجستير والدكتوراة، له دلالة كبيرة بأن هذه الأعمال تستحق الدراسة الجادة، وكما نعرف أن هذه الرسائل تستغرق سنوات لإعدادها، وجهدا كبيرا من الباحثين، ويتم تبادلها بين الجامعات والاحتفاظ بنسخ منها فى المكتبات، كل هذا أعتبره نجاحا واستمرارا لدور الكاتب حتى بعد رحيله، ولذلك أعتز بأن أعمالى كانت موضع نقاش وتناولتها خمس رسائل جامعية لباحثين من مصر والجزائر والصين والعراق.
هل مهنتك كمعلمة أضافت إلى إبداعك أم أعاقته؟
عملى كمعلمة منحنى الاستقلال المادى الذى جعلنى مطمئنة البال، لا أستعجل الكتابة والنشر، بهدف الحصول على دخل، وجعل فعل الكتابة نفسه هواية، وليس حرفة أتكسب من ورائها. لكن، فى الوقت نفسه، تعب التنقل اليومى بين محل إقامتى فى الإسكندرية ومكان عملى فى محافظة أخرى، استهلك منى جهدا ووقتا فى رحلة السفر اليومية، وجعلنى دائمة الاعتذار عن حضور الفعاليات المختلفة لضيق الوقت.
ما مشروعك القادم؟
هناك عمل كبير أجمع له المادة العلمية، يتعلق بالتاريخ السوسيولوجى لمدينة إدكو، لكن ما يشغلنى حاليا وأعمل عليه بالفعل، بعيد عن مجال الكتابة، ويتعلق بجمع أكبر عدد من بذور النباتات المصرية التى لم تخضع للتهجين أو المعاملات الجينية، والاحتفاظ بها للأجيال القادمة، فكما أترك لهم كتبا تذكرهم بتراثهم وأرضهم، أريد أن أترك لهم بذورا طيبة، تحمل جينات مصرية خالصة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أطلقت الكاتبة الصحفية فتحية حماد أول إصداراتها الفكرية والثقافية، من خلال كتاب يحمل عنوان "إذاعة القرآن الكريم وبناء الوعي الاجتماعي...
العائلة الكبيرة هجّت من حر شوارع القرية إلى حدود شط النيل.. جمعوا أنفسهم، من الرجال إلى الأطفال، منهم من لم...
جده جاء من بريطانيا واشترى مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية فى ولاية فيرجينيا ووالده كان يعمل قبطاناً بحرياً تولى مهام...
محمد العسيرى: قيمة إمام لا تسقط باستبعاد نجم الحالة الذكورية فى حياته خلقت نوعًا من الحدة و «النشفان» فى ألحانه...