البابا كيرلّس الخامس.. حامى الكنيسـة المصرية من مؤامرات الإنجليز

شخصيات لها تاريخ «43» كان راهبا فى دير البراموس بوادى النطرون وكان اسمه الدينى «يوحنا الناسخ» وعائلته من «تزمنت» فى بنى سويف وانتقلت إلى الشرقية كان من مؤيدى الثورة العرابية واعتبر دخول الإنجليز مصر من الأعمال المخالفة لتعاليم المسيحية وتصدى لفتنة «المؤتمر القبطى» وأيّد سعد زغلول فى ثورة 1919 هو البابا رقم مائة واثنى عشر فى تاريخ «الكرازة المرقسية» وجلس على كرسى البطريرك اثنين وخمسين عاما قضاها فى خدمة الشعب القبطى

البابا كيرلس الخامس، ليس مشهــــورا لــدى المصريين، مقـــارنــة بـــالبـــابـــا "كــيــرلـــس السادس" أو "البابا شنودة"، لأنه توفى أو "تنيّـح" فى الــــعام 1927، وهــــو مـــــن مــــواليـــــد 1824 أى أنــــــه عاش مائة وثلاثة أعوام، وعائلته معمرة، وهو من بنى سويف، بالتحديد قرية "تزمنت" لكنه عاش مع والديه فى كفر سليمان بمحافظة الشرقية، وهو البابا رقم مائة واثنى عشر، فى قائمة الذين جلسوا على كرسى "الكرازة المرقسية" فى الإسكندرية ومصر كلها والحبشة والمدن الخمس فى شمال أفريقيا، ولولا أن المؤرخ والكاتب الصحفى الراحل "صلاح عيسى" كتب عنه فى مجلات وصحف صدرت داخل مصر وخارجها، لضاع مع الذين ضاعوا، لكن هذا البابا هو من صاغ "خطاب الوطنية" الذى تبناه قبط مصر فى زمن الثورة العرابية، ثم زمن ثورة 1919، وكان موقفه الوطنى الصلب هو السبب الذى أثار ضده الاحتلال الإنجليزى وأعوانه فى الداخل من نوعية رئيس النظار "بطرس غالى" وغيره من أتباع المندوب السامى البريطانى والخديو عباس .

تولى "البابا كيرلس الخامس" مسئولية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مدة زادت على نصف القرن، وكما قال عنه ـ الكاتب الراحل صلاح عيسى ـ كان رجلا طاهرا نقيّا، شفافا كالندى، وفى الوقت نفسه كان قويا كأقوى ما يكون الرجال، عنيدا، يملك قدرا بالغا من التحدى، وظهر هذا فى المعركة التى أشعل نارها "بطرس غالى" وكيل إحدى النظارات، ثم رئيس النظار فى مرحلة لاحقة، بدعوى تأسيس "المجلس الملّى" الذى دعا إلى تأسيسه فريق من المسيحيين بدعوى حماية أموال الكنيسة ومراقبة الأديرة والرهبان ومتابعة سير المدارس القبطية وغيرها من أمور الأقباط الأرثوذكس.

 يوحنَّا الناسخ 

 التاريخ الدينى للبابا كيرلس الخامس، مدون فى عدة مصادر قبطية، ورغم اختلاف هذه المصادر فى قضية "المجلس الملّى" وقضية تاريخ ميلاده، إلا أن مصادر أخرى مهتمة بتاريخ الكنيسة القبطية أكدت أنه من مواليد 1824 أى أنه من مواليد عهد "محمد على"، وتوفى فى العام 1927، أى أنه عاصر من خلفاء محمد على "إسماعيل، محمد توفيق، عباس حلمى الثانى، السلطان حسين كامل، الملك فؤاد" وعاصر من الزعماء الثوار الوطنيين "أحمد عرابى، مصطفى كامل، محمد فريد، سعد زغلول".

وكانت الظروف السياسية المصرية، والخطاب الاستعمارى الإنجليزى، تفرض عليه اتخاذ موقف "وطنى" لايخالف "الإنجيل" ولا يجعل من الأقباط خونة لشركائهم "المسلمين" فى ظل دعاية بريطانية استعمارية كاذبة، تقول إن "بريطانيا" احتلت مصر لتحمى "الأقباط" وتدافع عن مصالحهم وتضمن لهم حرية العقيدة، واستطاع "البابا كيرلس الخامس" أن يرسم خارطة الطريق الوطنية فى ظل الدعاوى الاستعمارية الهادفة إلى القضاء على استقلال الكنيسة الأرثوذكسية، وتحويل "القبط" إلى "المذهب الإنجيلى" بتوظيف مباشر للبعثات التبشيرية، التى تدفقت على مناطق إقامة الأقباط فى الإسكندرية والقاهرة والمنيا وقنا، وهذه القوة التى جعلته يواجه هؤلاء الأعداء استمدها منذ طفولته وشبابه، فهو تربى يتيم الأب، وتكفّل به أخوه "المعلّم بطرس" ولما بلغ سن الرشد رسمه "الأنبا إبرام" ـ مطران القدس ـ شمَّاسا، وكان تبدو عليه دلائل التقوى والميل إلى الزهد والانقطاع عن العالم ومحبة الكتب والقراءة، وفى العام 1844 نذر نفسه للحياة البتولية والعيش من أجل العبادة، فقصد دير "السريان" ليكون راهبا، وسعت العائلة لإرجاعه، ولكنه عاد ثانيةً إلى "دير البراموس" فى منطقة "وادى النطرون" القريبة من محافظة البحيرة، وكان "دير البراموس" يعانى من شدة الفقر، وكانت إيراداته  قليلة، وكان "الرهبان" الذين يعيشون فيه، يعتمدون على "الترمس" المدخر لديهم منذ عصر "المعلم إبراهيم الجوهرى" الذى كان مقرّبا من "محمد على باشا" وله مكانة أدبية، وكان يرعى شئون الأقباط المدنية والدينية، وانخفض عدد الرهبان فى "دير البراموس" إلى أربعة رهبان، وكان اسمه فى الدير "يوحنّا الناسخ" لأنه كان ينسخ الكتب الدينية وينفق من عوائدها على الرهبان، ورُسم قِسّا، ثم قمُّصا، وكان له موقف طيب من المؤتمر القبطى الذى انعقد فى أسيوط، بدعوى بحث مطالب الأقباط، عقب مقتل "بطرس غالى" رئيس الوزراء "النظّار" على أيدى الشاب "الوردانى" عضو الحزب الوطنى، وهو الأمر الذى صوّره "كرومر" على أنه "حرب طائفية دينية" بين الأقباط والمسلمين، ونفخت فيه صحف "المندوب السامى" وهيّجت الشعور الدينى لدى المصريين، وتحول الأمر من جدل فكرى وصحفى إلى مؤتمرات دعا الأقباط إليها، وكذلك دعا "عقلاء القبط" إلى مؤتمر يجمع شمل الأمة المصرية، وكان "البابا كيرلّس الخامس" صاحب موقف وطنى، أفسد على الاستعمار وأعوانه خطة التفريق بين المسلمين والأقباط.

 حرب المذاهب المسيحية

 كانت الحروب الصليبية فى القرون الوسطى، موجة استعمارية استهدفت "الشرق" للحصول على الأموال والأرباح، لكنها غلَّفت خطابها الاستعمارى بمقولات دينية من نوعية "تحرير قبر المسيح من قبضة المسلمين" ومنح "الجنة" للذين يموتون دفاعا عن "قبر المسيح" ودفاعا عن "الصليب"، وفى ظل التقدم العلمى فى القرن التاسع عشر واكتشاف "قوة البخار" وتطور "الرأسمالية الأوربية" وقدرتها على دخول قارة آسيا وأفريقيا، واحتلال أراضى البلدان التى تمتلك ثروات معدنية، وأراضى خصبة تصلح لزراعة القطن، تدفقت البعثات التبشيرية الأمريكية والبريطانية على "مصر" وكانت مصر مسرح الصراع بين المذاهب المسيحية الثلاثة "الأرثوذوكسى، الكاثوليكى، الإنجيلى" وكان على "البابا كيرلّس الخامس" الدفاع عن الكنيسة المصرية ذات المذهب الأرثوذكسى، وحمايتها من كل محاولات تذويبها وتحويلها إلى كنيسة تابعة لأى من المذهبين "الكاثوليكى والإنجيلى" ومنذ العام 1854 انتشرت مدارس ومستشفيات تابعة للمبشرين القادمين من أمريكا وأوربا، وكان عليه أن يواجه هذا التيار العارم، بتثبيت العقيدة لدى شعب الكنيسة الأرثوذكسية، والنهوض بالمدارس والاجتماع برجال الإكليروس وإظهار خطورة الحرب المذهبية التى فرضها الاستعمار، وكانت معركة "المجلس الملّى" هى القشة التى قصمت ظهر البعير، واختبرت قوة إيمان وصمود "الكنيسة المصرية" فى مواجهة "ٍٍٍٍالإنجليز" وأعوانهم .

وقال "يوسف بك منقريوس" فى كتابه "القول اليقين فى مسألة الأقباط الأرثوذكسيين" عن معركة "المجلس الملّى" وموقف "البابا كيرلس الخامس" منها:

"لمّا ارتقى غبطة البطريرك كرسى البطريركية، وضع أعضاء المجلس لائحة تقضى بوجوب نظر المجلس فى مصالح الكنائس وأحوالها والمدارس، والأحوال الشخصية والأوقاف، ورسامة القسس، والتمس البابا البطريرك من الحكومة التصديق على اللائحة، فصدّقت عليها بتاريخ 14مايو 1882 إلا أن هذه اللائحة كانت حبرا على ورق، لأن أعضاء المجلس لم يهتموا بشىء ولم يوجهوا نظرهم للاهتمام بما يستدعى جهادهم، ولبث مجلسهم ينحل شيئا فشيئا، حتى فارق الحياة، وبعد مدة تحرك أبناء الأمة فطلبوا من غبطة البطريرك تشكيل المجلس فأبى أن يجيبهم، بدون تعديل اللائحة، وحذف ما فيها مما يخل بسلطاته الروحية، فلم يقبلوا، فرفعوا أمرهم إلى الخديو "توفيق" وعزموا على عقد اجتماع لإعادة الانتخاب "انتخاب أعضاء المجلس الملّى" فكتب "البابا كيرلس الخامس" يحيط مجلس "النظّار" علما بالمسألة وطلب منع "الاجتماع" ومُنع، ثم استدعى "البابا كيرلس الخامس" المطارنة والأساقفة وكبار القسوس من كل الجهات وعقد بهم اجتماعا إكليريكيا، أصدروا فيه قرارا يقضى بضرورة عدم تدخُّل أحد من "الشعب" فى أمور الكنيسة ومتعلقاتها".

  البابا فى المعركة

 معركة البابا كيرلس الخامس مع أعداء الكنيسة القبطية لها جذور ترجع إلى زمن البابا "ديمتريوس" الذى توفى، وتولى من بعده وكيل البطريركية "الأنبا مرقس" مطران "البحيرة" إدارة شئون الأقباط، وكانت فى تلك الفترة توجد جمعية تسمى "الجمعية الإصلاحية" تضم عددا من الأقباط، من غير رجال الكهنوت، يسعون إلى ترقية الأقباط والاهتمام بشئونهم، بنشر التعليم وفتح الملاجئ وطباعة الكتب وتقديم المعونات للفقراء وبناء المستشفيات، وطلب هؤلاء تشكيل مجلس منتخب يضم العناصر الصالحة من الأقباط، ليكون لهم دور فى النهوض بالشعب القبطى والكنيسة، واختار "مطران البحيرة" أن يكون لهؤلاء دور"عرفى" فى خدمة الأقباط، من دون صفة رسمية، وظل هذا الوضع أربع سنوات، وهى المدة التى سمحت لهؤلاء فى ظل عدم وجود "البابا" باعتبار أنفسهم ممثلين للأقباط، وفى يناير 1874 اجتمع عدد كبير من هؤلاء المهتمين بالعمل الخيرى، واتفقوا على مطالبة الحكومة بإصدار تشريع ينص على وجود "مجلس ملّى للأقباط" أو "جمعية عمومية" لهم، وحسب ما ذكر ـ قلّينى فهمى فى مذكراته ـ أن الأقباط كانوا فى تلك الفترة يخضعون للمسئولين الكبار من القبط، وكان "بطرس باشا غالى" فى ذلك الوقت يشغل منصب "وكيل نظارة" أو "وكيل وزارة" وعلى صلة طيبة بالخديو "إسماعيل" ورجال الحاشية الخديوية، وتبنى ـ غالى ـ فكرة إنشاء "مجلس ملّى للأقباط" وذلك فى فبراير 1874وطُلب من "المجلس الملّى" أن يحدد لنفسه الاختصاصات ويضع اللائحة الداخلية التى تنظم عمله، وفى نوفمبر من العام نفسه، انتخب الراهب "يوحنّا الناسخ" رئيس "دير البراموس" بطريركا باسم "الأنبا كيرلّس الخامس" وشارك "المجلس الملى" فى انتخابه، وبعد التنصيب الدينى، التقى البابا أعضاء المجلس الملّى، وبمرور الأيام بدأ البطريرك الجديد يضيق بالمجلس، ويشعر بأنه معطل له عن القيام بدوره الدينى. وهنا نعود إلى الراحل صلاح عيسى ما كتبه تحت عنوان "البطريرك فى المنفى" وقوله عن المعركة التى شغلت الأقباط والمسلمين:

ـ كانت السنوات التى حدثت فيها هذه الحكاية، سنوات حزن عظيم، فجرح الاحتلال كان طريّا لم يزل، وأظافر الغزاة لاتكف عن النبش فيه، وعلى الرغم من هذا فإن المصريين على اختلاف مواقعهم وأعمارهم وأديانهم قد تابعوا فصولها باهتمام وقلق ولهفة، وعندما بدأت بشائر الثورة العرابية، تحركت فكرة "المجلس الملّى" مرة أخرى، لأن عبدالله النديم أنشأ "الجمعية الخيرية الإسلامية لرعاية فقراء المسلمين"، وإنشاء المدارس ونشر التعليم بين الفقراء، ودعا الأقباط إلى تأليف جمعية مشابهة، وتشكلت "الجمعية الخيرية القبطية" برئاسة "بطرس غالى" وتبنَّت الجمعية فكرة "المجلس الملى" وصدر أمر بتشكيله، وحتى لا يقوم "البابا كيرلس الخامس" بتجميده، صدر قانون يحدد العلاقة بين "البابا" و"المجلس"، الذى أصبح اسمه الرسمى "المجلس العمومى للأقباط الأرثوذكس" وصدر القانون فى مايو 1882 ـ فى قلب أحداث الثورة العرابية ـ وهو الذى فجّرالخلاف بين "البابا كيرلس" وأعضاء المجلس الملى، وجعل "البابا" يخوض معركة شرسة، حتى أجبر بقوة "الشرطة" على مغادرة مقر البطريركية إلى "دير البراموس" وحدد القانون عدد أعضاء المجلس الملّى بأربعة وعشرين عضوا، ينتخبهم الأقباط الأرثوذكس، عن طريق اجتماع عام يُدعون إليه ولايقل من يحضره منهم عن مائة وخمسين شخصا، ويشترط فى من ينتخب عضوا بهذا المجلس أن يكون فى سن الثلاثين، وأن لايكون من العاملين فى الجيش أو فى فترة "الاحتياطى" للخدمة العسكرية، ويتشكل المجلس من اثنى عشر عضوا أصليا واثنى عشر عضوا احتياطيا، ومدة العضوية فى المجلس خمس سنوات، وينتخب الأعضاء "الوكيل" ويكون "البابا" هو الرئيس للمجلس بحكم منصبه الدينى، ويكون المجلس مختصا بكل الجوانب غير الدينية فى حيوات الأقباط، فهو ينظر فى كل ما يتعلق بالأوقاف الخيرية والمدارس والكنائس والمطابع القبطية والمعونات المخصصة للفقراء، ويراقب وينظم حياة الرهبان فى الأديرة، وسجلات الزواج والتعميد والوفيات ونظرالدعاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية والانفصال الجسدى والطلاق والمواريث، واستثنى القانون المسائل الخاصة بالكهنة والقسس، وحصر مهمته فى حالة ارتكاب أحد هؤلاء مخالفة، يكون من حق المجلس الملّى لمجلس روحى يتشكل من أربعة من رجال الدين يرأسهم البطريرك، لكن اختيارهم يكون من اختصاص المجلس الملّى، وأجاز القانون تشكيل مجالس مليّة فرعية، ويتولى رئاسة المجلس الملى الفرعى الأسقف أو الرئيس الروحى ويتم انتخاب أعضائه بذات الطريقة التى أُنتخب بها أعضاء المجلس الملى العام.

فى العام 1891 توجه عدد من وجهاء الأقباط إلى البطريرك "كيرلس الخامس" وطلبوا منه إعادة تشكيل المجلس الملى مرة أخرى، فرفض وذكر لهم أن هذا المجلس قد شُكِّل أكثر من مرة ولم يقدم فائدة لشعب الكنيسة، وقال ـ البابا ـ إن اللائحة التى تحدد اختصاصات المجلس تخالف قوانين الكنيسة، واقترح عرضها على جمعية من المطارنة والأساقفة لبيان مدى توافقها مع الشريعة، ورفض الوجهاء اقتراح البابا كيرلس الخامس، فخرجوا غاضبين بعد تبادل كلمات قاسية مع "البابا" ووجهوا دعوات إلى الشعب القبطى لكى يجتمع لانتخاب جمعيته العمومية، وحددوا مكان الاجتماع بالدار البطريركية.

ويسرد الراحل ـ صلاح عيسى ـ تفاصيل المواجهة العلنية بين "البابا كيرلس الخامس" والعلمانيين من أنصار "المجلس الملّى" فيقول:

ـ أخطر "البابا كيرلس الخامس" الشرطة، فأحاطت القوات بدار البطريركية ومنعت المحتشدين من الاجتماع داخلها، وأمر البطريرك على الفور بتشكيل مجمع إكليريكى مقدس، مؤلف من عموم البطاركة والأساقفة ورؤساء الأديرة ورؤساء الشريعة واجتمعوا بالفعل فى الكنيسة المرقسية بالقاهرة للنظر فى أمر انسجام تشكيل "المجلس الملّى" مع الإنجيل، وطلب منهم البطريرك إعطاء القرار النهائى فى الموضوع، وذلك بتطبيق نصوص الكتب المقدسة والقوانين الرسولية الدائمة المعمول بها فى الدين المسيحى والكنائس الأرثوذكسية من عهد يسوع المسيح إلى الآن، وظل المجمع المقدس مجتمعا عدة أيام، أرسل خلالها لدعاة تشكيل المجلس الملّى والمقتنعين بفكرته، يدعوهم للحضور للنقاش والحوار، ورفضوا الحضور، واكتفى الآباء القساوسة بأن كرروا دعوتهم مرة ومرتين، ثم ناقشوا الأمر وأصدروا قرارهم بأن فكرة إنشاء مجلس ملّى هى فكرة مخالفة للإنجيل والقوانين الكنسية، التى تعطى الأب البطريرك تفويضا كاملا فى كل الأمور العامة بما فيها تنفيذ الأحكام وتقدير العطاء للمستحقين، وقال المجمع فى قراره إن تداخل أحد من "الشعب" فى تدبير أمور الكنيسة ومتعلقاتها فى شكل مجالس أو بأى شكل هو مخالف للأوامر الإلهية والنصوص الرسولية، وإنشاء هذا المجلس هو سلب لحقوق الكنيسة، وشرف رؤسائها المأمور به من الإله وتسليم شعبها لقيادة من لم تكن لهم السلطة.

 الخديو توفيق والبابا

 قرر البابا "كيرلس الخامس" طبع قرار "المجمع المقدس" الذى يحرم تشكيل "المجلس الملّى" ويعتبره خروجا على تعاليم الدين والشرائع المسيحية، وتم توزيع نسخ منه على جميع كنائس مصر، وأرسلت نسخة منه إلى "الخديو توفيق" وسافر "البابا" إلى الإسكندرية، حيث كان "الخديو" يصطاف، وعرض عليه الأمر، وأشيع أن "البابا كيرلس الخامس" أسر للخديو أسرار الهدف الكامن وراء تشكيل المجلس الملّى، وقيل إن "الخديو" طيَّب خاطر "البابا"، وفى اليوم التالى سافر أصحاب فكرة "المجلس الملّى" إلى الإسكندرية، والتقوا "الخديو" وسمع مبرراتهم ثم قال لهم إنه لايمانع فى تشكيل المجلس الملّى، لكن بشرط موافقة البابا كيرلس الخامس.

وتطور الأمر إلى حد تأسيس جمعية من جانب أنصار "المجلس الملّى" حملت اسم "جمعية التوفيق القبطية" وإصدار مجلة، احتوت على مقالات هجومية ضد قداسة "البابا كيرلس الخامس" وقام مؤيدو "البابا" بتأسيس جمعية حملت اسم "الجمعية الأرثوذكسية "وخرجت المعركة من الطور الصحفى، إلى الطور التنظيمى، فتشكلت فروع لجمعية "التوفيق" فى الإسكندرية والمنيا وأسيوط، واستطاع ـ دعاة المجلس الملّى ـ استقطاب عدد من الكهنة على رأسهم "الإيغومانس فيلوثاؤس عوض"ـ رئيس الكنيسة المرقسية ـ وهى كبرى الكنائس المصرية فى تلك الفترة، وانهالت العرائض من جانبهم إلى الخديو، مطالبين فيها بتشكيل المجلس الملّى، وتوجه "بطرس غالى" إلى الإسكندرية فى صيف 1892 فقابل الخديو الجديد "عباس حلمى الثانى" ابن الخديو السابق "توفيق" وانتزع منه الموافقة على انتخاب المجلس الملى، وتحدد آخر يونيو موعدا لهذا الاجتماع وأوفدت وزارة الداخلية مندوبا عنها لمراقبة عملية التصويت وضمان نزاهتها، وكذلك فعلت "المحافظة" فأوفدت رجال الشرطة لتأمين الحاضرين ومنع المعارك بين أنصار "البابا" وأنصار "المجلس الملّى"، وكان من الفائزين بعضوية المجلس "بطرس غالى، يوسف وهبة، مرقس سميكة" ولم يحضر البابا، واكتفى بإرسال منشور إلى كافة الكنائس يتضمن رسالة منه أرفقها بالقرار الذى كان "المجمع المقدس" قد أصدره قبل فترة، ويتضمن اعتراضا على تشكيل المجلس الملّى واعتباره خروجا على تعاليم الديانة المسيحية .

 الخديو ضد البابا

 رغم انتصار "بطرس غالى" على البابا كيرلس الخامس، بدعم "الخديو عباس حلمى الثانى" له ولأنصار "المجلس الملّى"، لم يهدأ "البابا" ولم يسلّم بسهولة، بل خاض الحرب حتى النهاية، وعندما أشعل أنصار "المجلس الملى" ضده النار فى نفوس الأقباط الكبار، كان سلاحه القوى هم رجال الإكليروس، فكان "الأنبا يؤنّس" وكيل البطريركية يدعمه فى معركته، ولما سافر "مقار بك عبدالشهيد" ـ أحد أعضاء المجلس الملّى ـ إلى "صنَبو" فى "ديروط" للاتفاق مع "أسقف صنبو" على قبول القيام برئاسة المجلس الملّى وتولى منصب وكيل البطريركية، بادر "البابا كيرلس الخامس" بإرسال رسالة إلى "أسقف صنبو" يذكره بأنه كان أحد الموقعين على محضر المجمع المقدس الذى رفض فكرة المجلس الملّى، وعندما وصل أسقف "صَنَبو" محطة "بنى سويف" فوجئ بمظاهرة على رأسها أسقف بنى سويف بقرار طرده من الكنيسة، لأنه تعدى حدود وظيفته، وواصل ـ أسقف صنبو ـ رحلته إلى "القاهرة" ووجد باب البطريركية مغلقا، واجتمع "المجلس الملّى" وأصدر قرارا جاء فيه الرفض لقرار "البابا كيرلس" بطرد وحرمان أسقف "صنبو"، وطلب المجلس من ـ الحكومة ـ إصدار قرار بإبعاد "البابا كيرلس" إلى "دير البراموس" فى مديرية "البحيرة" ومعه وكيله "الأنبا يؤنس"على أن يبعد الثانى إلى دير "الأنبا بولا" فى بنى سويف، ووافق الخديوعباس حلمى الثانى، على مطلب المجلس الملّى، وكان سفر "البابا كيرلس" إلى "دير البراموس" فرصة لإظهار محبة الناس له، من القبط ومن المسلمين، وتقدم "حمزة بك" ـ شيخ مشايخ عربان البحيرة ـ إلى البابا فى محطة "كفر الدوّار" ووضع نفسه فى خدمته، ووضع حصانه الخاص تحت إمرة البابا المحبوب من الجميع، وسار ومعه وفد من العربان ليكونوا "حرس الشرف" للبابا حتى أوصلوه إلى "دير البراموس"، وقضى "البابا كيرلس" شهورا فى دير البراموس، واضطربت أحوال الكنائس، وعاش الأقباط حزانى على "البابا" المنفى بقرار من "الخديو" بناء على طلب من المجلس الملى، وانتهى الموقف العصيب بالحل الذى اقترحه "رياض باشا" رئيس الحكومة، فقد استدعى رؤساء الطائفة القبطية، وبعد مناقشة معهم، جلس مع "الخديو" وأفهمه خطورة الأمر، وتوصل "قلينى فهمى باشا" مع "رياض باشا" إلى حل يرضى الطرفين، وهو أن يتقدم "المجلس الملّى" بالتماس إلى رئيس الوزراء يرجوه فيه إعادة "البابا" إلى منصبه، وأن يتم إعداد "استقبال رسمى" للبابا، ويمنحه "الخديو" الوشاح المجيدى ـ أكبر وسام فى مصر آنذاك ـ وعلى الرغم من معارضة "بطرس غالى" تم التنفيذ، وأصدر "الخديو عباس حلمى الثانى" قراره بالعفو عن "البطريرك كيرلس الخامس" و"الأنبا يؤنّس" مطران الإسكندرية، وعند وصول البابا محطة "القاهرة" كان فى استقباله كبار رجال الحكومة، وفى المساء قابله "الخديو" ومنحه الوشاح المجيدى، وألغى المجلس الملّى، واستبدل بلجنة مؤقتة مكونة من أربعة أشخاص وظلت تمارس أعمال المجلس الملغى لمدة عشر سنوات.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد