شخصيات لها تاريخ «36» مكرم عبيد.. الابن الوحيد للـزعيم سعد زغلول

عائلة «جرجس الجوهرى» التى ينتمى إليها «مكرم عبيد» أصلها من أسيوط وانتقلت إلى قنا.. ووالده هو المقاول الذى مدَّ خط السكة الحديد من نجع حمادى إلى الأقصر درس القانون فى «أكسفورد» فى بريطانيا وفى «ليون» بفرنسا.. واقترب من «سعد زغلول» بعد استقالته من وزارة العدل

هو قبطى أرثوذكسى، من عائلة قبطية عريقة، وسعد زغلول، مسلم من عائلة مسلمة عريقة الإسلام، لكن الزعيم اعتبر "مكرم" الشاب ولده الوحيد، ولده فى الوطنية والنضال والكفاح من أجل استقلال الوطن، ورحل "سعد" وظل "مكرم" يناضل ويجاهد، حتى جاء اليوم الذى أجبرته فيه ظروف سياسية على الخروج من حزب الوفد، وكان يشغل منصب "السكرتير العام للحزب"، وكان خروجه بداية لموت الحزب سياسيا، وعلامة على انتهاء التحالف الذى كان قائما بين المثقفين وكبار ملاك الأراضى، وهيمنة "فؤاد سراج الدين" وانصراف "الجماهير" عن الحزب، لأنه لم يعد بيت الوطنية، بل أصبح حزب "الباشوات" وحدهم، وكان انتقال "مصطفى النحاس" من بيته فى "مصر الجديدة" وكان قريبا من بيت "مكرم عبيد"، إلى قصر كبير فى "جاردن سيتى" قريب من قصر "سراج الدين" يحمل نفس المعنى، فالحزب الذى تحمّل قضية تحرير الوطن من الاحتلال البريطانى، أصبح حزبا يدافع عن "القصر" ويبحث عن طريق يربطه به، على حساب الدستور، وهذه هى قصة "مكرم" من لحظة انخراطه فى السياسة، حتى اعتزاله وخروجه من المشهد  السياسى..

فى مدينة "قنا" بالصعيد، كان مولد المجاهد الكبير "وليم مكرم عبيد" فى العام 1889 وكانت "أسيوط" هى الموطن الأول لعائلته، وكان جده الأكبر، تزوج من ابنة المعلم "جرجس الجوهرى"، وانتقلت ـ عائلة مكرم ـ إلى "قنا" وكان "مكرم عبيد" والد "وليم" يملك ثلاثين فدانا، ثم تحول إلى العمل فى المقاولات، ونفذ هو وشقيق له أعمال الإنشاءات فى خط السكة الحديد بين "نجع حمادى" و"الأقصر"، وعقب إنجاز هذا العمل منحه الخديو "الوسام المجيدى" ورتبة "البكوية"، واشترى الأب المقاول، تسعمائة فدان من أراضى الخاصة الملكية، الموجودة فى "قنا"، وكانت وفاته فى العام 1925، وتلقى "وليم مكرم عبيد" تعليمه الابتدائى فى مدرسة حكومية فى "قنا"، ثم  قضى فترة قصيرة فى مدرسة "التوفيقية الثانوية"، وبعدها نصح الناس والده بأن يلحقه بالمدرسة الأمريكية فى مدينة "أسيوط" التى يشرف عليها المبشرون الأمريكيون، وظهر صوت ناصح آخر هو "أخنوخ فانوس" المحامى القبطى المشهور، وأقنع والد "مكرم" بضرورة إرساله إلى بريطانيا، للدراسة فى جامعة "أكسفورد"، وبالفعل التحق بهذه الجامعة العريقة فى العام 1905، وكان عمره، ستة عشر عاماً، وبعد حصوله على شهادة فى القانون فى العام 1908، انتقل إلى "ليون" فى فرنسا، ودرس فى جامعتها دراسات عليا فى القانون أيضا، وحسب ما أورده ـ دكتور مصطفى الفقى ـ فى كتابه "الأقباط فى السياسة المصرية ـ دار الشروق 1985، القاهرة" فإن "وليم مكرم عبيد" تأثر بالاتجاهات الفكرية فى فرنسا، وأعجب بالفكر الاشتراكى، ومن المهم أن نعرف أن عقيدة "وليم مكرم عبيد" هى "الأرثوذوكسية" رغم أن والده تحول إلى المذهب "البروتستاتنى" وهذا الالتزام والإخلاص للعقيدة "الأرثوذكسية" كان مقدمة للطموح السياسى، فهو يسعى للعمل السياسى الوطنى العام فى بلد محتل، ومن البديهى أن لايكون صاحب عقيدة تخالف عقيدة الجماهير.

 نضال مبكر

     الأقباط فى السياسة المصرية، كان لهم حضور بصور عديدة، من أهمها صورة "الخبير المالى" وهذه تولاها "إبراهيم الجوهرى" المقرب من "محمد على" ولكن شقيقه "جرجس الجوهرى" جد "وليم مكرم جرجس ميخائيل عبيد" كان اعتماده على نفسه، وجاء من نسله من ارتقى وامتلك الثروة، وكان التعليم فى جامعات "لندن" و"باريس" هو الطريق المؤدى للصعود الوظيفى، والذين درسوا فى جامعات أوربا، كانوا من القادرين ماليا، و"وليم" كان متفوقا فى دراسته، محبّا للقانون، فدرس فى جامعة "أكسفورد" فى بريطانيا، وجامعة "ليون" فى فرنسا، وحاز شهادات علمية تعادل درجة "الدكتوراه"، وهذا النبوغ فى القانون، فتح له طريق الوظيفة فى وزارة العدل، فعمل فى موقع "سكرتير الوقائع المصرية" وهى الجريدة الرسمية للدولة المصرية، ثم عمل فى وظيفة "سكرتير هيئة المستشارين القانونيين البريطانيين" فى وزارة العدل فى الفترة بين العامين 1915 و1918، وحدث أن كتب مذكرة اقترح فيها إنشاء نوع من التحالف بين مصر وبريطانيا، وتضمنت المذكرة حديثا عن حقوق مصر السياسية والاقتصادية، ثم استقال من هذه الوظيفة، ونشر "الاستقالة" على صفحات الصحف، وكانت هذه الاستقالة بداية التعارف بينه وبين "سعد زغلول"، وعُيّن "وليم مكرم" فى مدرسة الحقوق، وفى العام 1921 عوقب بالطرد من "الحقوق" لأنه اشترك فى حفل أقيم لتكريم الزعيم "سعد زغلول" وكانت مشاركته فى ثورة 1919 كبيرة ومعروفة، وفى العام نفسه وقع الانشقاق الأول فى "الوفد المصرى" بسبب الصراع بين "سعد زغلول" الثورى، و"عدلى يكن" الإصلاحى، وانضم القبط الكبار "واصف غالى، سينوت حنا، ويصا واصف" إلى "سعد" وكان معهم الشاب "مكرم عبيد"، وهو من أسقط اسم "وليم" فى خطاب جماهيرى، لأنه اسم أجنبى، وطلب من الناس أن ينادوه "مكرم عبيد" وأن ينسوا "وليم"، واختاره "سعد زغلول" ليكون المبعوث إلى "لندن" للقيام بالتصدى لدعاوى "رجال عدلى يكن" رئيس الحكومة المهادن للاحتلال، ومما كتبه "مكرم عبيد" إلى  محرر جريدة "إيجيبشيان جورنال" التى تصدر فى لندن هذه الرسالة التى توضح طبيعة مهمته ورؤى فريق "سعد زغلول" الثورى:

ـ أنت تسألنى عما إذا كان أعضاء الوفد المصرى المعارضين يمثلون الأمة، وإنى لأجيبك ـ مرة أخرى ـ بكل تأكيد، إنهم لايمثلون الأمة المصرية، ولا حكومة "عدلى" تمثل الأمة، بل إننى أقول أكثر من ذلك، إنهم وحكومة "عدلى" هم المسئولون فقط عن إقناع الشعب البريطانى والأوربى بوجود شقاق وخلاف فى صفوفنا، ومع ذلك، فإن مهمتى الأساسية هى أن أثبت لهم ـ بعيدا عن الشكوك ـ أن الأمة المصرية موحَّدة، وستظل داعمة لزعيمها المختار، والمواطن الإنجليزى يحكم على الرجال بجوهر آرائهم، وليس بالظواهر، ولايمكنك أن تنكر أن "لورد ملنر" والحكومة البريطانية، وقطاع مهم من الرأى العام البريطانى يدركون أن حكومة "عدلى" تمثل رأيا لايوافق الإجماع العام للأمة المصرية، بخلاف "سعد زغلول" الذين يعتبرونه متطرفا، وقد ذكر "مستر بريشفال لاندون" الذى أعلن فى مقال سابق له فى "الديلى تلجراف" أن "زغلول باشا" لم يكن فى إمكانه التفاوض مع البريطانيين، لأنه كان معارضا لمشروع "ملنر" وهو أيضا الذى تحدث فى مقال آخر عن الأمل فى أن "عدلى باشا" بنزوعه نحو "حل معتدل" سوف يصل مع الحكومة البريطانية إلى الهدف المشترك، إنك تقول إن "زغلول باشا" كان يرغب فى التفاوض مع "عدلى باشا"، نعم هذا صحيح، ولكن وفقا لشروط خاصة، رفضها "عدلى باشا".

وحسب الترجمة التى أوردها دكتور مصطفى الفقى لهذه الرسالة فى كتابه "الأقباط فى السياسة المصرية" فقد كان "مكرم عبيد" يؤكد على أن "سعد زغلول" هو الممثل الحقيقى للأمة المصرية، وإلى جانب هذه الرسالة، بذل "مكرم" جهودا كبيرة، بهدف تبصير الرأى العام البريطانى بموقف الوفد المصرى، وكتب فى صحف بريطانية كثيرة، واستطاع أن يحقق نجاحا كبيرا فى مهمته، لأنه كان يعرف الأسلوب المناسب لخطاب الإنجليز، ويعرف النخبة السياسية الإنجليزية ويجيد اللغة القادرة على توصيل وجهة النظر الوطنية المصرية.

 مع سعد فى المنفى

فى يوم 22 ديسمبر 1922 وجهت سلطات الاحتلال البريطانى فى القاهرة إنذارا إلى سعد زغلول ومصطفى النحاس وفتح الله بركات وعاطف بركات وسينوت حنا ومكرم عبيد، تطلب منهم البقاء فى الريف، بعيدا عن العاصمة، ورفض الجميع الإنذار، فصدر قرار بنفيهم إلى "سيشل"، وكان المحرض على رفض الإنذار البريطانى هو "مكرم عبيد"، وفى المنفى توثقت العلاقة بين "مكرم" ـ الابن الروحى للزعيم سعد زغلول ـ والزعيم المحبوب الذى كان يسميه "رئيسنا المحبوب وأبونا" ورغم أن سعد زغلول لم يرزق بولد من صلبه، إلا أنه اعتبر "مكرم عبيد" ولده الروحى، وتوثقت العلاقة بين "مكرم" و"مصطفى النحاس" ولما أصيب "مكرم" بمرض "الملاريا" كان "النحاس" هو المرافق له فى المستشفى، وتعلم "مكرم عبيد" فى فترة النفى، أصول اللغة العربية، من "عاطف بركات" ابن شقيقة "سعد زغلول"، وكان ناظرا لمدرسة القضاء الشرعى، فأصبح "مكرم" من كبار خطباء عصره، وهو عصر كانت الخطابة فيه أداة مهمة من أدوات العمل السياسى، وكان حب "مكرم عبيد" للزعيم "سعد زغلول" مشهورا ومعروفا، لأن "مكرم" حقق ما لم يحققه "قبطى" قبله، فهو كان يستشهد بآيات القرآن الكريم فى مرافعاته أمام المحاكم، وفى خطاباته الجماهيرية، دون أن ينقص هذا من إيمانه المسيحى "الأرثوذوكسى"، وهو السياسى القبطى الوحيد، الذى نجح فى انتخابات البرلمان عن دائرة "شبرا" فى القاهرة، ودائرة "قنا" فى الصعيد، وهذا دليل على محبة الناس له، وهو ممثل مرحلة "الوئام الوطنى" بين القبط والمسلمين، بعد سنوات من الشقاق والتنافر، وسر هذا التنافر كامن فى "الاحتلال" الفرنسى، ثم "الاحتلال" البريطانى؛ الفرنسى استفاد من قسوة حكام غزاة على كنائس الأقباط، فى عصور قديمة، وهؤلاء "الغُز" أو "الغزاة" جىء بهم من بلاد الأباز، فى آسيا الوسطى، وجعلوهم "مماليك" لايدينون بولاء لوطن أو قومية، غير "السيف" و"الدينار" فعذبوا المصريين، قبطا ومسلمين، وأساءوا قراءة جوهر رسالة الإسلام، فهدموا الكنائس، ونهبوا أموال القبط، ومنعوهم من ارتداء العمائم البيضاء وركوب الخيل وفرضوا عليهم  الضرائب وبالغوا فى إهانتهم وإذلالهم، فوجد "المعلم يعقوب" القبطى، فرصة للصعود على أكتاف المسلمين، منحازا إلى "نابليون" وتشكل تحت قيادته "الفيلق القبطى" الذى كان يحارب أهالى القرى الذين يقاومون الجيش الفرنسى، وتوالت الحوادث، وخرجت "الحملة الفرنسية" من مصر، وركب "المعلم يعقوب" مع جنود الحملة من مصر إلى فرنسا، فمات فى الطريق، فألقيت جثته فى البحر، والتهمه السمك، وبقيت ذكراه "الخبيثة" فى قلوب المصريين الذين فقدوا آباءهم وأبناءهم فى معارك الدفاع عن الوطن، وجاء العام 1906 ليشهد جريمة أخرى ارتكبها "الاحتلال" البريطانى، ضد الفلاحين فى قرية "دنشواى" فى مديرية "المنوفية"، فأقام "محكمة" ترأسها "بطرس غالى" وحكم بجلد وإعدام فلاحين، بتهمة التصدّى لضباط وجنود إنجليز، كانوا يصطادون الحمام بالبنادق، فأشعلوا النار فى أجران القمح، وأصابوا فلّاحة بجروح خطيرة، وفى العام 1910، قتل الشاب الوطنى الغيور "إبراهيم الوردانى" بست رصاصات، قاضى محكمة "دنشواى"، وتحول الأمر إلى فتنة طائفية، برعاية "الاحتلال" البريطانى، واستطاع حكماء الأمة إطفاء هذه الفتنة، وتوحدت الأمة من جديد، تحت لواء "الوفد" الذى تشكل فى العام 1918 من رموز وطنية، بهدف البحث فى قضية الاستقلال عن بريطانيا، وكان "مكرم عبيد" من الذين اجتذبهم العمل الوطنى، وكان هناك قبط يكبرونه، انضموا إلى الوفد المصرى، منهم "فخرى عبدالنور" الذى كان يؤمن بالوحدة الوطنية إيمانا حقيقيا، فكان يحيى ليالى شهر رمضان فى "جِرجا" ويدعو المسلمين لسماع القرآن الكريم بأصوات كبار القراء "منهم الشيخ صديق المنشاوى وولداه محمد ومحمود" كان يقيم موائد الإفطار والسحور، وجاء "مكرم" ليمضى على ذات الطريق، وعاش المصريون سنوات صفاء ومحبة حقيقية، كان لحزب "الوفد" الدور المهم فى ترسيخها، لأنه قام على تحالف بين قطاع وطنى من ملّاك الأراضى، وقطاع من مثقفى المدن، وفى الوقت ذاته كان التسامح الدينى سلوكا لهاتين الشريحتين، فأصبح "سعد زغلول" ـ الشيخ الأزهرى ـ أبا روحيا للشاب "مكرم عبيد" القبطى المتخرج فى جامعة "أكسفورد"، وأصبح "ويصا واصف" رئيسا لمجلس النواب، واختفى شعور الكراهية الدينية من نفوس المصريين، وأصبح "الوطن" هو الشغل الشاغل للشعب، وهنا ننقل للقارئ العزيز سطورا من جريدة "البلاغ" المصرية، كتبها "مكرم عبيد" لمناسبة ذكرى وفاة "سعد زغلول" الأولى "توفى سعد فى العام 1927" وهذه السطور مجتزأة من رسالة "مكرم" إلى "عايدة" خطيبته وزوجته فيما بعد، يصف لها فيها معاناته فى فترة المنفى التى قضاها مع "سعد زغلول" وآخرين من قادة "الوفد المصرى"، وهى سطور شاهدة على "جيل ثورة 1919" الذى كانت "الوطنية" قضيته الأولى، وكان الموت فى سبيل "حرية الوطن" أسمى أهدافه:

ـ وا أسفاه، ماذا يمكن للمرء أن يقول أو يكتب، إذا انتابته حوادث حالكة إلى هذا الحدّ، ليس ثمّة نور، سوى نور قلوبنا، يمكن أن يخترق الظلام الذى يحيط بنا من جميع الجوانب، هذا هو صهرى فى غيابات السجن مع أصدقائنا وزملائنا، وها هو رئيسنا وأبونا فى المنفى، وزعيمنا المحبوب قد فرقوا بيننا وبينه بشكل قاسٍ، وها هى مصرنا يسومونها سوء العذاب، فاللهم رحمتك من هذا البلاء، ولكنى لم أفقد الأمل فى النجاح، بل على العكس، وأنت تعرفين قوة إيمانى ومبلغ اعتقادى أننا لن نبلغ السعادة التامة إلا بما نعانيه من الآلام، ونلاقيه من الأذى، إن قضيتنا مقدسة، ويجب أن نقدم لها القرابين المقدسة".

 الخروج الجارح

     كان "مكرم عبيد" السياسى الموهوب، صاحب الجاذبية، الذى يشكّل "عقل الوفد" من موقعه "السكرتير العام للحزب" على موعد مع القدر، ليكون فى معركة أليمة، ويكون الجزاء هو الخروج الجارح، من الحزب الذى كان يعتبره بيته، وكانت الأمة تعتبره الوكيل عنها فى معركة الاستقلال والحرية، والمعركة كانت فى العام الفارق "1942" وهو العام الذى عرفت فيه القاهرة "الغارات الجوية" يشنها  طيران "هتلر" وعرفت فيه "العلمين" المصرية، معنى الحرب بين "الحلفاء" و"المحور"، فكان التنسيق بين "موسولينى" و"هتلر" معناه، انتقال "الفيلق الأفريقى" الألمانى بقيادة "روميل" للحرب على أرض "ليبيا" التى كانت "إيطاليا" تحتلها منذ العام 1911، وكان هدف "هتلر" الوصول إلى "قناة السويس" و"القاهرة" عبر الأراضى الليبية، ثم الصحراء الغربية المصرية، وتكوّن فريق "فاشى" الهوى، يرأسه "الملك فاروق" والخدم الإيطاليون فى القصر، وكان الناس فى الشارع يهتفون "إلى الأمام ياروميل" طبقا لنظرية "عدو عدوى صديقى"، وكان على بريطانيا أن تقوم بتأمين "مصر" التى فى قبضتها ـ بمنطق القوة والأمر والواقع ـ ومنطق "معاهدة 1936" التى وقعها معها "الوفد" برئاسة "مصطفى النحاس"، وكان عليها أن تأتى بحكومة الوفد، فى هذا الوقت الحرج عسكريا وسياسيا، ولكن قبل الإتيان بحكومة "الوفد" جرت اتصالات غير مباشرة مع "النحاس باشا" فى الفترة التى كان فيها ضيفا على أعيان ريف الدلتا، وهى الفترة التى فرضتها عليه زوجته الشابة "زينب الوكيل" التى خافت من غارات طيران "هتلر" التى تضرب "القاهرة" كل ليلة، وكانت "زينب الوكيل" هى العروس الشابة الجميلة ابنة "عبد الواحد الوكيل" عضو الوفد، ورشحتها له "عايدة هانم" حرم "مكرم عبيد باشا" توأم النحاس ورفيق رحلته السياسية.

وهى نفسها التى دمرت العلاقة بين "مكرم" و"النحاس" بدعم من "فؤاد سراج الدين" الذى قدمه "مكرم" إلى النحاس، وشاءت "المصالح" أن تجعل من "سراج الدين" و"زينب الوكيل" النار التى تحرق تاريخ العلاقة العميقة الطيبة التى جمعت بين "مكرم عبيد" و"مصطفى النحاس" وفى الحكومة الوفدية التى جاءت بالأمر المباشر من "مايلز لامبسون" ـ السفير البريطانى بالقاهرة ـ كان "مكرم عبيد" وزيرا للمالية، ومشرفا على وزارة التموين، ورأى من موقعه الوزارى، الفساد واستغلال النفوذ الذى تقف وراءه "زينب الوكيل" حرم "الرئيس الجليل" مصطفى النحاس، وهو فساد أثبته "مايلز لامبسون" فى تقرير له مرسل إلى وزارة الخارجية البريطانية بقوله:

ـ فى 27 مايو 1943، استقلت السيدة "زينب الوكيل" عربة مخصصة لرئيس الوزراء، ضمن قطار السكة الحديدية، وكان معها شقيقها "أحمد الوكيل" وشريك له اسمه "الشويكلى" وكانت عربة القطار مليئة بالسبائك الذهبية، والماس والمجوهرات، وكان القطار فى طريقه إلى فلسطين، محمية بالحصانة المكفولة لرئيس الوزراء، وفى "القدس" نزل الجميع، وجرى تسليم كل شىء إلى مجموعة سماسرة.

وتجمعت الأسباب، وتضافرت المواقف، لتصنع "المشهد الحزين"، مشهد انهيار العلاقة بين "مكرم عبيد" و"مصطفى النحاس" تحت قبة البرلمان، فالفساد الذى شهده ـ مكرم ـ وشهد عليه، والقهر الذى مارسه السفير البريطانى على "فاروق الأول" وتمثل فى اقتحام دبابات الجيش البريطانى "قصر عابدين" لإرغام جلالة الملك على دعوة "النحاس باشا" لتشكيل حكومة وفدية، والتحالف الناشئ بين "فؤاد سراج الدين" و"زينب الوكيل"، والشعور بالخذلان المسيطر على قلب "مكرم عبيد"، والكراهية العميقة التى يحملها "أحمد حسنين باشا" رئيس الديوان الملكى، للوفد ورئيسه "النحاس باشا"، صاغت المشهد الختامى فى حياة "حزب الوفد" الشعبى المعبر عن أمانى الأمة المصرية، والذى حدث هو تجميع أدلة الفساد الذى غرقت فيه "حكومة النحاس" وقيام "مكرم" بتقديم "مذكرة" إلى "الملك فاروق" باعتباره "المرجع الأعلى" وطلب "الملك" تقديم المخالفات إلى النائب العام، ورفض "النحاس باشا" ثم تحويل ما ورد فى المذكرة إلى استجواب فى البرلمان، ثم محاولة توريط "القصر" فى الفساد، باستدعاء واقعة عدم سداد "رئيس الديوان" مبلغا من المال لوزارة المعارف، مقابل أثاث منزلى اشتراه من مدرسة الفنون التطبيقية، ثم دخول "السفير البريطانى" على خط المواجهة، وحذف كل ما ورد من مناقشات حول هذه الواقعة من مضبطة مجلس النواب، وبعدها، تصويت البرلمان على شطب "مكرم عبيد" من عضوية مجلس النواب، واتهامه بفقدان الأهلية التى تمكنه من تمثيل الأمة، ثم اعتقاله بأمر الحاكم العسكرى العام، الذى هو نفسه "مصطفى النحاس باشا" رفيق رحلة "مكرم عبيد" وتوأم روحه كما يقولون..!

وخرج "مكرم" وخرج معه كثيرون، من القبط المؤمنين بزعامته، وحاول "الوفد" أن يستعين بأقباط آخرين، يسد بهم النقص الناتج عن غياب "عقل الحزب" مكرم عبيد باشا، وخلق "مكرم" لنفسه حزبا جديدا أسماه "الكتلة الوفدية" وتحالف مع "السعديين" الذين خرجوا من قبل، وتركوا "الوفد" معترضين على أداء "النحاس باشا" ،وكان ـ الرئيس الجليل ـ انتقل من مصر الجديدة، إلى "جاردن سيتى" ليكون فى القصر الذى يجاور "قصر سراج الدين" وكان فى الماضى يقيم فى بيت، يجاور "بيت مكرم عبيد"، والحزب نفسه أصبح حزب كبار ملّاك الأراضى، ولم يعد فيه المثقفون الذين يضبطون أداءه ويقربونه إلى أهالى المدن، وهيمن "سراج الدين" على الحزب، وهيمنت "زينب الوكيل" على زوجها النحاس باشا رئيس الحزب وتبدل الحال وانتهى الوفد القديم، وكانت نهايته الحقيقية فى صباح 26يناير1952، يوم احترقت القاهرة، ويومها قال ـ النحاس باشا ـ ما معناه إن القاهرة احترقت، واحترق "الوفد" أيضا.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عبد العزيز فهمى.. أول رئيس لمحكمة النقض وأبو الدستور المصرى
زينب
حسين
قؤاد
شخصيات لها تاريخ «63». محمد صالح حرب.. يا بهية وخبِّرينـى عَ اللى قتل
حسن
شخصيات لها تاريخ «60»
محمود

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص