في إطار فعاليات معرض السويس الثاني للكتاب، الذي بدأ يوم 24 أغسطس الماضي واستمر حتى يوم 2 سبتمبر الجاري، أقيمت أمسية ثقافية بعنوان"تجليات المكان عند كتاب السرد في السويس"، حاضر فيها الدكتور أيمن تعيلب، عميد كلية آداب السويس، والدكتور علاء الجابري وكيل الكلية، والمؤرخ أنور فتح الباب وقدمها الناقد الأدبي قباري البدري.
وفي الندوة يبدأ الدكتور أيمن تعيلب، أستاذ النقد الأدبي الحديث، والعميد السابق لكلية الآداب جامعة السويس، حديثه عن جماليات المكان في أدب محمد الراوي، معتبرًا أن أهم ما يميز تشكيلات المكان في أدب محمد الراوي أنها تقوم على حس تخييلي صوفي تأملي، كما يتبدى في جميع رواياته (عبر الليل نحو النهار)، (الرجل والموت)، (الجد الأكبر منصور)، (الزهرة الصخيرية)، (الركض تحت الشمس)، (أشياء للحزن)، لكن خصوصيته تتمظهر بشكل أكبر في رواية (تل القلزم)، حيث يناقش جوهر الوجود والإنسان والأشياء، عندما يحكي زكريا حكاية المكان قائلا "شهدت الطابية جزءًا من الزمن القديم عندما جاء أجدادنا وحطوا في المكان، واتخذوا لأنفسهم بيوتًا متلاصقة متلاحمة"، ثم يتجلى المكان تارة أخرى من خلال روح أرسينوي ورمسيس الثاني، وعبر توظيف الربط بين الملك سوس والسويس باعتبارها مدينة مشتقة من اسمه وكنوزه المدفونة هناك فى الطابية.ويوضح تعيلب أن جماليات المكان تتجلى أيضًا عبر جسد الحبيبة آجى وجسد الحبيب زكريا الذي لم ينس جسدها، ورأى جمال الدنيا عندما غاصت يداه في شعرها الذهبي المجنون، مشيرًا إلى أن الراوي يدلف هنا من مكان جغرافي عام إلى مكان بشري خاص، ثم ينتقل المكان إلى مرحلة أخرى من الفداء حينما يستشهد مصطفى.ويشدد على أن رواية "تل القلزم" ليست سوى تتويج لإبداع الراوي، الذي يراه فيلسوفًا عملاقًا، وملحمة سويسية خلاقة بديعة تجسد روح الوطن بشقي الزمان والمكان بكل ما يستدعيانه من أمكنة عديدة وشخصيات متعددة ومواقف حاسمة مؤثرة، مرتئيا أن البعد المكاني هو البطل في الرواية، حيث يتواصل الماضي بالحاضر عبر جدليات متعددة، منذ بداية المكان القلزمي البيزنطي القديم مرورًا بالعصر الإسلامي الوسيط وصولًا للحاضر، حيث تتجلى روح المكان من خلال استدعاءات متعددة من روح التاريخ والزمان، وهو ما نلمسه في استدعاء الراوي لشخصية الملك سوس وحكايته الشعبية، واستدعاء بطليموس الثاني الذي أتى بزوجته أرسينوي للسويس، واستدعاء شخصية آجى شقيقة الشاويش مصطفى، وهي معادل موضوعي لشخصية أرسينوي، ففيهما تمتزج دلالة تزاوج الماضي بالحاضر وماعانته السويس من الاحتلال الانجليزي والاعتداء الصهيوني الإسرائيلي، ثم استدعاء موقعة كفر أحمد عبده وما تهدم فيها من بيوت؛ لأنها كانت مأوى الفدائيين، وأحد أسباب جلاء الإنجليز عن مصر، قبل ثورة 1952.ويرصد أستاذ الأدب أن الرواية تتنقل بالمكان من طور تشكيل جمالي أسطوري دلالي إلى طور تشكيلي دلالي واقعي، مصورةً تغاير أحوال الزمان والإنسان ليبقى المكان الوطن هو البطل الحقيقي، فتتحقق الذات الإنسانية عبر بنية الرواية كبنية حضور حي فعال في العالم والواقع واللغة والتاريخ، وهو حضور يتمظهر خلال تجلياته المكانية الكائنة والممكنة والمستشرفة، بما يجسد حريته ووعيه، فالعالم لاقيمة له إلا بمقدار تمكن البشر فيه.ويستنتج تعيلب أن المكان الجمالي، لا الجغرافي، يتجلى في كل أعمال الرواي من خلال رؤية ميتافيزيقية صوفية تأملية بديعة تنظر للمكان بوصفه حركة نشطة خلاقة لبناء الإنسان والوطن والهوية، سواء الفردية أو الجماعية؛ لأن الفنان إذ يصمم فنه لا يخرج بفنه عن العالم، ولايهرب بفنه من الوجود، فالفن صورة أخرى من صور الوجود داخل جسد العالم، يعبر عن الكد المجازي اللغوي المستميت للتحقق داخل أحياز جسد اللغة والتاريخ والواقع، فالإنسان لا يكون إنسانًا بحق إلا بقدر تجذره وتمركزه وانزراعه داخل التاريخ، فالوجود الإنساني وجود في العالم وبالعالم.وانطلاقًا من إيمانه بأن التأريخ الأدبي كثيرًا ما يقسو على تجارب إبداعية فذة فيقدم ما حقه التأخير، ويؤخر ما حقه التقديم، بسبب طبيعة التوزيع الإقليمي والبعد عن المركز، يرى الدكتور علاء الجابري، أستاذ الأدب ووكيل كلية الآداب جامعة السويس، أن تجربة محمد الراوي الإبداعية لم تلق الاهتمام الذي يليق بكاتب فذ انبثق إبداعه المتميز من قلب تجربة السويس، في أوج الفترة التي تغيرت فيها مصر بأكملها. ويرصد الجابري أن الراوي لم يكن بمقدوره أن يفر من سطوة السويس كإقليم متميز، جغرافيًا وتاريخيًا، فظل المكان، في أغلب رواياته، قدرا لا يستطيع أحد الفرار منه، وتحكمت سطوة المكان في تصويره لشخصياته وأحداث رواياته، لافتًا النظر إلى أن المكان مكون أصيل في روايات " محمد الراوي" وعنصر مهيمن فيها بجانب الزمان والإنسان المتفاعل.ويؤكد أن طبيعة السويس كحاضنة تاريخية للمقاومة، منذ فجر التاريخ وصولًا إلى عهد الاستعمار البريطاني ثم الصهيوني، قد فرض على الراوي النظر للحياة بوصفها صراعًا خالصًا، وهو ما قدم البذور الأولى لطبيعة شخصياته والأحداث - الأقدار التي جعلت السويس في المواجهة، فنراه يغض الطرف قليلًا عن الاستفادة من المكان على المستوى الاقتصادي، فشخصياته لم تكن تهتم بالمكتسبات المادية على حساب خسارات الأرواح، غير أن هذا لا ينفي أن الراوي ككاتب فذ كان يمارس حنينًا تجاه القديم، مستدعيًا صورة المدينة التاريخية من خلال الحديث عن القلزم أو ارسينوي، حيث يلعب الموروث الأسطوري والتاريخي الدور الأكبر في أداء وتمظهرات شخصياته الروائية.أما المؤرخ والناقد الأدبي أنور فتح الباب فيخطو بنا خطوة فارقة، إذ يتناول تجليات المكان ليس فقط في أدب محمد الراوي ولكن أيضًا في أدب روائيين سويسيين كبيرين، هما علي المنجي ومحمد عطا، موضحًا أن المكان يلعب دورًا مركزيًا في كتاباتهم جميعًا، نظرًا لخصوصية السويس الجغرافية والتاريخية، طوال مختلف الحقب الزمنية، وما شاهدته من أحداث وطنية ووقائع، ففي رواية "كنوز الملك سوس"، يلجأ الأديب علي المنجي إلى اعتماد الطابع الأسطوري، محاولًا أن يخلق من أسطورة الملك سوس، وهو ملك خلقته المخيلة الشعبية في السويس، وليس له وجود تاريخي حقيقي، بعدًا روائيًا ودراميًا، إذ يظهره كملك فرعوني أسطوري دفن كنزه في طابية السويس، وصنع لهذا الكنز طلسما، بعد أن دفنه في باطن القلعة، ولا يفك هذا الطلسم إلا بخروج ديك يؤذن وقت الفجر، ويمكن لمن يقبض عليه ويذبحه، أن يحصل على الكنز، مشيرًا إلى أن المنجي ربط هذه القصة الأسطورية بأحداث التاريخ في السويس بداية من الحرب العالمية الثانية إلى هزيمة يونيو 1967، عبر رصد حياة أسرة ممتدة تعيش ما بين منطقة الغريب والسلمانية، وهي ميناء سويسي قديم، ومنطقة الطابية وشارع صدقي، وهو شارع تجاري هام في السويس، وصولًا إلى مسجد سيدي الأربعين، حيث تمر حياة الناس بتطورات صاخبة عبر شخصية "المُكن"، ذات الطابع الأسطوري، والذي يرتدي ملابس رثة ويتمظهر في هيئة بائسة، ويعمل على تحذير الناس في كل مناسبة من مناسبات الحرب بخطورة ما سيحدث، فنراه في أحداث حرب فلسطين 1948 ونراه في أحداث المقاومة الشعبية في معارك القناة، بدءًا من 1951 إلى 1952، وفي العدوان الثلاثي في 1956، ثم يظهر مجددًا في نكسة يونيو عام 1967، لكنه لا يلقى، مع كل ظهور، سوى استهزاء الناس وضرباتهم، وينهي علي المنجي الرواية بقيام سلطات المدينة بهدم الطابية مع بداية حرب يونيو 1967 في إشارة إلى تداعي الوطن وهزيمته.
في نفس هذا الإطار، كما يرصد فتح الباب، تدور رواية محمد الراوي "تل القلزم"، مشيرًا إلى أن القلزم هو أحد أسماء مدينة السويس عبر التاريخ، حيث يخلق الراوي من الطبيعة أيضا جزءًا من أسطورته، لكنه يجددها مع أحداث تاريخية، ذات طابع أسطوري؛ منها نشأة مدينة ارسنوي، وهي إحدى المدن القديمة، التي قامت على أرض السويس، وانشأها الملك بطليموس الثاني لزوجته ارسينوي، مضيفًا إلى ذلك معارك كفر أحمد عبده 1951 ضد الاحتلال البريطاني، ومشهد دفن الشهداء الذين قتلتهم القوات الإنجليزية، وهو المشهد الذي يعطيه الراوي طابعًا أسطوريًا عندما يعترض الانجليز موكب النعوش فتطير النعوش في الهواء كرمز أسطوري لقيمه الشهادة من أجل الوطن وقوتها.ويتناول فتح الباب بعد ذلك رواية "زهرة الخشخاش" للكاتب محمد عطا، الذي يرصد فيها مشاهد من أجواء السويس في فترة التأميم في الخمسينات ورحيل الجاليات الأجنبية، حيث تدور أحداثها في منطقه ميناء بورتوفيق، حيث يعيش المهربون واللصوص والقوادون في طابع أقرب إلى رواية لورانس داريل"رباعية الإسكندرية"، مؤكدا أن الرواية لا تتماهى تماهيًا تامًا مع خصوصية المكان في السويس، إذ تتفرد بكونها مشبعة بحالة الاغتراب والمشاعر الوجودية، حيث تتناقض الشعارات الاشتراكية والأقوال اليسارية البراقة مع الحقائق التي يعيشها الوطن والمواطن في فترة الستينات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لا يبحث الجميع عن رقم أمريكي. بعض الخدمات الكندية ترفض الأرقام الأمريكية تحديداً وتطلب رقماً بكود منطقة كندي: 416 تورنتو،...
طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات
المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...
نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...