نحن أمام جيل من القراء هو الأسوأ ويريدون كتابة وديعة كالحملان لم أقع فى غرام كتابات نجيب محفوظ.. ونصف رواياته مصيرها النسيان رواياتى عالجت علاقة الشرق بالغرب بتصورات تجاوزت توفيق الحكيم والطيب صالح الجوائز مرتهنة بعلاقة الأديب بلجنة التحكيم ومدى فخامة الولائم والهدايا
أصدر الكاتب محمد بركة مؤخرا روايته الأحدث "عرش على الماء"، وتدور أحداثها حول شخصية داعية دينى نشأ فى الريف فى النصف الأول من القرن العشرين ثم تملأ شهرته الآفاق فى النصف الثانى منه، لكن علاقته بالمرأة والمال وفتاواه الغريبة تجعله شخصية مثيرة للجدل، حول هذا العمل الأخير وأعماله الأخرى ورؤيته للمشهد الأدبى والثقافى، كان لنا معه هذا الحوار الجريء الذى لا تنقصه الصراحة، كعادته فى أن يقول كل ما يراه بشجاعة ووضوح، ولو أثار عليه الزوابع أو الانتقادات.. فإلى الحوار
لماذا تأخر نشر "عرش على الماء" ما يقرب من عامين؟
مضمون الرواية أثار قلقا بالغا لدى كثير من الناشرين، بعضهم اعتذر وصارحنى بخوفه من العمل، رغم إشادته الحارة به على المستوى الفنى والجمالى، والبعض الآخر اعتذر دون أن يكشف مباشرة عن أسبابه. كان من المفترض أن تصدر "عرش على الماء" بعد "حانة الست" مباشرة، لكن لكل هذه الملابسات تأخر صدورها، وصدرت لى قبل عام "فى العالم الآخر".
هل يعود خوف الناشرين إلى أن الشخصية الرئيسية تمثل داعية دينى؟
حتى لو افترضنا أن هذا صحيح، فليس فى الأمر شىء غريب لأن كل مجال به الصالح والطالح. أتفهم الرمزية التى تنطوى عليها مهنة الدعوة الدينية، لكن لا يجب أن نبالغ فى الأمر ونصل به إلى أن نخلع رداء القداسة على بشر مثلنا، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
وماذا عن الجدل الذى أثير بأن شخصية البطل تشير إلى فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى؟
هذا كلام غير صحيح قولا واحدا، البطل عندى هو "الشيخ مشهور الوحش" الذى يمثل نموذجا إنسانيا مليئا بالتناقضات؛ فتارة تتعاطفين معه وتارة أخرى تكرهينه. وهناك تنويه حاسم فى صدارة الرواية يشدد على أن "هذا عمل إبداعى محض وأى تشابه بينه وبين الواقع بأحداثه وشخصياته هو محض مصادفة". هذا بالطبع لا يعطينى الحق فى المصادرة على رؤية القارئ، فكل متلقٍ له حرية استقبال العمل وتفسيره كما يشاء.
ألم تشعر منذ البداية أن الرواية ربما تجر عليك المتاعب؟
توقعت ذلك وهو ما حدث بالفعل؛ حين اعتذرت كبريات دور النشر عن عدم نشر العمل، ولكنى كتبت النص بضمير وطنى، يبتغى الكشف عن تجار الدين الذين باعوا مصر بالإسترلينى ثم بالدولار، لحساب قوى عالمية وإقليمية. لقد قلت كلمتى بصدق وهذا يكفينى.
ما التأثير السلبى لعملك فى الصحافة عليك كأديب؟
على مستوى الكتابة الأدبية، كان العمل الصحفى لعنة كاملة الأوصاف. بالكاد أجد وقتا للقراءة، فما بالك بالكتابة؟ أسرق سويعات فى نهاية الأسبوع حتى أكتب صفحة أو أنقح عدة فقرات. كان الاستقرار المهنى شبحا يطاردنا لا سيما ما يسمى بـ "التعيين الرسمى" فى مؤسسة كبرى مثل "الأهرام". تحول العمل الصحفى إلى أشغال شاقة، حتى بعد التعيين كان الراتب لا يكفى، وبالتالى كان لابد من عمل إضافى. وهكذا كنت أخرج من البيت فى التاسعة وأعمل فى مكتب مجلة عربية حتى الواحدة ظهرا، ثم أركض نحو الأهرام لأعمل حتى الخامسة. وحين أعود إلى البيت أكون مستهلكا تماما خاصة أن عملى كان فى "الديسك المركزى"، أى تحرير وأحيانا إعادة كتابة المادة الصحفية المقدمة من المحرر، وهى مهنة عمل بها كثير من الشعراء والروائيين. البعض لم يتأذ منها لكنى تأذيت كثيرا.
هل تنظر خلفك فى غضب؟
لا. يقال إن الأشياء تأتى فى وقتها والحمد لله أعمالى الأخيرة حققت نجاحات يعتبرها آخرون اختراقا حقيقيا وإن كنت لا أعتبر الأمر كذلك. إنه أبسط من ذلك. أنا أديب بلا "شلة" أصدقاء تسانده وتروج له وتدعمه لدى لجان التحكيم فى الجوائز، كما أفتقر إلى "ميليشيات إلكترونية" تفرضنى على السوشيال ميديا فرضا. أنا لست شخصا اجتماعيا، ولا أعرف المجاملات حتى المقبول منها، وهذا ما يجعلنى أدفع ضريبة قاسية، لكنى على الأقل لا زلت أحتفظ باحترامى لذاتى.
فى روايتك الأخيرة "آيس هارت فى العالم الآخر" تكاد تكون رساما محترفا ما طبيعة علاقتك بالرسم والفن التشكيلى؟
أنا مولع بثلاثة أشياء: السينما والشعر والفن التشكيلى، أبحث فيهم وعنهم طوال الوقت مثل مستكشف يختبر ساحلا غامضا. أحب ضربة الفرشاة الأولى وأكتب السطر الأول فى أى نص جديد لى بهذا المنطق. أعشق علاقة الظل بالنور وأتأمل التداعيات التأثيرية والتعبيرية بمزيد من التقدير فى كل لوحة. كتبت جزءا من "آيس هارت فى العالم الآخر" مستلهما شخصية صديقى الفنان التشكيلى أشرف رسلان، وهو بلدياتى وابن قريتى كفر سعد البلد، كما أنتوى مستقبلا كتابة عمل كامل يتقاطع مع تجربته الفنية والحياتية.
اقتحام عالم ما بعد الموت والاشتباك مع العالم الآخر على هذا النحو الذى تقدمه الرواية يجعلنا نتساءل عن ملابسات اختيارك لهذا الموضوع الذى يكاد يكون غير مسبوق فى الرواية العربية؟
منذ سنوات وأنا مشغول بالفكرة لاسيما مع قراءتى عن تجارب الموت السريرى وشهادات العائدين من الموت. شعرت أن هناك جمالا ورحمة ونورا مختبئا خلف هذا الحاجز الوهمى الذى يفصل الحياة عن الموت، علما بأنه لا يوجد موت، وإنما هى سلسلة متصلة من الوجود، يتغير الشكل لكن تظل الروح واحدة. شعرت بالحاجة الماسة لمناطحة السردية المتطرفة التى تعلى من شأن الثعبان الأقرع والقبح، وتحول الموت إلى فيلم رعب وأنشودة للبشاعة. سجلت الفكرة على اللابتوب فى ملف بعنوان "رحمة ونور"، وحين توفى أبى فى أواخر عام 2021 شعرت أن مدخل الرواية اكتمل فى ذهنى.
لماذا جاءت الرواية شديدة التكثيف أقرب إلى "النوفيلا" رغم إن موضوعها يحتمل المزيد من الاستطراد؟
العبرة بالإشباع، لقد تشبع بطل الرواية وهو فنان تشكيلى محبط ويتعافى من اكتئاب حاد بالإجابات التى حصل عليها بعد أن طرح العديد من التساؤلات على مرشده الروحى فى العالم الآخر. الرجل طرح بكل أريحية كافة التساؤلات الحساسة عن الذات الإلهية وخلق الكون وأصل الإنسان، ويتلقى إجابات ذكية ومتفهمة وموجزة عنها، فلماذا الاستطراد والتطويل؟
هذه "التساؤلات الحساسة" ألم تخش أن تثير جدلا خاصة أنهاه تصدر عن بطل غير مكترث؟
هو بالفعل غير مكترث ولا مبال ولا منتم باعتباره يعيش اغترابا حقيقيا مع جذوره الريفية الأرستقراطية، ويفتقد للحد الأدنى من التفاهم مع عائلتى أبيه وأمه، وتظهر لديه ميول انتحارية. فى العالم الآخر تشرق روحه بنور الفهم والمحبة، بعد أن أشبع نهمه للمعرفة وطرح تساؤلات من نوعية "لماذا كل هذا الإلحاح على عذاب الآخرة"؛ حيث إنه لم يحب يومًا أن يكون اقترابه اقتراب العبد الخائف من سوط سيده، كما أنه ليست هناك خصومة بين قلبه والسماء، ولكن بعض أصدقائه يلحون فى أحاديثهم معه على الابتذال الذى تتضمنه فكرة الطاعة المطلقة، وبصراحة هم يكنّون احترامًا بدرجة متفاوتة لإبليس ويعتبرونه "أول معارض سياسى فى التاريخ".. ويحكى أيضا كيف أن بعض صديقاته من غلاة النسوية يتصورن الخالق أنثى، وهو يعرف أنهن طيبات القلب لا يقصدن سخرية أو إساءة، أما صديقاته الأكثر واقعية فيتساءلن دائمًا بشأن تخصيص جيوش من الحور العين للرجال فى الجنة، بينما تواجه النساء مصيرًا مجهولًا.
يبدو الموت فى الرواية بمثابة استراحة محارب تحت ظل شجرة، هل هو بالفعل كذلك؟
الموت عتبة أو باب يفضى إلى الجمال والإشراق ولذة النور، شرط نقاء الروح وطهارة الضمير، أو بالتعبير المستعار من التراث الدينى "القلب السليم". دعك من السردية المتداولة التى تلاحق الناس بكلام مخيف دون أصل عما يسمى بـ"عذاب القبر"، رغم إن إحدى أيقونات التطرف نفى وجود مثل هذا الكلام؛ حيث لا عذاب أو ثواب إلا بعد الحساب. روايتى تحمل رسالة طمأنة لكل من يسأل: ماذا سيحدث لى بعد أن أرحل عن هذه الحياة؟ لن نكون بمفردنا، ولن تتخطفنا الطير تحت سماء مخيفة، سوف ننعم بالنور وتغمرنا تجليات الرحمة. هذه بشارتى للقراء.
لك العديد من المؤلفات الساخرة، كما تتردد أصداء السخرية فى بعض جوانب الرواية، فهل الكتابة الساخرة وسيلة فعالة للتعبير عن الألم؟
السخرية سمة أساسية فى كتاباتى منذ مجموعتى القصصية الأولى "كوميديا الانسجام"، لكنها سخرية عفو الخاطر، غير مقصودة، تتلبسنى دون قصد منى فى أكثر اللحظات التى يفترض أن تكون شديدة الجدية. إنها عبثية الحياة، فالكل زائل وقبض الريح وحرث فى البحر. وحده عناق حار لامرأة جميلة أو قطعة من الفن الرفيع هو ما يمنحنا بعض العزاء.
لماذا قررت نزع القداسة عن أم كلثوم فى روايتك "حانة الست" وهل كنت تتوقع نجاح تلك الرواية بعد كل ما كُتب عن كوكب الشرق؟
نزعت القداسة عنها حتى نستعيد إنسانيتها المفقودة. التعامل مع أم كلثوم بمنطق "ممنوع الاقتراب أو التصوير" يلغى إنسانيتها. عظمة تلك السيدة أنها كانت بشرا من لحم ودم، تخطىء وتنفعل وتغضب وتصرخ وتغار وتتآمر، أما لو كانت قديسة فمن العادى أن تكون أسطورة. وبالطبع، كنت أتوقع نجاح العمل لأنى تعبت كثيرا فى كتابته.
هل تأثرت بالآراء السلبية التى هاجمت "حانة الست" لمجرد أنها جعلت أم كلثوم تعترف دون تحفظ؟
لم أتأثر بتلك الآراء على مستوى قناعتى بالنص، فالرواية منحازة لكوكب الشرق، لكن على طريقة هاملت حين قال "أقسو كى أكون رحيما". هذا لا ينفى أننى تأملت تلك الآراء بالكثير من الحزن، فالذهنية السلفية لم تعد تقتصر على شخص يرتدى جلبابا أبيض قصيرا ويطلق لحيته لتواجه الريح، بل امتدى إلى القارئ العادى. الرواية تعيش ازدهارا على مستوى الاهتمام، لكنها تعيش نكبة على مستوى القارئ السلفى الذى يرفض الأفكار التى لا تتفق مع قناعاته الآمنة وأفكاره المسالمة. نحن أمام جيل من القراء هو الأسوأ، يريدون كتابة وديعة كالحملان، وحين يصادفون شيئا مثل "حانة الست" يطالبون بسفك دم المؤلف وتقديم البلاغات إلى النائب العام ومصادرة الرواية، وهو ما حدث معى.
صورتك منشورة إلى جوار نجيب محفوظ وجمال الغيطانى، ووزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، على غلاف صحيفة "أخبار الأدب". كنت أصغر الفائزين العشرين سنا فى المسابقة التى نظمتها الصحيفة فى القصة القصيرة.. حدثنا عن ذلك وتأثير نجيب محفوظ عليك؟
كان ذلك فى صيف 1994، حين خرجت الصحيفة بمانشيت تاريخى يقول "عشرون كاتبا هديتنا إلى مصر". كان عدد النصوص المشاركة أكثر من خمسة آلاف نص، وكانت مهمة لجنة التحكيم عسيرة، حتى أنهم فكروا أن يجعلوا مئة نص تفوز. طبعا كان ذلك فى زمن برىء لم تصبح فيه الجوائز مرتهنة بعلاقة الأديب بلجنة التحكيم ومدى فخامة الولائم والعزومات والهدايا والمبالغ النقدية التى تراق فى هذا السياق.
تأثير نجيب محفوظ علىّ يكاد يكون معدوما، فأنا لم أقرأه بقوة ولم أقع فى غرام كتاباته. لقد كتب الرجل أكثر من خمسين رواية فيما أظن، نصفها مصيره النسيان وبعضها لم تكن هناك حاجة ملحة لنشره إذ لا يحمل إضافة. و تنحصر أهمية "محفوظ" بالنسبة لى باعتباره الأب المؤسس الملهم فى دأبه وإصراره واستمراريته، لكن على مستوى متعة النص فيروقنى أكثر -عربيا - طه حسين وعبد القادر المازنى وجلال أمين، رغم نزوعه التراثى المحافظ والمعادى للحداثة، وعبد الحكيم قاسم ويوسف إدريس.
"لقد قمنا جميعا بخيانة القصة القصيرة"...تصريح لافت لك.. لماذا تعتقد ذلك، وماذا عن تجربتك فى كتابة القصة القصيرة؟
يتعامل كثيرون مع القصة القصيرة بمنطق السوق والموضة الأدبية، بمعنى: بما أننا فى زمن الرواية فليكتب الجميع الرواية. صدرت لى فى بدايات الألفية مجموعتان قصصيتان هما "كوميديا الانسجام" و"3 مخبرين وعاشق"، قبل أن تصدر روايتى الأولى "الفضيحة الإيطالية" عام 2005، لكن مجموعتى القصصية الأولى كانت عبارة عن شذرات بقيت فى ذهنى من مخطوطة رواية فقدتها وأنا أنتقل من شقة إلى أخرى وأنا فى العشرين من العمر. اتجاهى للرواية كان تعبيرا صادقا عن الحاجة لفضاء أوسع يحتمل تجربة أخرى.
درست الأدب الإنجليزى، وكان لك أصدقاء أجانب، وأحببت فتاة إيطالية وعملت مراسلا لـ"الأهرام" لدى الاتحاد الأوربى وحلف الناتو ما يقرب من عامين.. ماذا استفدت من تلك التجارب وهل انعكست فى أعمالك؟
دائما كان "الآخر" مثيرا لفضولى حتى أثناء عملى محررا ثقافيا فى مجلة "الأهرام العربى"، فكنت كثيرا ما أحاور مصادر غربية. رواية "الفضيحة الإيطالية" مستلهمة من قصة حب عشتها فى الواقع، وكذلك "أشباح بروكسل" انعكاس لتجربتى المهنية كمراسل فى العاصمة البلجيكية. وأتصور أننى تناولت لقاء الشرق والغرب بحساسية مختلفة وتصورات جديدة تتجاوز تجربة توفيق الحكيم فى "عصفور من الشرق" والطيب صالح فى "موسم الهجرة للشمال".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شروق أول أيام العيد، تخرج المرأة المكافحة.. لم تتناول حتى إفطارها فى البيت، فاصطحبت معها لقمة سريعة للإفطار،
"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله، وفهم غاية وجودنا،...
رجال حول الرسول«6» كان أول من أسلم من الرجال الأحرار وأسلمت أمه ثم أسلم أبوه وأنفق فى سبيل الله وجاهد...
تحدى العجز وصنع لنفسه قيمة ومكانة و دور «2-2» الخلاف مع السادات بدأ فى 76 بسبب استثمار الحرب والتحالف مع...