الشيخ على يوسف.. رئيس تحرير «صعيدى» تحدّى بريطانيا العظمى

قصة زواجه من «صفية السادات» تحولت إلى معركة كبرى انقسم فيها الشعب المصرى.. والسبب «كرومر» المندوب السامى البريطانى / الخديو «عباس حلمى» جعله الصحفى الأول فى القصر.. و«الخليفة العثمانى» منحه الأوسمة والنياشين كانت «المؤيد» بفضل على يوسف أقوى من «المقطم» المدعومة من الإنجليز / مساعى كرومر الخبيثة جعلت الشيخ عبد الخالق السادات يطلب فسخ عقد الزواج بين صفية وعلى حاز على يوسف على جماهرية واسعة لدى المصريين

جاء من "بلصفورة ـ سوهاج" فى مركب شراعى.. واجتهد وكافح حتى أصبح صاحب مكانة أدبية رفيعة.. وحاز رتبة "الباشا" بموهبته وقلمه الوطنى الجبّار

لولا كتاب "أيام لها تاريخ" للكاتب الصحفى الكبير "أحمد بهاء الدين"، الذى صدرت طبعته الأولى فى خمسينيات القرن الماضى، ما عرفنا حكاية "الشيخ على يوسف" الصحفى الرائد، صاحب ورئيس تحرير جريدة "المؤيد" الوطنية، التى كانت توزع أربعين ألف نسخة فى اليوم الواحد، وكانت مدرسة صحفية عربية، مصرية، يكتب على صفحاتها الكبار "سعد زغلول، المنفلوطى، قاسم أمين، مصطفى كامل"، وكانت قصة زواج "الشيخ على" و"صفية السادات" هى الحادثة التى أدخلته عقولنا وجعلته مشهورا بيننا، رغم أنه كان فى زمانه "الصحفى" الكبير الذى يجلس فى مجلس "الخديو عباس حلمى" الثانى، فيقول، والخديو يسمع، ويقترح، والخديو يقتنع وينفذ، وكان "الخليفة العثمانى" يعرف قدره، وكان "كرومر" البريطانى يخشى قلمه ويخشى أثره فى وجدان الشعب..

قبل الحديث عن حياة الشيخ العصامى "على يوسف"، نقول للقارئ الكريم إن هذا الرجل من مواليد قرية صغيرة تسمى "بلصفورة " تتبع مركز "سوهاج"، والواضح من حروفها أنها "قبطية"، والمؤكد أنها مسكونة بالفلاحين، والفلاح فى ثقافة "العربان" هو القبطى الذى دخل دين الإسلام، وأخوال الشيخ "على" يعيشون فى "بنى عدى" التابعة لمركز "منفلوط" فى "أسيوط"، ولانعرف هل هم من "بنى عدى" أم من الفلاحين فى "بنى عدى"، والكلام عن الأعراق والقبائل والجذور، مسكوت عنه فى الصحف والكتب، لكنه ساكن فى العقول، ومعبر عنه بالسلوك، ويوم أن قرر "الشيخ على" الزواج من "صفية عبدالخالق السادات"، انفجر المجتمع فى وجهه، وقيل فى المحكمة الشرعية، كل ما نهى الإسلام عنه، وكان القائلون والصارخون هم "القضاة الشيوخ" وهؤلاء يحفظون القرآن الكريم، ويحفظون قوله "صلى الله عليه وسلم: لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، وقوله: كلكم لآدم، وآدم من تراب، لكنهم قالوا "المطلوب" الذى طلبه "كرومر" منهم، وكان هو المندوب السامى البريطانى القوى المسيطر على كل شىء فى مصر.

والحقيقة أن الشيخ على يوسف، لم يكن مختلفا عن خصومه فى قضية "صفية" التى دارت حول أربعة مصطلحات هى "الحسب" و"الأصل" و"الشرف" و"النسب"، وهى مصطلحات لم يتخلص منها المصريون حتى يومنا هذا، لكن اختلف المقياس، فالأصيل فى بدايات القرن العشرين هو الذى "ورث الغنى" عن والديه، والخسيس هو من يعمل ويكسب لقمته بعرق الجبين، والشريف هو المسجل فى نقابة الأشراف، ورغم أن ـ على يوسف ـ كان عصاميا، موهوبا فى مهنة الصحافة، إلا أنه سعى لتسجيل اسمه فى "نقابة الأشراف" ـ فرع جرجا ـ ليكتسب "الأهلية" التى تجعله مهابا فى عيون المجتمع، رغم أنه حصل ـ بالقلم والموهبة والعمل الصحفى ـ على رتبة "الباشا" وحاز النياشين والأوسمة من "السلطان" العثمانى، صاحب الولاية على "الخديو" لكن المجتمع لم يعترف بجهاده، وطلب منه "شهادة" من نقابة الأشراف، حتى يمنحه الاحترام!

 حكاية صاحب المؤيد

حكاية "الشيخ على يوسف" هى حكاية "الفقير المجتهد" فى مجتمع إقطاعى، رجعى، يقسم الناس إلى معادن، ومراتب، حسب القوة والعزوة والثروة، فالشاب "على أحمد يوسف" اضطر إلى أن يسجل اسمه فى نقابة الأشراف "فرع جرجا" ويصبح "على أحمد يوسف الحسينى البلصفورى" وفى رواية أخرى "الحسنى" والحسنى شقيق الحسينى، والاثنان سبطا النبى الأعظم الذى لم يطلب تفرقة بين المسلمين، وقال للعرب المتباهين بالقبائل "اتركوها فإنها نتنة" يقصد "التعصب القبلى" ولما شكا "بلال بن رباح" من "ابن عوف" بعد أن أهانه بقوله "يا ابن السوداء" قال النبى معاتبا ابن عوف "إنك امرؤ بك جاهلية" والقصة معروفة، فى كتب التاريخ الإسلامى، والثابت أن محامى "السيد عبدالخالق السادات" بحث عن أصول "على يوسف" ليقنع قضاة المحكمة الشرعية بعدم صحة عقد الزواج، زواج الشيخ على يوسف، وصفية عبدالخالق السادات، الشريف الحسيب النسيب، فاكتشف أن "الشيخ على" ليس عربيا، وليس من عائلة غنية، وبالتالى لايصح ولا يحق له الزواج من الحسيبة النسيبة ابنة الحسيب النسيب عبدالخالق السادات!

وقبل التوغل فى قصة "على وصفية" من المفيد أن نعرف أن "الشيخ على يوسف" من مواليد العام 1863 فى قرية "بلصفورة" ـ مديرية جرجا "سوهاج حاليا" ولما مات أبوه حملته أمه إلى قرية "بنى عدى" فى "أسيوط" وعاشت به بين أهلها، وألحقته بكتاب القرية، وأتم حفظ القرآن الكريم، واختار السفر إلى القاهرة، ليدرس فى الأزهر الشريف، ويكون من المجاورين، والمجاورون هم المنقطعون لتلقى العلم فى الجامع الأزهر، ينامون فى أروقة معدة لذلك الغرض ويحصلون على "الجراية" اليومية، وهى "أرغفة" مجانية ينالها كل مجاور، على أن يدبر "الغموس" بنفسه، وهؤلاء المجاورون منهم العلماء الكبار، ومنهم المقرئون على المقابر، ومنهم النابغون أعضاء هيئة كبار العلماء، ولم ينل "الشيخ على" شهادة "العالمية" التى تؤهله للتدريس للمجاورين، ولم يصبح "شيخ عمود" لكنه أصبح شاعرا، ونشر ديوانه الأول الذى حمل عنوان "نسمة سحر" واستهوته الكتابة فى الصحف، فكتب فى جريدة "القاهرة الحرة" ثم قرر إصدار مجلة "الآداب" ودام صدورها ثلاث سنوات، وعرف الناس أسلوبه واشتهر، وكانت شهرته الطريق الذى أوصله إلى قصر"الخديو عباس حلمى الثانى"، وقد روى "الخديو" قصته مع "الشيخ على" وقصة تأسيس جريدة "المؤيد" فى مذكراته التى حملت عنوان "عهدى" وصدرت عن "دار الشروق" فى القاهرة منذ سنوات "ترجمة دكتور جلال يحيى، مراجعة دكتور إسحق عبيد، تقديم دكتور عبدالرحيم مصطفى"..

ـ كنت أرغب فى أن تكون هناك جريدة قادرة على تنوير الأمة وقيادتها والسير بها شيئا فشيئا إلى فكرة أكثر وضوحا، عن الوطن والمواطن، ولذلك استدعيت كاتبا عربيا، كان البعض قد أشار علىّ بمميزاته، وهو الشيخ على يوسف، وكان درس فى مدرسة المعلمين، ودرس فى الأزهر، وكان مشهورا بقوته وقدرته على الجدل والمناقشة، وكان لا يتحدث سوى العربية، وكان الشيخ على يوسف من الصعيد، فكان يعرف عقلية وأمانى شعبه، وبالرغم من أنه نشأ مع رجال الدين، كان يعرف كيفية الفصل بين واجبات الفرد تجاه البلاد وبين الاحترام ـ اللازم ـ للدين، وكانت سياسته تستند فى بعض الأحيان على هيبة "الخليفة" ولكن لا يمكن القول أبدا إنها كانت تركية أو إسلامية، وهذه فروق قد يفهمها وطنيو اليوم فهما خاطئا، ولكنها كانت فى بداية عملنا تزيد من تأثر "الشيخ على يوسف" على الشعب، وأخذ "الشيخ على يوسف" فى بعض الأحيان مظهر المدافع عن الإسلام، أكثر من كونه محفزا لاتجاه وطنى قومى، وكان هذا "التكتيك" يهدف إلى جمع الفرقاء حول فكرة عامة وقوية، ومن ناحية أخرى، فإن الشيخ على يوسف عمل كساتر ـ غطاءـ لمختلف الأعيان الذين كانوا يأتون للجريدة بثمرة ملاحظاتهم، ونتيجة لحياة وهبوها للإدارة، وتعاون معه فى عمله أكثر الناس قدرة وأكثرهم تميزا فى البلاد، وكانوا يعلمون أنه ذا حظوة فى "القصر"، وهكذا كان فى وسعنا أن نجمع فى هذه الجريدة، التى تهدف إلى التحرير، زهور الفكر المصرى، وسرعان ما أصبحت "المؤيد" إحدى الصحف الرئيسة باللغة العربية، وكان لها قراؤها من "طنجة" حتى "الهند" ومن "تركيا" حتى "زنجبار"، والواقع أنها كانت تشتمل على مقالات لها قيمتها، ومن كثرة ما أفاض به "على يوسف" فى الحديث عن علاقات مصر، وماضيها وحقوقها، ومن تتعدد مناقشاته مع أعوان شهيرين، للسياسة العامة وعلاقاتها بالوضع الحالى، نجح الرجل فى أن يعيد الحياة إلى قلوب أبناء وطنه، وكان ذكر العصور السالفة التى كان يعرفها جيدا، يسمح له بأن يحيى لدى القراء الثقة فى المستقبل، وكانت هذه الخطوة الأولى التى كان من الواجب اتخاذها، وكان "على يوسف" من الحكمة بمكان، فاستخدم العلاقات الطبيعية والقوية التى توحد بين المصريين منذ زمن بعيد، فى تأسيس اتجاه وطنى قوى راسخ، عميق الجذور.

  قصة التلغرافات المزعجة

الحس الصحفى الذى تمتع به رئيس تحرير جريدة "المؤيد" هو ما جعله يقف فى قفص حديدى، داخل محكمة، بتهمة إفشاء الأسرار العسكرية، رغم أن القانون المعمول به لايعرف هذه التهمة، لكن الإنجليز، اخترعوها ليحاكموا "الشيخ على يوسف" الذى استطاع فضح ما يجرى فى صفوف الجيش المصرى الموجود فى السودان، تحت قيادة "كتشنر" القائد البريطانى الاستعمارى الذى لا يقل تعصبا عن اللورد "كرومر" العدو الأول للخديو عباس حلمى الثانى ورجاله ومنهم ـ بالطبع ـ الشيخ الصحفى، والقصة بدأت من منع الإنجليز نشر الأخبار الخاصة بالقوات المصرية الموجودة فى السودان، وكانوا يختصون جريدة "المقطم" الموالية لهم، بالأخبار التى يرون أهميتها، ولكن "على يوسف" كسر الاحتكار، واتفق مع موظف وطنى اسمه "توفيق أفندى كيرلس" يعمل فى مكتب تلغراف الأزبكية، على الحصول على نسخ من التلغرافات "السرية" التى تصف أحوال الجيش المصرى فى السودان، وكان مرسلها هو "لورد كتشنر" إلى "ناظر الحربية" المصرى، وفى العام 1896 بدأت وقائع قصة التلغرافات، ونوجزها فى أن "توفيق كيرلس" الموظف الوطنى، أعطى "الشيخ على يوسف" التلغرافات التى تصف أحوال الجيش المصرى فى السودان، ونشرها على صفحات "المؤيد" واشتعلت النار فى قلوب الإنجليز، وجرى تقديم "توفيق كيرلس" موظف التلغراف، و"الشيخ على يوسف" ـ رئيس تحرير المؤيد ـ للمحاكمة، وتولت النيابة العامة التحقيق، وكان "محمد فريد" الزعيم الوطنى المعروف، هو وكيل النيابة المكلف بالتحقيق، ولم يجد فى القانون ما يمنع "المؤيد" من نشر محتويات التلغرافات، فحفظ القضية، ولكن بريطانيا العظمى، ومندوبها السامى، رفضا قرار "النيابة" وصدر قرار بنقل وكيل النيابة "الوطنى" إلى الصعيد، وأعيدت المحاكمة، وبرئ "الشيخ على" وصدر حكم بالسجن ثلاث سنوات ضد "توفيق كيرلس"، وفيما بعد استقال "محمد فريد" من "النيابة" وانضم إلى "الحزب الوطنى" مع "مصطفى كامل" وحاز "الشيخ على يوسف" جماهيرية واسعة، لدى المصريين، وكان قربه من "الخديو عباس حلمى الثانى" ومعارضته وجود الاحتلال، الباب الذى دخل منه "كرومر" وأدار معركة "زواج الشيخ على وصفية السادات" بطريقة مهينة، كان القصد منها إذلال "الشيخ على" والتقليل من شأنه، باستخدام "عبدالخالق السادات" والد العروس "صفية" وفريق القضاة الشرعيين، والمدهش أن "مصطفى كامل" ـ زعيم الحزب الوطنى ـ ساهم فى تحطيم صورة "الشيخ على" على صفحات جريدة الحزب "اللواء"، وتحامل عليه، وقيل إنه كان يعاقبه على "مهادنة" الاحتلال!

والحقيقة أن العام الذى جرت فيه واقعة "الزواج والمحاكمة الشرعية" هو العام 1904 الذى فيه اتفقت فرنسا وبريطانيا على تقسيم المستعمرات، فأقرت فرنسا الاحتلال البريطانى لمصر، ووافقت بريطانيا على احتلال فرنسا "مراكش" فى المغرب الأقصى، وكانت العداوة القديمة بين "حزب الخديو" و"كرومر" حاضرة، ومحرضة  ضد الشيخ على، الذى تقدم إلى الشيخ "عبدالخالق السادات" ـ نقيب الأشراف ـ وطلب الزواج من "صفية" ابنة الشيخ، وافق، وقبل الهدايا الدالة على القبول "كانت تسمى نيشان العروس" ولكنه ماطل، فاضطر "الشيخ على" إلى الزواج من "صفية" بدعم واستضافة "الشيخ توفيق البكرى" زعيم الجماعة "البكرية" ـ أحفاد أبى بكر الصديق بمصرـ لكن مساعى "كرومر" الخبيثة، جعلت  الشيخ "عبدالخالق السادات" يطلب فسخ عقد الزواج، لانعدام التكافؤ بين "على وصفية" وفى المحكمة الشرعية، قرر الشيخ "أبوخطوة" منع الاتصال بين الزوج وزوجه، وطلب من قسم البوليس تنفيذ الحكم، وتوجهت قوة من القسم إلى منزل الزوجية فى "حى الظاهر ـ القاهرة" وهناك اكتشف الضابط الذى كلف بتنفيذ قرار المحكمة، أن "البوليس" غير مختص بهذه الحالة، واختصاصه هو تنفيذ أحكام الطاعة والنفقة، وانتقلت العروس إلى بيت شيخ أزهرى "الشيخ الرافعى" وانعقدت المحكمة، ووقف المحامون يسردون الأدلة والقرائن والمعلومات التى تدعم موقف المدعى، والمدعى عليه، ورفضت "صفية" العودة إلى بيت العائلة، وقالت فى رسالة أرسلتها إلى "قاضى القضاة" ما نصه:

ـ إننى ما أخذت سعادة الشيخ على يوسف زوجا لى إلا لعلمى أنه خير كفء لى حسبا ونسبا، وصاحب ثروة ومقام كبيرفى الهيئة الاجتماعية، وحيث إنى بالغة رشيدة، مالكة لأمر نفسى، فلى الحق المطلق أن أتزوج بمن أراه أهلا لى من كل وجه، وهو الحق الذى أعطته الشريعة الإسلامية لكل مسلمة بالغة رشيدة، والحق الذى أعطاه لى الله، لايمكن أن يسلبه من أحد، واعلم ـ يامولاى ـ أنى راضية بزوجى، راغبة فيه،لا أختار سواه بديلا عنه، مهما كان الأمر، وقد تزوجته بمحض رغبتى واختيارى، بإيجاب وقبول شرعيين، ومهر قبضته كما هو مسمى فى وثيقة العقد".

وهذه الرسالة وردت فى كتاب "رسائل الشيخ على يوسف وصفية السادات" الصادر عن "دار ميريت" بالقاهرة،  ويقول المؤلف "حلمى النمنم" إن الرسالة فيها صياغة قانونية، مما يعنى أن المحامى الموكل بالدفاع عن "على" هو من صاغها، ولو كان هذا القول صحيحا، فالصحيح أيضا أن الرسالة حملت توقيع "صفية عبدالخالق السادات" فهى مقرة بما فيها، وهو إقرار، فضح نوايا "قضاة المحكمة الشرعية" المتواطئين، المكلفين "ببهدلة ومرمطة" الشيخ على يوسف، والدليل على ـ فساد سلوك الشيخ عبد الخالق السادات "الشريف الحسيب النسيب" أن ابنته "أسماء" تزوجت من رجل، وبالطريقة ذاتها التى تزوجت بها شقيقتها "صفية" لكنه كان مكلفا بالسلوك الذى سلكه، من جانب "كرومر" والمحزن فى أمر هذا الأب "الشريف الغنى الوارث" أنه كان يتلقى هدايا الشبان الراغبين فى خطبة بناته، ويترك الباب مواربا، ليحصل على مزيد من "الهدايا" والأكثر إدهاشا هو ما ورد على لسان محاميه فى المحكمة الشرعية، حول "الغنى" والثراء الذى ورثه عن أجداده الأقدمين، ومنهم من جلس مع "نابليون" فى زمن الحملة الفرنسية، وفى الوقت ذاته اعتبر ـ فضيلة الشيخ القاضى ـ  الغنى والثراء الذى حققه "الشيخ على يوسف" أمرا حادثا، لا يمحو "عار الفقر" الذى عاشه "الشيخ على" فى طفولته، قبل اشتغاله بالصحافة، والعجيب والمدهش فى القضية، أن القضاة الشرعيين اعتمدوا أخبارا منشورة على صفحات "المؤيد" وهى أخبار تعزز موقف "الشيخ عبد الخالق السادات" واعتبروا "الشيخ على يوسف" متطفلا على مهنة الصحافة، رغم كونه الصحفى الأشهر والأمهر والأقرب للخديو والسلطان!

وهنا انتفض الشاعر الكبير "حافظ إبراهيم" وكتب قصيدة، تضمنت اعتراضا على موقف قضاة المحكمة الشرعية قال فيها:

ـ وقالوا "المؤيد" فى غمرة

رماه بها الطمع الأشعبى

دعاه الغرام بسن الكهول

فجن جنونا ببنت النبى

فضج لها العرش والحاملوه

وضج لها القبر فى يثرب

ونادى رجال بإسقاطه

وقالوا: تلوّن فى المشرب

وعدّوا عليه من السيئات

ألوفا تدور مع الأحقب

وقالوا: لصيق ببيت الرسول

أغار على النسب الأنجب

وزكى "أبوخطوة" قولهم

بحكم أحدّ من المضرب.

بقى القول ـ يا عزيزى القارئ ـ إن "الشيخ على يوسف" الذى عيرته "المحكمة الشرعية" بفقره الوراثى، نال وساما من الخليفة العثمانى، فى نفس العام الذى شهد محاكمته، وانهالت التهانى والتبريكات عليه من كل جانب، وانتهت المعركة، بقبول "الشيخ عبدالخالق السادات" بزواج ابنته "صفية" من "الشيخ على يوسف"، بعد أن أدى المهمة التى كلفه بها "كرومر"، مهمة "مرمطة" الشيخ على يوسف، وجرت الحوادث، فأصبح الشيخ على يوسف رئيسا لحزب الإصلاح وهو ثالث ثلاثة أحزاب، ظهرت للمرة الأولى فى الحياة السياسية المصرية "حزب الأمة، الحزب الوطنى، حزب الإصلاح"، ولم تدم العشرة بينه وبين "صفية" فطلقها، وتزوجت غيره، وكان "كرومر" غادر مصر، بعد جرائمه التى ارتكبها ضد الفلاحين فى "دنشواى"، وفى العام 1913 لقى الشيخ "على يوسف" ربه، وبقيت ذكراه طيبة على ألسنة الساسة والمثقفين والقراء الذين تعلموا من مقالاته على صفحات جريدة "المؤيد" التى انتظم صدورها وعاشت ثلاثة وعشرين عاما فى صدارة المشهد السياسى والصحافى فى مصر والعالم العربى والإسلامى.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...

دعاء إبراهيم: أكتب لأفهم نفسى والآخرين

اختلاف الثقافة يعمّق الإحساس بالاغتراب.. والألم لا جنسية له


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م