خروج الأفغانى من القاهرة كان مهيناً فلم تنذره السلطات قبلها وأرسلوه بالقوة إلى ميناء السويس / استقر فى فى اسطنبول فترة قصيرة بعد أن خرج من مصر إلى الهند ومنها إلى فرنسا / وكان له أثر فى تعلم المصريين اللغة العربية المتطوّرة المستخدمة فى الصحافة والأدب
هو الشيخ الذى جاء من بلاد الأفغان، ليعلم المصريين معنى الثورة على بريطانيا العظمى، والخديو إسماعيل، ومن تلاميذه "الإمام محمد عبده وعبد الله النديم وسعد زغلول" ومات فى "اسطنبول" سجينا فى قصر أعده له السلطان "عبد الحميد"، عقب مقتل شاه إيران، واتهام "الأفغانى" بالتحريض على قتله، فخاف ـ السلطان العثمانى ـ على نفسه، فحبس الشيخ المعلم وحدد إقامته، وقيل إنه قتله بالسم، وكان هذا الأسلوب شائعا فى دولة آل عثمان وغيرها من الدول الاستبدادية، وكان ـ معلم الثوارـ عاش فى مصر ثمانى سنوات، ورأى "خميرة الثورة" وهى تنضج فى قلوب المصريين، ولم يمهله "الخديو توفيق" حتى يرى الثورة "العرابية" التى كانت من غرس قلمه وعقله فى عقول الضباط والمثقفين الأحرار، لكنه بقى بأفكاره فى الذاكرة الجمعية للشعوب الإسلامية التى حرضها على قتال الاحتلال البريطانى والثورة على الحكام المستبدين، ورغم النهاية الحزينة التى كتبها له القدر، عاش صاحب دعوة "الجامعة الإسلامية" فى عقول المبدعين والمؤرخين والثوار وكل الحالمين بالتقدم فى الأمة الإسلامية.
منذ جريمة "كربلاء" التى قتل فيها "الإمام الحسين" وسبعون من آل البيت النبوى الأطهار، سرت روح "الشهيد" ابن الإمام على، وفاطمة الزهراء، سبط النبى الأعظم فى قلوب وعقول النسل الشريف الذى شاء الله له أن يكون من صلب، ولد للحسين، لم يقتل فى المذبحة، لأنه كان مريضا ولم يشارك فى القتال، وحمته "السيدة زينب" عمته، وتركه المجرمون بإذن الله، حتى لا ينقطع النسل النبوى، ومن هؤلاء الذين خرجوا من صلب "على بن الحسين" انتشرت الدعوة الهاشمية فى آسيا.
الشريف الوارث
وكان أهل "جمال الدين الأفغانى" من هذا النسل النبوى الذى حكمت عليه ظروف السياسة بالهرب والهجرة إلى بلاد الأفغان، وفى قرية "أسد آباد" عاشوا مئات السنين مكرمين لهم حكم الإقليم ولهم الهيبة الدينية، واللقب الذى كرم المسلمون به آل البيت هو "السيد" وكل واحد منهم هو "شريف" وهم "السادة الأشراف" وفى هذا السياق كان مولد "السيد محمد جمال الدين بن السيد صفتر الحسينى" فى العام "1838" الميلادى، وعاش حياته الأولى فى "أسد آباد" غربى "كابول" عاصمة بلاد الأفغان، وكان متفوقا فى دراسته، فتعلم اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم، وتعلم لغات أخرى، واقترب من ملك الأفغان "محمد أعظم خان" الذى تولى الحكم فى العام 1862، فجعله "الوزير الأول" ولم يدم الحال، فقد اندلعت الحرب الأهلية بين "شير على خان" وشقيقه الملك "محمد أعظم خان" وانتهت بسقوط "كابول" فى قبضة "شير على خان" فى العام 1868 الميلادى، وكان هذا التحول السياسى العنيف، بداية لمرحلة جديدة من حياة "السيد جمال الدين الأفغانى" وكان بمقدوره البقاء، لما له من مكانة أدبية، لكنه كان صاحب مشروع فكرى، وسياسى، رآه فى دخول "بريطانيا" فى الصراع الأهلى بين "شير على خان" وأخيه الملك "محمد أعظم خان" وخرج "السيد" قاصدا "الهند" فحال الجيش البريطانى بينه وبين الناس، وكانت الهند مستعمرة بريطانية، فخرج منها إلى "أسطنبول" واستقبله "السلطان عبد العزيز" وبعد فترة قصيرة، توجس خيفة منه، بفعل الوشاة، الذين تقولوا عليه واتهموه فى دينه، فقرر "جمال الدين" السفر إلى مصر، وكانت تحت حكم "الخديو إسماعيل" وكانت ولاية، لها بعض ميزات "الحكم الذاتى" بموجب اتفاقية لندن "1840" التى منحتها للوالى "محمد على" وبنيه من بعده.
السيد فى القاهرة
الظرف الذى وصل فيه "جمال الدين الأفغانى" إلى "القاهرة" كان مركبا، فيه عدة مشاهد متباينة، منها أن "الخديو إسماعيل" كان له تناقض كبير مع مصالح "السلطان العثمانى" وهذا أمر ، موروث منذ "محمد على" الذى كان يسعى لتحرير مصر من قبضة الدولة العثمانية، وتدخلت بريطانيا، لنجدة "السلطان" ودمرت حلم "الإمبراطورية العربية" الذى كان "محمد على" يعمل عليه، لأنها كانت تريد بقاء الدولة العثمانية متماسكة فى مواجهة "روسيا القيصرية" وصدرت اتفاقية لندن 1840 ومنحت "مصر" للحاكم الطموح "محمد على" وجعلت حكمها وراثيا فى بنيه من بعده، و"إسماعيل بن إبراهيم بن محمدعلى" كان طموحا مثل جده، واستغل الظروف السياسية الدولية، واخترق البلاط العثمانى، وجعل حكم مصر وراثة فى أولاده وحده، واستبعد بقية فروع أسرة محمد على، وسعى للتواصل مع "الرأسمالية" فى أوربا، ليكون شريكا لها فى مصر، وبدأ فى تطبيق ما سمى "تحديث مصر" وغرقت البلاد فى الديون، وتذمر المصريون، وكان استقباله "جمال الدين الأفغانى" فى سياق الصراع مع السلطان العثمانى، فجعل له بيتا فى "خان الخليلى" وخصصت له الحكومة راتبا قدره عشرة جنيهات مصرية، وكان "السيد" يستقبل الشبان المتعلمين والمجاورين فى الأزهر الشريف، ويروى لهم مصائب الاستعمار البريطانى فى الدول الإسلامية والعربية الخاضعة له، ويروج لفكرة "الثورة" وفى الوقت ذاته كان معلما وشيخا، درس لهؤلاء "المريدين" المناهج المتقدمة فى العلوم الحديثة، والعلوم الشرعية، فهو لم يكن مجرد شيخ داعية، بل درس فى "الهند" وفى العراق "النجف الأشرف" وتعلم علوما عديدة منها الطب والرياضيات والفيزياء، إلى جانب الأدب والشريعة الإسلامية والعلوم الأخرى التى يدرسها الأزهريون، وكانت خبراته العسكرية والسياسية التى تلقاها فى بلاده "أفغانستان" تمنحه قوة واختلافا، وتزيده رفعة فى عيون مريديه وتلاميذه، وكان "مقهى متاتيا" فى العتبة بمدينة القاهرة، مجلسه الذى يلتقى فيه بالمريدين والتلاميذ، وقيل عنه إنه كان "يوزع السعوط بيمناه، والثورة بيسراه" على الحاضرين، وهم "النخبة" التى قادت "الثورة العرابية" فيما بعد، ومن أشهرهم "محمود سامى البارودى" الذى كان شاعرا موهوبا، واعتبره النقاد من رواد إحياء القصيدة العربية، وهو نفسه الذى تولى مناصب وزارية، وكان وزير "الجهادية" وشريك "أحمد عرابى" ورفاقه فى الثورة ضد النفوذ البريطانى والأوربى وضد "الخديو توفيق" وكان "الأفغانى" هو "معلم الثوار" فى تلك الفترة، كان يعلمهم التمرد ويشرح لهم طريق النهضة والخلاص من التخلف والفقر، وكان يدافع عن عقيدة الإسلام، ويسعى لحكم ديمقراطى عادل، أساسه "النهج الإسلامى" وكانت الفترة التى ظهر فيها، فترة صراع بين "العلم الحديث" و"الدين" لأن الثورة الصناعية، والتقدم الذى تحقق فى مجالات العلوم وضع رجال الدين فى مواجهة المؤمنين أنفسهم، وكان على رجال الدين التصدى، لكل محاولات النيل من الأديان السماوية، التى روج البعض من الفلاسفة والمخترعين أنها مسئولة عن القمع والتخلف، ومعروف أن بين "الكنيسة" و"العلمانيون" فى أوربا، معارك دموية، وقعت، فى بدايات عصر النهضة، وكان من نصيب "الأفغانى" التصدى لأعداء الإسلام، وهو صاحب فكرة "الجامعة الإسلامية" التى جعلته يسافر من مدينة إلى أخرى ومن قارة إلى أخرى، ويؤسس الجمعيات السرية الهادفة إلى الثورة على الاستعمار الغربى والنهوض بالمسلمين وبعث الروح الثورية فيهم من جديد.
الخروج المهين
كان خروج "جمال الدين الأفغانى" من "القاهرة" مهينا، فلم تنذره السلطات قبل قرارها، ولم تمهله مهلة يتمكن خلالها من ترتيب أوضاعه، والذى حدث هو اجتماع "مجلس النظار" ـ الوزراءـ برئاسة "الخديو توفيق" ثم مداهمة مقر إقامة "الأفغانى" وحبسه يومين، وإرساله إلى "السويس" وكان الخروج فى يوم الأحد 24 أغسطس 1879، وكان "توفيق" فى بداياته، يميل إلى آراء "الأفغانى" ويعجبه قوله، لكنه بعد أن تولى السلطة، اختلف موقعه واختلفت مصالحه، وكان "خلع إسماعيل" تم بمطلب أوربى، وكان الوضع فى مصر ينذر بالثورة، وخرج "الأفغانى" وجاء العام 1881 ليشهد أول احتجاج منظم ضد السلطة الخديوية المستبدة، فكانت مظاهرة عابدين "9 سبتمبر 1881" التى نظمها الضباط الوطنيون بقيادة عرابى ومعهم وحدات عسكرية من المشاة والفرسان والمدفعية، وكان "الشعب" داعما للجيش الوطنى، وكانت الوقفة المشهورة أمام قصر الحكم فى عابدين، وكانت العبارة الخالدة التى نطق بها "أحمد عرابى" التى تقول "لقد خلقنا الله أحرارا، ولم يخلقنا تراثا أو عقارا، فلن نورث بعد اليوم" وتوالت الأحداث، وما يهمنا هنا قوله، إن البذور التى غرسها "الأفغانى" المحرض على الثورة، هى التى ظهرت فى المجتمع المصرى منذ نهايات عصر إسماعيل، وهو "الخديو " الذى أنشأ مجلس شورى ليكون مؤهلا لقبول "الرأسمالية الأوربية" له، وكان فى جوهره "مستبدا شرقيا" ولكن أفكار ـ الأفغانى ـ جعلت "عبدالسلام المويلحى" ينطق بكلمات معارضة ورافضة لتوجهات "إسماعيل" والمويلحى، تعلم التمرد من أستاذه "الأفغانى" وكذلك فعل "عبدالله النديم" ـ خطيب الثورة العرابية ـ بعد أن تعلم مبادئ الثورة من هذا الثائر الكبير، وكان "سعد زغلول" من شباب العرابيين الذين تلقوا تعاليم الشيخ الأفغانى، وهو نفسه قائد ثورة 1919 الذى اعتبره الشعب زعيما ومعبرا عن مصالحه، وهو الذى قيل فيه "سعد أو الثورة" وقيل "سعد سعد يحيا سعد" وغنى المغنون باسمه "يا بلح زغلول، يا حليوة يابلح"، وكان خروج "الأفغانى" بهذه الطريقة المهينة، أمرا بريطانيا، نفذه "الخديو الخائن توفيق" الذى احتمى بالتاج البريطانى، ومنح "مصر" منحة لبريطانيا، مقابل بقائه فى السلطة، لما تفجر ضده الغضب الشعبى، واستطاعت "الثورة العرابية" أن تخوض معارك ضارية ضد جيش بريطانيا، ولكن "توفيق" باع الوطن مقابل كرسى الحكم، وبقيت تعاليم الأفغانى حية فى وجدان الثوار الذين تعلموا منه مبادئ الثورة فى سنوات إقامته بالقاهرة.
الأثر الباقى
فى "أسطنبول" استقر "جمال الدين الأفغانى" ضيفا على "السلطان عبد الحميد" لفترة قصيرة، بعد أن خرج من مصر إلى "الهند" ومنها إلى "فرنسا" وفى "باريس" أصدر مجلة "العروة الوثقى" بمساعدة تلميذه "الشيخ محمد عبده" الذى أخرج منفيا من القاهرة بعد هزيمة الثورة العرابية، ولم تدم "العروة الوثقى" وانتهت عقب صدور العدد الثامن عشر منها، ودعا السلطان عبدالحميد، الأفغانى واستقبله وأحسن إليه، ثم اغتيل شاه إيران "الشاه القاجارى ناصر الدين" وكان قاتله من تلاميذ الأفغانى، وأسمع الشاه قبل مقتله عبارة دالة "خذها من يد الشيخ الأفغانى" وعرف السلطان ذلك الخبر، فخشى على نفسه وعرشه، فجعل الأفغانى فى قصر وجعله تحت المراقبة، ومنعه من التواصل مع الناس، وفى العام 1897 توفى الأفغانى فى قصر الضيافة الذى أسكنه فيه السلطان عبد الحميد، وقيل إنه قتل بأمر السلطان، وكان قاتله "طبيب الأسنان" الذى يعالجه من آلام أسنانه، وقيل مات بالسم، والثابت أنه دفن فى مقابر موجودة فى "أسطنبول" دون ترتيب أو مظهر من مظاهر التكريم كما يحدث للمقربين من السلطان، ونقلت رفاته إلى "كابول" واستقرت داخل مبنى الجامعة فى العاصمة الأفغانية.
والأثر الباقى من تعاليم الأفغانى، وجده المصريون فى تطور "اللغة العربية" المستخدمة فى الصحافة والأدب، ووجدوه فى قادة الثورة العرابية، وثورة 1919، فهو معلم هؤلاء القادة، وهو الذى قال عند خروجه الجبرى "حسبكم الشيخ محمد عبده" وكان الشيخ محمد عبده من المصلحين المجددين فى عصره، وكانت إصلاحاته فى نظام التعليم الأزهرى وإصداره الفتاوى المستنيرة ووضعه تفسيرا جديدا للقرآن الكريم، من آثار أستاذه ـ الأفغانى ـ وما شهدته القصيدة العربية من تطور أحدثه "محمود سامى البارودى" كان من آثار "معلم الثوار" أيضا، ورغم هذا، وجد الأفغانى من يطعن فى مسيرته ومنجزه الفكرى، بسبب انضمامه إلى "المحفل الماسونى" ولكن المهم هنا القول إن "الماسونية" التى التحق بها ـ الأفغانى ـ ليست هى الماسونية الراهنة، والثابت أنه انفصل عن هذه الحركة، وظل قابضا على مشروعه وهو "العداء للاستعمار" والدعوة إلى "الجامعة الإسلامية" وقيام حكم "ديمقراطى" مستندا بمبادئ الإسلام.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة