فى كتابه " التحيز" يكشف المؤلف الأمريكي ستيفن جرين عن بعض الوقائع الغامضة فى العلاقات العربية الإسرائيلية مثل المفاوضات السرية التى أجرتها مصر مع إسرائيل عام 1954 أي قبل خمسة وعشرين سنة من اتفاقيات كامب ديفيد ، ويكشف الدور الذى قام به بعض المتعصبين فى إسرائيل لإحباط تلك المفاوضات وإجهاضها ، كما يكشف الستار عن دور المساعدات الأمريكية فى تدعيم برنامج التسلح النووي الإسرائيلي ، ولذلك فقد أدت تلك العلاقة غير العادية التى ربطت إسرائيل بأمريكا كما يقول المؤلف الأمريكي إلى دفع إسرائيل إلى حد كبير نحو تلك النزعة العسكرية العدوانية .
وقد اطلع المؤلف على أكثر من مائة وثيقة سرية أرسلها حوالي 22 عميلا من عملاء المخابرات السرية لدول أجنبية ، وقضى عامين كاملين لجمع المعلومات من دار الوثائق الأمريكية ، كما قضي وقتا طويلا بحثا عن المعلومات فى مكتبات الرئاسة الأمريكية ، إضافة للمعلومات الخاصة التى جمعها باتصالاته الشخصية .
يبحث كتاب " التحيز" - ترجمة هيئة الاستعلامات المصرية - أساسا فى العلاقات السرية العسكرية بين أمريكا وإسرائيل .. أما الطبعة الكاملة فقد صدرت فى دمشق باسم " الانحياز " للدكتور سهيل زكار عن دار حسان للطباعة والنشر .
***
أعداد كبيرة من المتطوعين خاصة الأمريكيين كانوا يتولون قيادة طيران إسرائيل منذ قيامها عام 1948 ، وكانوا لا يزالون يقومون بهذا الدور حتى عام 1949 .
وفى المجال الإعلامي كان بعض الصحفيين الأمريكيين لا يكتبون إلا بعد العودة لإسرائيل لمراجعة ما يكتبون ، مثل مراسل صحيفة نيويورك هيرالد تريبيون ، كينيث بيلبي الذى قدم مسودة مقاله إلى بيجال يادين من قوات الدفاع الإسرائيلية ، ووافق على تعديلاته ، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التى توظف فيها الحكومة الإسرائيلية الصحفيين الأمريكيين لابتزاز الولايات المتحدة ، وهو ما يدل على أنه رغم التحالف العسكري بين أمريكا وإسرائيل إلا أنهما حسب تعبير المؤلف الأمريكي غريمتين فى مجال الأمن والمخابرات ، حتى وصل الأمر إلى تجسس إسرائيل على أمريكا ، بل وضرب إسرائيل لسفينة التجسس الأمريكية " ليبرتي " أثناء عدوان 1967 وقتل 34 من طاقمها ، والاعتذار الذى بلعته أمريكا من إسرائيل بأنها ضربت السفينة بطريق الخطأ ، رغم أن أمريكا كانت تعلم بأن إسرائيل على علم بحقيقة السفينة . إنها العلاقة التى جعلت إسرائيل الولاية ال51 لأمريكا حقيقة لا مجازا كما سوف يكشف المؤلف الأمريكي ستيفن جرين فى كتابه " التحيز " .
إن إقامة وطن قومي لليهود فى الشرق الأوسط ككيان شرعي ودبلوماسي جرت فى فترة قصيرة من الزمن بشكل لافت للنظر ، وبتأييد قومي ومتحمس من جانب أمريكا ، على الرغم من تحفظ دوائر المخابرات الأمريكية ، وقد لعب الرئيس الأمريكي ترومان دورا خطيرا فى ظهور الدولة الجديدة إلى حيز الوجود .. إنه وضع الدولة الجديدة بثبات على الخريطة السياسية للعالم ، فقد اعترف بعد دقائق بدولة إسرائيل بعد إعلانها فى 15 مايو 1948 ، وتدخل فى مرات عديدة لمساعدة الزعماء الصهاينة ، فقد مارس الضغط على بريطانيا لكي تقبل المزيد من المهاجرين اليهود إلى فلسطين ، وأيد مشروع التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة لصالح إسرائيل ، وعين سفيرا له فى تل أبيب كان يميل إلى محاباة إسرائيل على حساب العرب ، ورتب لمنح إسرائيل قرضا من بنك التصدير والاستيراد إلى جانب قرض ائتماني قصير الأجل ، استجابة لطلب من الوكالة اليهودية ، ومع اقتراب نهاية الوصاية البريطانية ناشد ترومان الدول العربية علنا عدم الهجوم على الدولة اليهودية الجديدة ، وبعد إعلان بن جوريون قيام الدولة وبدء الأعمال العدوانية الصريحة انحاز المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة إلى جانب إسرائيل مرارا وتكرارا فى المنازعات التى قامت على خط الهدنةالتى كانت تعطي الدولة اليهودية أجزاء أكبر بصفة مستمرة من الأراضي الفلسطينية ، وفى يناير 1949 عندما تحققت هدنة شبه دائمة ، بدأت وزارة الخارجية الأمريكية فى عهد ترومان فى ممارسة ضغوط عنيفة من أجل قبول إسرائيل عضوا فى الأمم المتحدة .
ومنذ عام 1953 كانت إسرائيل وأصدقائها فى أمريكا يحددون الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية فى المنطقة .
كان موشي شاريت أول وزير خارجية لإسرائيل رغم تعاونه مع بن جوريون لتأسيس دولة إسرائيل إلا أن خلافات فلسفية عميقة بينهما ، فبينما بن جوريون يريد الحصول على مزيد من الأراضي العربية باستراتيجية التفوق العسكري الإسرائيلي ، كان شاريت يعتقد أن السلام ممكن على أساس خطوط هدنة 1949 ، وعندما اختاره حزب الماباي لخلافة بن جوريون شعر الأخير بالاستياء ، ولذلك كان آخر قراراته كرئيس للوزراء تعيين موشي ديان الابن الروحي له رئيسا للأركان ، وتعيين متشدد آخر وزيرا للدفاع هو بنحاس لافون ، وكان هذين الرجلين يلتقيان مع بن جوريون فى عزلته ، واستطاع من خلالهما توجيه السياسة الحربية لإسرائيل ، لدرجة أن وزارة الدفاع الإسرائيلية كانت تقوم بعمليات تجسس وتخريب ضد العواصم العربية دون علم دون علم الكنيست أو شاريت رئيس الوزراء الذى كان يجري اتصالات سرية مباشرة وغير مباشرة مع أهم رئيس دولة عربي ، وهو جمال عبد الناصر رئيس مصر ، فى محاولة للتفاوض على إحلال سلام نهائي بين العرب واليهود فى الشرق الأوسط ، ومن ثم كان لإسرائيل فى عام 1954 وأوائل 1955سياستان خارجيتان تتناقض كل منهما مع الأخرى ، ولكن كان هناك فرق هام بينهما وهو أن سياسة موشي شاريت التفاوضية كان يسميها النهج الدبلوماسي ، حيث أنه كان يتحدث من موقع رئيس وزراء الدولة ، ولكن كان لابد وأن تجري هذه المفاوضات فى أقصى درجة من السرية نظرا لأنه لا شاريت ولا عبد الناصر كانا يريد أيهما أن تعرف بلاده أنه يساوم على قضايا جوهرية قبل ضمان تحقيق قدر كبير من التقدم نحو التوصل إلى اتفاق سلام .
ويوضح المؤلف الأمريكي ستيفن جرين أنه من المبالغة القول بأن السلام مع إسرائيل كان يشكل أحد الاهتمامات الرئيسية عند جمال عبد الناصر فى عام 1954 ، بيد أن الطريق إلى السلام بدأ فى ذلك العام عندما دعم ناصر ومجلس قيادة الثورة سلطتهم فى مصر ، فقد كانت هناك مشاكل كثيرة ملحة فى الداخل ، وكانت المهام أمام ناصر جسيمة ، فإلى جانب مشروعات التنمية الجديدة الكثيرة ، كان الانهماك فى المفاوضات لإنهاء الاحتلال البريطاني لمصر ، وفى نفس الوقت كان ناصر يسعي لإقامة علاقات مستقرة مع أمريكا ، والحصول على الأموال اللازمة لبناء السد العالي ، وتحديث الجيش المصري المتخلف بصورة مزرية ، والتعامل مع الحزب الشيوعي الناشئ .
وكان جمال عبد الناصر كرجل عسكري يدرك جيدا حقائق وضع مصر العسكري فى مواجهة إسرائيل ، وكان قد واجه الإسرائيليين بنفسه فى معركة الفالوجا فى المراحل الأخيرة من حرب 1948 ، وفى مرحلة لاحقة اعترف ناصر لـ " كيم روزفلت " مسئول المخابرات المركزية الأمريكية بأن المصريين تعرضوا للإذلال فى المعركة ، ولكنه أضاف أنه ورفاقه الضباط شعروا بالاستياء من " ضباطنا الكبار والعرب الآخرين والبريطانيين والإسرائيليين " بهذا الترتيب .
وكان وجود شاريت كرئيس لوزراء إسرائيل فاتحة للسلام، وبعد أربعة أشهر من المفاوضات السرية عبر وسطاء ، طلب شاريت فى شهر سبتمبر 1954 موافقة الكنيست الرسمية على الجهود التى يبذلها من أجل التوصل لاتفاق سلام مع مصر بالتحديد ، وحصل على التفويض بأغلبية 54 صوتا ومعارضة 9 وامتناع 7 أصوات .
ولكن هذه الجهود انهارت بسبب نظرة وزير الدفاع لافون ورئيس الأركان ديان إلى استراتيجية شاريت الدبلوماسية على أنها ساذجة وخطرة ، ولذلك قامت قوات وزارة الدفاع بعمليات عسكرية واسعة داخل مصر والأردن ، نفذ بعضها بدون علم شاريت لإفساد دبلوماسيته التصالحية ، وكان المسرح ممهدا للعملية التى سيترتب عليها أكبر فضيحة سياسية مدمرة فى تاريخ دولة إسرائيل وهي فضيحة لافون ، ففي نهاية شهر يونيو 1954 قام جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية " المودين " بإرسال شبكة من الجواسيس إلى القاهرة للقيام بعمليات تخريب ضد أهداف مصرية وبريطانية وأمريكية مختارة ، وكان الاعتقاد الشائع أن العملية استهدفت تخريب العلاقات بين مصر وهاتين الدولتين ، فى وقت كان فيه المصريون يتفاوضون مع البريطانيين على انسحابهم من مصر ، وكان الأمريكيون يفكرون بجدية فى تقديم معونة من الأسلحة لمصر كطرف فى منظمة دفاعية شرق أوسطية يساندها الأمريكيون ، ولكن المؤلف الأمريكي ستيفن جرين يذهب إلى هدف آخر لهذه العملية وهو تخريب علاقات موشي شاريت مع جمال عبد الناصر وتشويه النهج الدبلوماسي فى تناول الشئون الخارجية الإسرائيلية الذى انتهجه شاريت ، ويستدل الكاتب الأمريكي على ذلك بأن شاريت نفسه لم يكن يعرف شيئا عن العملية حتى بعد أن بدأت الاعتقالات فى أواخر يوليه ، ولم يتم إخطار لجنة الدفاع التابعة لمجلس الوزراء بالعملية ، وهي اللجنة التى ينص القانون الإسرائيلي على ضرورة موافقتها على عمليات المخابرات الخارجية .
المفاجأة أن أحد قائدي شبكة التجسس الإسرائيلية " افري العاد " المتنكر باسم " بول فرانك " كان على علاقة بالمخابرات المصرية ، وكان يحظى بثقتها كاملة ، وقد ذكر العقيد عثمان نوريان مدير مكافحة الجاسوسية المصرية لفرانك بثقة أن نظيره فى إسرائيل يساعده فى سحق شبكة التجسس ، وفى وقت لاحق هرب فرانك من القاهرة إلى أوروبا قبل القبض عليه بعد أن اكتشفت المخابرات المصرية أمره ، وقد أكد فرانك للمؤلف فى عام 1982 أنه يعتقد أن المخابرات الإسرائيلية كشفت عامدة الغطاء عنه وعن بقية أعضاء مجموعته ، وهو ما أكده له رئيسه المباشر ليفتنانت كولونيل " موردخاي موتكي بن تسور " ، الذى قال لفرانك أن العملية قد كشف الغطاء عنها عمدا وعن قصد للمصريين . ويري فرانك أن الموساد كان له رجاله فى القاهرة فى ذلك الحين ، وهم الذين قدموا المساعدة لأجهزة مكافحة الجاسوسية فى مصر التى أشار إليها العقيد نوريان .
وبعد أن أفاق عبد الناصر بعد أن اعتقد أن مجموعة لافون قد استخدمت لخداعه ، أمر بوقف جميع الاتصالات مع الإسرائيليين ، وشن سلسلة من الهجمات المسلحة على الأراضي الإسرائيلية أدت إلى قيام إسرائيل بغارة غزة فى 28 فبراير 1955 التى قتل فيها حوالي أربعين جنديا مصريا ، وبدأ العد التنازلي للحرب ، لتنهي عملية لافون بنجاح عملية الغزل القصير بين إسرائيل ومصر ، ونجحت المؤامرة على السلام ، وحاولت الحكومة الأمريكية فى عهد أيزنهاور بشئ من الأسي فى عام 1955 العمل على تفادي وقوع الحرب الحتمية ، وتم إرسال مسئولين كبارمن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية كيم روزفلت ومايلز كوبلاند وآخرين إلى القاهرة لتسهيل المفاوضات السرية مع ناصر الذى لم يعد يؤمن بالتوصل إلى تسوية عن طريق المفاوضات للنزاع العربي الإسرائيلي ،بل إن أيزنهاور أرسل فى نفس الوقت مبعوثه الشخصي روبرت أندرسون لكي يحاول بطريقة رسمية التوفيق بين الطرفين ، وقد أعاد عبد الناصر ما قامت به إسرائيل إلى الأذهان فضيحة لافون ومهاجمة الحدود المصرية وقال إن ثقته بالإسرائيليين قد اهتزت بدرجة كبيرة . وكان الاستقبال الذى لقيه روزفلت وأندرسون من ناصر عبارة عن رفض فظ إلى الحدالذى دفع جون فوستر دالاس وزير الخارجية ودوايت أيزنهاور إلى التصرف كما لوكانا قد لحقتهما إهانة شخصية .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لقد ظهرت العديد من الأدوات والمنصات التي تساعد المستخدمين في إنجاز الأعمال بسرعة، ومن بين هذه التقنيات الحديثة التي لفتت...
أيهما يحمل الآخر، الفتاة النحيفة التي تقبض بكفها الهشة على خصر الفانوس العملاق، وقد اختفى أغلب جسدها الهش خلف جرمه...
ينتمى إلى بنى عُدىّ وأخواله من بنى مخزوم فهو قرشىّ أصيل كان يقوم بدور سفير قريش لدى قبائل العرب الأخرى...
حمد سالم: السادات داس على وشه بالجزمة بسبب «قوقة» كره المشايخ وخلع الجبة والقفطان بعد ما حدث معه فى الجمعية...