قالوا إنها «أصل الفلسفة» و«منبع العلوم» / اعتبرها «هيراقليطس» أصل الوجود.. ودعا لإنقاذ المندهش من صخب الحياة/ «ألبير كامو» رأى إنها التخلى عن الأمكنة الأمنة لتذوق متعة الخطر الدهشة هى الخطوة الفطرية الأولى للاستفسار، تمهيداً لحل الألغاز والأسرار،
وهى كذلك السؤال: من أنت؟ ومن أين أتيت؟ ومتى؟ وماذا ستكون؟
نحن مطالبون بالإجابة عن هذه الأسئلة جميعا، لأنها قدر الإنسان الذى يحمله على ظهره ويسير به فى منتهى الشجاعة والشغف، ربما يتخبط يمينا ويسارا دون أن يدرى، لكن الإجابات ستشرق عليه إجابة حتماً.
أصل الدهشة
إن الدهشة متأصلة فينا، ومن رحمها ولدت الفلسفة أم العلوم، فالعيون المفتوحة والحواجب المرفوعة والأفواه الفاغرة تعنى بالضبط ماهية الفلسفة، وبالتالى ماهية الدهشة، وربما ما تتبعناه عبر الأبحاث والدراسات والقراءات فى الماضى فى محاولة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، ما هى إلا بضع كلمات عانى من مصيرها المندهشون، هم كما قال سقراط الذين صعدوا للتو إلى الجهل بعد ادعاء المعرفة، فكل إنسان مجموعة من الأسئلة، وكل قلم جرى على ورق ليكتب محاولاته فى الإجابة عنها، إنما هو محض ستار متين من نسيان حقيقة أن لا وصول للحقيقة كاملة، وأنه لا سبيل سوى انتظار مزيد من سحب الغموض لتبقى روح الاندهاش موجودة وتعلن عن وجودها هذا بكل الطرق.
نحن لا نعرف سبل فهم كلمة دهشة، حتى نبدأ من أول السطر، من حيث الإشارات البدائية بالأيادى، أو من حيث الحروف الأولى للهجاء الذى منه انهالت المعارف على الإنسان، الواحدة تلو الأخرى، منذ أكثر من خمس وعشرين قرنا هى بداية ما يعرف بـ "المعرفة".
قال المؤرخون إننا حين نسمع كلمة الدهشة إنما نسمع معها الأصل اليونانى القديم لكلمة فلسفة، بالطبع يجب أن يفهم أن هناك دهورا طويلة بيننا وبين من نطق بكلمة "فلسفة" لأول مرة، كما أن الطريق يمتد من خلفنا طويلا حتى أننا لا نعرف من أين نبدأ بالضبط؛ هل نبدأ من حيث الإنسان الأول الفيلسوف بميله وطبعه الإنسانى المحض؟. أم نبدأ من حيث هذا المعترف به علميا، وهو الفيلسوف اليونانى "هيراقليطس" الذى آمن بأن الدهشة ومن ثم الفلسفة هى التى حددت خريطة العالم، وفجرت الحضارات، وخططت لملامح التاريخ؟
الحكيم اليونانى "هيراقطليس" قبل أن يصبح فيلسوفا، تساءل: ما هذا الوجود؟، وكما يقول هيدجر إنه السؤال الأول الذى اعتبر شهادة ميلاد العالم، خاصة العالم الغربى، وهو نفسه شهادة ميلاد كل الاكتشافات التى ستأتى فى المستقبل، وبلا شك على هذه الدهشة بدأ العالم، وهو يحدد ماهية الأشياء ويكتشفها، وقد أجبر أن يسيطر عليها من أجل البقاء أولا، ثم سار على نفس الوتيرة من أجل الارتقاء، لذلك تعتبر الدهشة الحركة الدائبة المستمرة من أجل التواجد على الأرض، والسؤال: ما هو الوجود؟ لا يمكن اعتباره مجرد سؤال عادى، فهو ليس كباقى الأسئلة، فهو سؤال روح وضعت على هذا الكوكب وتريد أن تعيش عليه بأمان لأطول وقت ممكن، وهذا الكوكب مهدد بالانهيار فى لمح البصر، وذلك السؤال هو سؤال منحة ومحنة ولا يحلو لأحد التوقف عنده وسط هذا اللهاث اليومى وراء لقمة العيش، ففى هذا اللهاث نحن لم نفقد كلمة الدهشة تماما وإن فتر سؤال مثل هل مازلنا نندهش؟ أو هل نحن قادرون بحق على الاندهاش؟
الربط بين الدهشة والفلسفة يأتى لأن الأخيرة تعنى برؤية والتأمل، وهو ما تحتاجه بالضبط الدهشة، فالدهشة تحتاج كما سبق لعين مفتوحة ولسان لا يكف عن أن يسأل ولو بصمت وحواجب مرفوعة منتظرة الإجابة.
إنقاذ الدهشة
المدهش حقا أن اليونانيين قد حاولوا أن يحموا تلك الدهشة المتحدث عنها من الاختفاء، ومن حكمة السوق التى تدهس الأخلاق والذوق وتعمد إلى إهدار الوقت وإضاعة الجهد، وقد كانوا فى هذا فى أشد الاحتياج للمتأمل المندهش حتى لا ينقرض وسط صخب الحياة، لذلك عمل اليونانيون على إنقاذ المندهشين من الحكماء والفلاسفة فى زمانهم بقدر المتاح آنذاك، فالفيلسوف أو الحكيم كان بالنسبة لهم طوق النجاة، حيث كان بسعيه يوقظ تلك الروح الوثابة فيهم وذلك الشغف والشوق للمعرفة، فكل من الحكيم والفيلسوف هما المحبان للحياة والوجود، وربما كان كلاهما فى شبه عزلة عن حركة عوام الناس حتى يتفرغوا لسعيهم اللاهث وراء الأفكار الجديدة دون توقف، هو ما قصده "هيراقلطيس" أول من أطلق كلمة فيلسوف على المندهش مما حوله، كما قال "أفلاطون" فى محاورة "ثيايتيتوس": إن هذا الانفعال أو هذه العاطفة التى فى أعين الحكماء هى بالضبط الدهشة، وهى حقا ما يميز الفيلسوف دون غيره، حيث إن انفعال الدهشة يعنى أحد أمرين، إما الذى تصدر عنه الأشياء وتنبع منه، أو ذلك الذى يسود و يسيطر على ما يصدر ويتفرع منه، فالدهشة بهذا المعنى ليست هى البذرة التى تبدأ الحياة، بل هى قوة الحياة نفسها التى حملت تلك البذرة على النمو ووجهت مصيرها، وما قاله أرسطو أيضا يؤكد نفس المعنى، قال: "من خلال الدهشة بدأ الانسان الذى هو أول من تفلسف"، أى أن الأوائل من بنى آدم قد تواصلوا فيما بينهم بناء على تلك الدهشة التى جعلت الواحد الفرد جماعة وشعوبا وقبائل ونسلا وذرية وبشرا مختلف ألوانهم و صفاتهم وأخلاقهم ومساعيهم، وربما سيطرت الدهشة على حاضر هذا الإنسان ومستقبله كما سيطرت قبل على ماضيه.
الدهشة والعلة
الظن أن أفلاطون وأرسطو حينما حاولا التحدث عن الدهشة قد قصدوا إنها علة الفلسفة والتفلسف خاطئ، ولو صح هذا لما زادت الدهشة عن أن تكون مجرد دفقات ودفعات ساقت الفلسفة وغيرها من العلوم إلى طريق، ثم توقفت بسبب عائق أو حتى عند اكتشاف جديد مثير، حيث إن الدهشة بلا هذا المعنى المحدد هى ما تحدد كل خطوة يخطو بها الإنسان، وهى تسير فى جسده كالدم فى العروق، ولما لا وهى انفعال واشتياق وشغف وعاطفة تحمل المتعة وفى نفس الوقت العذاب، غير أن هذا العذاب والتعب والصبر من أجل حدوثها يزول فى لحظة أمام لحظة تكشف سر أو لغز و لو بسيط كان يحتاج هذه الدهشة ليظهر، وفى هذا الاطار قال "باسكال" كلمته المشهورة: "تعلموا أن الإنسان يعلو دائما بما أعطى الرب له من دهشة، أو أعطى الدهشة ثم أعطى لشخص آخر بعده دهشة أكبر بما لا نهاية له من عطايا على هذا الشكل، لذلك الدهشة مستمرة، وما اكتشفه البعض حتى الآن ما هو إلا بعض ما لم يكتشف بعد".
سمو الدهشة
إن الدهشة تعلو فوق الإنسان نفسه، وفوق حدود العالم المحدود، بتفاصيل تسمو فوق الأسوار، ذلك لأن الدهشة تجربة إنسانية، وفى كل شيء باقية لا تختفى إلا باختفاء البشر، وربما هذا لا يعنى ألا يكون هناك ألوان من الدهشة، فهناك منها مثلا الظاهرى السطحى والعميق الغائر، ومنها البسيط ومنها القوى المؤثر طويلا، ومنها الزائف والحقيقى، ومنها ما نستطيع القول عنه أنه لباس وجه الدهشة أى قناع فقط وما هو العكس دهشة حقيقية بوجه أصلى، وبالطبع السر هنا يتحكم فيه الله وحده، كالموت والحياة، فالله هو من يخلق فى الانسان هذه الهبة ليصبح مستعدا للتأمل والاندهاش، وهو أيضا من يضع أمامه شيء ليندهش من أجله من هذا النوع أو ذلك، وكذلك بإرادته سبحانه وحكمته يضع ما يريد الناس معرفته، فيجعلهم يندهشون أولا كى يجدوه، أو يقرر ألا يعرف أحد أى شىء عن شىء فيخفيه عن لحظة الاندهاش، وعن هذا المجهول سأل سقراط يوما "بروتاجوراس" تلميذه السوفسطائى عن: ما الشيء الذى يعلمه للشباب فيجعلهم يتدافعون إليه بدهشة؟ وأجاب "بروتاجوراس": علمهم الرشد، سواء فى أمورهم الخاصة أو فى حياتهم العامة، فيتعلمون مثلا كيف يؤثروا بالقول والفعل مثلما تؤثر الدولة على مواطنيها".
ضحكة ودهشة
إن ضحكة الفتاة التى جلجلت بها وهى ترى الفيلسوف "طاليس" يتعثر يوما فيقع فى ماء النبع لأن عينه كانت معلقة فى تأمل السماء، كانت فى نظر أفلاطون دهشة قد لا يراها كثير من العقلاء على أنها كذلك، فيأخذونها مأخذ السخرية والمزاح، لكن من يجرؤ على الادعاء أن فى إمكانه أن يغادر عالم هذه الفتاة إلى غير رجعة أو دون هذه الدهشة المختفية وراء ضحكتها المجلجلة؟. ومن منا يمكنه أن يعيش بلا هذه الضحكة ولو كانت فى وقتها سخيفة بلهاء؟، وربما بهذه البلاهة وهذا السخف يعيش الإنسان طوال عمره وفوق رأسه سقف لا يجعله يرى السماء، ومن منا أيضا يملك ترف ذاك التأمل فى النجوم؟ إلا إذا كان مستعدا أن يقع تحت عجلات الحياة فتسحقه وهى تسير فوق رأسه المتأمل المرفوع عاليا، وتنبغى الإشارة هنا أنه ليس بمقدور أى منا فعلا عمل هذه الدهشة، فالتجربة ليست بهذه البساطة المتوقعة، لا سيما وسط عالم صاخب يهز برعونة الجميع بلا استثناء بدوامة حياة تجرف معها القدرة على الدهشة، إلا إذا كانت دهشة مصطنعة، ومع ذلك فإن ينبوع الدهشة لن يتوقف، حيث قال الأديب "ألبير كامو": "إن الدهشة تجربة لا يجب أن تتوقف أبدا، حتى وسط أهداف الحياة القريبة المباشرة، فالعالم مضطر أحيانا أن يترك مكانه الآمن إلى حيث مناطق الخطر، وأن يغادر بيته الدافئ إلى حيث ينزل المطر أو إلى حيث لهيب الشمس من أجل دهشة جديدة".
الدهشة والحرية
لا شك فى أن الانسان حين يندهش يعانى من دوامات المعتاد والعادات التى تجرفه فى اليقظة والمنام، وفى ساعات يقضيها فى العمل أو الفراغ، ثم فى هذه المتوالية التى لا ينجو منها أحد من جراء سعيه فى الحياة، حتى المفكر فهو محتاج للتركيز حتى يجد ما يندهش به، لكى يندفع نحو سبر أغور الاندهاش ويقف أمام هذا الشبح لينتظر فى صبر انجلاء عتمة الروتين اليومى الذى يواجه العالم فى سحابة ضبابة كثيفة، لكننا حين نتحدث عن الدهشة نتحدث عن عالمين متناقضين متقابلين، عالم واقعى حقيقى، وعالم خيالى يغادر فيه الإنسان مكانه إلى حيث المجهول، وهو فى رحلته هذه يترك أشياءه العادية ليرحل وراء اللاشىء، وأن الدهشة فى هذه الحالة شك يحار أمامه الفكر، مما يدفع للمزيد من التحرك حتى لا نفشل فى الرحلة نحو الاندهاش.
الدهشة والصمت
حينما نندهش تصمت فجأة الحياة التى نعرفها ولو للحظة أو لعدة لحظات، وهنا نرتفع فوق الموجود لنرى بعين أخرى اكتشافنا المنتظر، فنجلس آنذاك بمجلس سقراط حينما قال: "ليس المدهش على صلة مع الغريب، بل على صلة بالممكن المثير فوق العادة"، ومن هنا يمكن أن نسأل: من منا لا يريد أن يندهش؟ أو أن يترك نفسه لتك اللحظة التى تعتبر جائزة أو منحة من السماء أو إجازة من الواقع المعاش بكل صخبه وحره وقفره؟، إن كل حواسنا تدعونا لهذه اللحظة المبهرة التى أصبحت معجزة هذا العصر، فالدهشة التى تثير العالم لا توجد الآن إلا فى المعامل ووسط الأبحاث، وتلك هى الحقيقة للأسف، لعل ذلك يتوافق مع أبيات شعر "جوته" الذى قال:
وجدت كى أندهش / كانت الروح دائما فى مراحلها الاولى / و كنت أنا الساعى لهذا الجحيم / وحدى أكتشف ذاتى و أكتشف الكثير غيرها / أوافق مع طبيعتى و أتحمل معاناة التغيير.
نعم، وكما قال جوته:"إن الدهشة أسمى الأمانى، وأسمى ما يستطيع الإنسان الوصول إليه، فالدهشة لغة وسط صمت الحياة، ومن علامات الزمن التعيس ألا نعيش إلا دهشة المعامل والمختبرات".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد