التاريخ يعرف نوعين من الرجال، النوع المهادن، والنوع المقاتل فى سبيل رفعة الوطن وإحقاق الحق، النوع الأول عرفه المصريون فى أزمنة كثيرة،
لكن زمن الحملة الفرنسية وزمن "محمد على" أظهر معادن الرجال، المهادن قبض المال، ونال "لعنة الناس"، والمقاتل الشريف، دفع الثمن ونال محبة الله والناس، وكان "عمر مكرم" من الذين أحبهم الناس لأنه كان الزعيم الشريف، الذى ينتهى نسبه إلى آل البيت النبوى، وهذا النسب الطاهر، جعله يشعر بالمسئولية تجاه مجتمعه، وهو الشيخ الجليل الذى تلقى علوم الشريعة فى الأزهر، ولم يتفرغ لوضع الكتب، بل أصبح بلغة عصرنا "المثقف العضوى" الذى يتواجد مع "الجماهير" ولا ينعزل عنها فى المعارك الفاصلة، وهو الذى تزعم ثورة الشعب فى مواجهة "نابليون" وتزعم الثورة الشعبية فى العام 1805 التى خلعت الوالى العثمانى "خورشيد باشا" وأرغمت السلطان على تنصيب "محمد على" والياً على مصر، وهو نفسه الذى غدر به من الوالى الجديد صاحب الأطماع الذى لا يشبع..
آل البيت الأطهار
منذ أن أرسل الله رسوله النبى الأعظم محمد بن عبدالله إلى الناس هاديا ومبشراً ورسولاً، ووصول صدى الدين الجديد إلى "قبط مصر" الذين كانوا يدينون بالمسيحية ويعانون القهر والهوان تحت الحكم الرومانى، أعلنوا رغبتهم فى الانعتاق من ظلم الرومان، وجاء عمرو بن العاص ومعه جيش المسلمين، وفتح مصر، ووجد من المصريين الدعم والقبول والفرح بدعوة الحق والعدل، ولما تولى "عثمان بن عفان" الخلافة، عانى المصريون من ظلم الولاة الأمويين، وقتل الخليفة عثمان عقب ثورة شارك فيها المصريون، وتوالت الأحداث، فتولى "على بن أبى طالب" الخلافة، ووقعت "الفتنة الكبرى " بين أنصاره وأنصار "معاوية بن أبى سفيان" وانحاز المصريون إلى "على" صهر النبى وابن عمه لأنهم رأوا فيه الحاكم العادل المتأسى بالنبى الأعظم، وبعد جريمة "كربلاء" التى قتل فيها "الحسين بن على" وسبعون من آل البيت الأطهار، استقبل المصريون "السيدة زينب" واستقبلوا "رأس الحسين" الشهيد، وأصبحت مصر حاوية جثامين العديد من آل البيت، وأصبح "الأشراف" المنتسبون إلى الدوحة النبوية الشريفة محل تقدير وثقة الشعب المصرى، وفى كل قرية ومدينة مصرية تعيش عائلات منتسبة إلى آل البيت، وهذه العائلات اختصت بلقب "السادة" وواحدهم "سيد"، ومن هنا اكتسب "عمر مكرم" لقب "السيد" وهو الذى حاز لقب "أفندى" لكن هذا اللقب الرسمى، لم يعتمده المصريون، هم يعرفون "السيد عمر مكرم" وكانوا يلجأون إليه لينقذهم من بطش الحكام المماليك، وكان ظهوره القوى فى العام 1795 وكان ضمن فريق "علماء الأزهر الشريف" الذين استغاث بهم الناس من ظلم وقع عليهم فأغاثوهم وكانوا بمثابة الوكلاء عنهم، وصدرت "حجة 1795" التى كانت أول "عقد اجتماعى" بين الحكام المماليك والعثمانيين والشعب، وفيها نصوص واضحة تقضى باعتراف الحكام بحقوق الشعب، للمرة الأولى منذ قيام دولة المماليك ومن بعدها دولة العثمانيين التى منحت المماليك الحكم المحلى، وتوحش أمراء المماليك، واستعادوا السلطة من "الوالى العثمانى"، وكان "السيد عمر مكرم" فى قلب المشهد السياسى، فلعب دور الوسيط بين "السلطان" والأميرين "إبراهيم ومراد" اللذين كانا ظالمين جشعين، فاسدين مشغولين بإرهاق العباد بالضرائب، وتولى "السيد عمر" منصب "نقيب الأشراف" ورضى الناس به نائباً وقائداً يلجأون إليه فى أوقات الشدة فيجدون منه الدعم والتأييد.
الجهاد ضد الفرنسيس
لما تفشّى الظلم فى دولة العثمانيين، وأصبح "إبراهيم بك" و"مراد بك" مشغولين بجمع المال وقهر العباد، ضعفت قوة المماليك العسكرية، وكانت الحملة الفرنسية جاهزة للانقضاض على مصر، بحجة الانتقام من المماليك والثأر لكرامة التجار الفرنسيين الذين تعرضوا للمهانة على أيدى رجال "مراد بك "ومنافسه" إبراهيم بك" اللذين كانا يتقاسمان حكم البلاد، ووصلت الأخبار من "الإسكندرية" بأن "الفرنسيس" وصلوا المدينة بسفن وأسلحة واستولوا عليها، بعد مقاومة شعبية استغرقت "ليلة واحدة" بقيادة "محمد كريم" حاكم المدينة، الذى طلب الأمان من نابليون، وتصالح معه، وفيما بعد انقلب الحال، فأمر نابليون بإعدام "محمد كريم" وكانت القاهرة تعيش حالة من الخوف والقلق والضعف، ولما وصلت قوات "نابليون" إلى مشارف القاهرة، وقعت معركة بينها وبين مماليك "مراد بك" وهزم "مراد" بعد أقل من ساعة من القتال، فهرب إلى الجيزة ومنها إلى الصعيد، ولما بلغ "إبراهيم بك" خبر هزيمة المماليك، هرب إلى بلبيس ومنها إلى بلاد الشام، وفى الفترة التى سبقت "معركة إمبابة" بين الفرنسيين والمماليك، تجمع المصريون وهبوا معلنين الاستعداد للدفاع عن بلادهم، وكان "السيد عمر مكرم" هو القائد للجماهير الغاضبة، ووصف "الجبرتى "ـ المؤرخ المعروف ـ ما رآه وعايشه فى كتابه المشهور"عجائب الآثار فى التراجم والأخبار" بقوله:
ـ فى يوم الثلاثاء"17 يوليو 1798ـ 3 صفر 1213"نادوا بالنفير العام، وخروج الناس للمتاريس وكرروا المناداة بذلك، كل يوم فأغلق الناس الدكاكين والأسواق، وخرج الجميع إلى "بر بولاق"، فكانت كل طائفة من أهل الطوائف والصناعات يجمعون الدراهم من بعضهم، وينصبون لهم خياما، أو يجلسون فى مكان خرب أو مسجد، ويرتبون لهم فيما يصرف عليهم ما يحتاجون إليه من الدراهم التى جمعوها من بعضهم، وبعض الناس يتطوع بالإنفاق على البعض الآخر، ومنهم من يجهز جماعة من "المغاربة" أو الشوام بالسلاح والأكل وغير ذلك، بحيث أن الجميع بذلوا ما فى وسعهم وفعلوا ما فى قوتهم وطاقتهم وسمحت نفوسهم بإنفاق أموالهم، فلم يشح فى ذلك الوقت أحد بشىء يملكه، ولكن لم يسعفهم الدهر، وخرجت "الفقراء" وأرباب الأشاير بالطبول والزمور والأعلام والكاسات، وهم يصخبون ويصيحون ويذكرون بأذكار مختلفة، وصعد السيد "عمر مكرم" ـ أفندى ـ نقيب الأشراف إلى القلعة، فأنزل منها بيرقاً، سمته العامة "البيرق النبوى"، فنشره بين يديه ـ من القلعة إلى بولاق ـ وأمامه وحوله ألوف من العامة بالنبابيت والعصى، يهللون ويكبرون، ويكثرون من الصياح ومعهم الطبول والزمور، وغير ذلك، وأما "مصر" فإنها باقية، خالية الطرق لا تجد بها أحدا سوى النساء فى البيوت، والصغار وضعفاء الرجال الذين لا يقدرون على الحركة، فإنهم مستترون مع النساء فى بيوتهم، والأسواق مصفرة، والطرق مجفرة من عدم الكنس والرش، وغلا سعر البارود والرصاص، بحيث بيع الرطل بستين نصفاً، والرصاص بتسعين، وغلا جنس أنواع السلاح وقل وجوده، وخرج معظم الرعايا بالنبابيت والمساوق، وجلس مشايخ العلماء بزاوية "على بيك" ببولاق، يدعون ويبتهلون إلى الله بالنصر، وأقام غيرهم من الرعايا،البعض بالبيوت، والعض بالزوايا، والبعض فى الخيام".
ومن يقرأ هذه السطور، سوف يجد "السيد عمر مكرم" القائد الشعبى الذى صعد "القلعة" وهى مقر السلطة آنذاك، ورفع "البيرق" أو"الراية" ومضى والناس معه نحو "بولاق" أو "بر بولاق" حيث كانت "الجماهير" محتشدة، مستعدة للقاء "نابليون"، ودارت الدائرة على "المماليك" وهنا أفاق الناس من الغفلة، وأدركوا أن "المماليك" لا يحمون الأوطان، وأن الأوطان لا يحميها غير أبنائها من الفلاحين والتجار وأرباب الحرف والصناعات، ورفض "السيد" قبول التعاون مع "الحملة الفرنسية" بل هجر مصر، حتى لا يتورط فى تعاون أو يرغم على القيام بمهمة لا يرضاها لنفسه، وبعد ثلاثة شهور مضت على سقوط "القاهرة" فى قبضة الفرنسيين، ثارالشعب ثورة كبرى، تزعمها شيوخ الصف الثانى، بعد توافق شيوخ الصف الأول مع الغزاة وقبولهم الانضمام إلى "الديوان" الذى أنشأه الفرنسيون، وهزمت الثورة الشعبية وأعدم نابليون قادتها وهم الشيوخ"عبد الوهاب الشبراوى ويوسف المصيلحى وإسماعيل البراوى وسليمان الجوسقى وأحمد الشرقاوى"وكان هؤلاء الشيوخ هم خطباء الثورة وقادتها، وكان الأقوى من بينهم والأشجع هو الشيخ "سليمان الجوسقى " شيخ رواق" العميان "فى الأزهر الشريف، وشهد له الفرنسيون بالشجاعة والثبات، وأعدم الشيوخ الثوار، لكن الثورة ظلت كامنة فى قلوب الناس ، حتى تفجرت فى "أبريل 1800" وهى الثورة التى تعرض لها المستشرق "أندريه ريمون" فى كتابه "المصريون والفرنسيون فى القاهرة ـ ترجمة بشير السباعى " بقوله:
ـ لأول مرة فى تاريخ القاهرة الحديث، لعب المصريون إلى جانب الضباط والأمراء ، دوراً حاسماً فى حركة مسلحة، وجميع المصادر تقدم أسماء أعضاء النخبة المصرية الذين تزعموا الثورة، ومنهم "السيد عمر مكرم " نقيب الأشراف "السابق" ،والشيخ "السادات" وهذا أمر طبيعى، فقد كانا معارضين للاحتلال الفرنسى وكانا ضمن كبار العلماء المعبرين عن الحركات الشعبية.
بعد رحيل نابليون
بعد أن تفجرت الأزمات السياسية فى فرنسا، قرر"نابليون" بعد تحطم الأسطول الفرنسى فى موقعة أبى قير البحرية فى معركة انتصر فيها الإنجليز، وبعد أن أدرك فشل حملته إلى الشرق، بقى "كليبر" ليتولى قيادة الحملة، وكانت ثورة القاهرة الثانية، مقدمة لنهايته ونهاية الوجود الفرنسى فى الشرق، وقتله الشاب السورى "سليمان الحلبى" وخرج الفرنسيون من مصر، وعادت مصر إلى الحكم العثمانى، وعادت مظاهر القهر والجباية والظلم من جديد، لكن الشعب كان مختلفاً ، فوقعت المواجهات بين الشعب والوالى العثمانى "خورشيد باشا"، وهنا ظهرت القيادة الشعبية الثورية التى تبلورت فى سنوات المواجهة ضد الحملة الفرنســــية، وممـــا رواه المؤرخـــــون أنه فــى يـــوم "2 مايو 1805" تفجرت ثورة الشعب وعمت أرجاء القاهرة واجتمع العلماء وأضربوا عن إلقاء الدروس وأقفلت دكاكين المدينة وأسواقها،وتصاعدت مطالبات الجماهير بعزل الوالى، وتقدم "السيد عمر مكرم" ومعه عدد من العلماء بمذكرة إلى "المحكمة الكبرى"احتوت مطالب الشعب وهى "عدم فرض ضرائب جديدة إلا بموافقة العلماء والأعيان، وخروج "العسكر العثمانى " من مدينة "القاهرة" ومنع دخول الجند المسلحين إلى المدينة ،وفى يوم "13 مايو 1805" قررزعماء الشعب "العلماء والأعيان " عزل "خورشيد باشا" وتعيين "محمدعلى " بدلاً عنه، وفى يوم "16 مايو 1805" صدرت فتوى شرعية تدعم عزل "خورشيد" وتثبت شرعية الوالى الجديد" محمد على " وكان "السيد عمر مكرم " هو من سعى لإصدار الفتوى.
ولكن تأتى الرياح بما لاتشتهى السفن، وغدر "محمد على " بالقائد الشريف "عمر مكرم" فعلى الرغم من الدعم والتأييد الذى منحه السيد عمر، للجندى المرتزق ، تاجر الدخان "محمد على" الذى جاء ضمن قوات عثمانية إلى مصر، بعد جلاء الجيش الفرنسى، إلا أنه غدر به، ففى العام 1809 فرض "محمد على" ضرائب جديدة على الشعب، وقرر "السيد" التصدى له، فما كان من "محمد على" إلا أن نفاه إلى "دمياط" وبقى فى المنفى عشر سنوات، وحضر إلى القاهرة فى العام 1819 وفرح المصريون بقدومه، وفى العام 1822 خرج الشعب فى ثورة جديدة ضد محمد على، بسبب الضرائب التى فرضها، ولكن القدر كان أسرع، فقد مات "السيد عمر مكرم" ولم يكن مقدراً له أن يقود الشعب فى ثورته ضد الوالى الغدّار"محمد على"، وعاش "السيد عمر مكرم حسين الإدريسى" المولود فى "أسيوط" فى العام 1750 فى قلوب المصريين حتى يومنا هذا ، رغم وفاته فى العام 1822 بعد أن ذاق مرارة التنكيل والنفى على أيدى الوالى الذى اختاره الشعب!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعتبر الملابس انعكاساً حقيقياً للذوق الشخصي، وفي عالم الموضة النسائية، تظل قطعة التنورة هي الرمز الأقوى للأنوثة والرقي والراحة في...
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية