خاص: «هالة» ابنة شقيقتها تكشف المخبوء/ أقامت فى بيتها صالونًا أدبيًا كان من رواده فاروق شوشة وسعاد الصباح/ ابتلاها الله بكل أنواع السرطان لمدة 25 سنة فصبرت واحتسبت
العلاقة الروحية والإنسانية والعائلية الطويلة والممتدة التى ربطت الشاعرة الكبيرة علية الجعّار بمولانا الشيخ الشعراوى كانت تجعلها المرشحة الأولى لكتابة تترات وأغنيات مسلسل "إمام الدعاة" الذى تناول سيرة الشيخ وحياته وتجربته، وقام ببطولته الفنان حسن يوسف (عام 2003)..
وبالفعل كتبت الحاجة علية تترات المسلسل وكان المطرب القدير محمد ثروت يستعد لتسجيلها، لكن ظهر المسلسل بتتر مختلف غناه محمد فؤاد وكتب كلماته أيمن بهجت قمر ولحنه محمود طلعت..
فما الذى حدث؟.. وما هى قصة الشاعرة علية الجعار مع إمام الدعاة؟.. ولماذا كان يناديها باسمها مجردا ويعتبرها كواحدة من بناته؟
لدى زميلتنا الإعلامية هالة الجعار ابنة شقيق الشاعرة الكبيرة الكثير الذى تحكيه عن عمتها وأسرار حياتها بحكم القرب العائلى والإنسانى:
(1)
علاقة أسرتى بالشيخ الشعراوى قديمة، بل ربما تسبق ميلاد عمتى علية، فقد كان والدها د. محمد الجعّار هو أستاذ الشعراوى وشيخه بحكم أنه كان مديرا للمعهد الأحمدى بطنطا وقت أن كان الشعراوى طالبا فيه، ثم تطورت العلاقة إلى صداقة وزمالة فى جامعة أم القرى بمكة المكرمة التى سافر إليها جدى كأستاذ لمادة الشريعة..
وكان الشعراوى يعترف بفضله عليه ويعتز بتلقيه العلم على يديه، وحكى كثيرا عن صحبته للدكتور الجعّار ومرافقته له فى زياراته لمقامات الأولياء، سواء فى مصر أو خارجها، فقد دعاه مرة لزيارة مقام الإمام الأوزاعى فى مسجده بلبنان، وقت أن كان يعمل بها أستاذا للشريعة، كما صحبه فى رحلة إلى سوريا زارا فيها قبر مؤذن الرسول بلال بن رباح والمقام المنسوب هناك للسيدة زينب بنت عليّ رضى الله عنهما..
وامتدت علاقة الشيخ بجدى لأمى، وكان عميدا لكلية الشريعة، وهو الذى حماه فى زمن عبد الناصر حين كان الشعراوى مُطاردا من أجهزة الأمن بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين، فكان يتسلل متنكرا إلى بيت جدى فى مصر القديمة ليختبئ فيه، رغم العواقب والمخاطر..
كذلك امتدت الصداقة إلى والدى، أول مدير للبرامج الدينية فى التليفزيون، وكان الشعراوى ضيفه الدائم فى برامجه..
وبحكم تلك العلاقة القديمة بأسرتى توطدت الصلات بين عمتى والشيخ الشعراوى، كان يعتبرها كابنته ويناديها باسمها مجردا على سبيل المحبة، وزياراتها له لا تنقطع، سواء فى بيته، أو فى الشقة الشهيرة التى كانت تطل على مقام سيدنا الحسين، وتجدها عامرة دائما بأهل الطريق من رواد الطرق الصوفية، فكانت تحضر معهم حضراتهم وأذكارهم وتشاركهم فى طعامهم (خاصة الرز بلبن)..
والشيخ الشعراوى كان يزورها أحيانا فى بيتها بمصر الجديدة، وكان يبارك نشاطها الدعوى والخيرى.. وليس سرا أن نحو أربعين شخصا اهتدوا على يديها للإسلام، فكان أول ما تفعله أن تذهب بهم للشيخ الشعراوى ليحدثهم عن الإسلام ويُثقفهم فى الدين ومقاصده بطريقته البسيطة البليغة..
كانت عمتى تعتبره إمام الدعاة وداعية العصر ومجدد الدين، ولذلك كانت فرحتها غامرة بإنتاج مسلسل تليفزيونى عن سيرته، وتحمست لكتابة تتراته، وكتبتها بالفعل ليغنيها المطرب الكبير محمد ثروت الذى كانت تعتبره من تلاميذها واكتشافاتها، لكن مخرج المسلسل استقر على الكلمات التى كتبها الشاعر الشاب أيمن بهجت قمر، التى لحنها محمود طلعت وغناها محمد فؤاد..
غضبت عمتى فى البداية، لكنها سرعان ما تفهمت الموقف وتجاوزته، خاصة أن التتر بصوت محمد فؤاد كان جميلا فعلا ومعبرا عن روح وشخصية الشيخ الشعراوى..
وما زلت أحتفظ بكلمات تتر عمتى، وهى تفيض بالمحبة والتقدير للشيخ الشعراوى، وفيها تقول فى تتر البداية:
إمام عارف بالله نوّر قلبه الإيمان
فقيه عابد يدعو لمولاه بكل مكان
ويرقى فى بحور النور يجنى من سنا القرآن
ويستنشق رحيق الذكر قلب المسلم الظمآن
فيجلو علمه الأفهام والأرواح والأذهان
وعاش العمر فى روض الإيمان والذكرِ
فألبسه كلام الله ثوب العز والطُهرِ
وأسمع صوته الدنيا كنوز الفجر إذ يسرى
عيقا نابضا بالصدق حتى آخر العمرِ
وكالنجم أشرق عبر الحياة
يُضىء ويبدى طريق النجاة
سمّى الرسول إمام الدعاة
أما تتر الختام فكان بنص كلماتها المكتوبة بخطها :
ولما شاء مولاه مضى يسعى إلى مولاه
تحيط بركبه البشرى على ما قدمت يداه
هناك الروح والريحان والحور التى تلقاه
هناك الشاهد الأعلى بيمناه.. كتاب الله
تولى شيخنا عنا إلى الخير الذى يبقى
وما زلنا بما أهدى لنا من علمه نُسقى
وما زلنا لموعده تحن قلوبنا شوقا
جزاه ربنا عنا بجنات بها يرقى
وثقّل ميزانه من رضاه
ولما رحل الشيخ الشعراوى عام 1998 كانت عمتى ممن استضفتهم فى برنامج عن فقيد الأمة، وأذكر أننى صورت حديثها وهى تستند على صورة كبيرة للشيخ على خلفية موسيقية من تتر مسلسل إمام الدعاة، ورغم أنها لم تكتبه ولكنها كانت معجبة به سواء اللحن أو الأداء أو الكلمات..
(2)
ربما لا يعرف كثيرون أن عمتى الشاعرة علية الجعّار كانت تقيم فى بيتها واحدا من أهم الصالونات الثقافية والأدبية فى مصر، ويكفى أن نذكر بعض رواده من كبار مبدعى مصر لنعرف قيمته وأهميته: فاروق شوشة، محمد إبراهيم أبو سنة، الشاعر إبراهيم عيسى، سعاد الصباح، الشيخ صقر الهاشمى، أحمد عمر هاشم (مع حفظ الألقاب والمقامات).. وفى اختياراتها لشعراء صالونها كانت تنحاز دائما لشعراء القصيدة العمودية، ولما كانوا يسألونها عن هذا الانحياز ترد: أجد فيه كل ما أرجوه من البحور والقوافى الطيعة.. أما من يلجأ إلى شعر التفعيلة فهو مُفلس وأنا لم أفلس بعد..
وكانت الإذاعة تسجل وقائع الصالون الشهرى وتذيعه ضمن برامجها..
وإلى جانب الشعر كتبت عمتى الدراما، الإذاعية والتليفزيونية، خاصة تلك التى ارتبطت بالمناسبات الدينية كالمولد النبوى والإسراء والمعراج والهجرة النبوية، وأغلب تلك الأعمال التليفزيونية كان من إخراج الأستاذ شكرى أبو عميرة..
ولأن تلك الأعمال تتضمن دراما غنائية، فإنها كانت سببا فى قربها وصداقتها لكل نجوم الوسط الغنائى من مطربين ومطربات وملحنين..
ومن أقرب أصدقائها من الوسط الغنائى والفنى يمكننى أن أذكر سعاد محمد، فايزة أحمد وزوجها محمد سلطان، شهرزاد، محمد رشدى، محمد ثروت، سمير الإسكندرانى، عادل مأمون وزوجته هدى زايد، عبد اللطيف التلبانى، نادية مصطفى وزوجها أركان فؤاد، الفنان أسامة عباس، زينب يونس.. وبالطبع شادية ومها صبرى وشمس البارودى وحسن يوسف والقائمة تطول.
أما الحاجة تحية كاريوكا فقد كان لها فى قلبها وضع خاص ومكانة متميزة، وهى بالفعل كانت شخصية ساحرة فى بساطتها وعفويتها وطيبتها وجدعنتها، وحضرت أداءها لشعائر الحج والعمرة مع عمتى، وكانت تنزل السوق لتشترى ما تحتاجه ولا تتكبر فى أن تضع البضائع فى "بؤجة" وتحملها على رأسها كعادة الفلاحات المصريات.. ومرة كنا فى سوق جدة فاشترت كمية من الدواليب "المشمع" واحتارت فى حملها، فلما تعرف عليها الناس وتزاحموا للسلام عليها والترحيب بها والتعبير عن محبتهم لها، أقنعتهم أن المحبة مش بالكلام وطلبت أن يحملوا معها الدواليب إلى بيتنا حيث تقيم، وكان المنظر مدهشا وهى تسير والناس من ورائها يحمل كل منهم دولابا ويسيرون فى سعادة!
حتى عبد الحليم حافظ ربطته بها صداقة، بدأت بعلاقة ربطت والدى وعمتى بإسماعيل شبانة الشقيق الأكبر للعندليب، وأذكر أننى كنت طفلة عندما ذهبت مع والدى وعمتى وجدى على عزومة فى بيت عبد الحليم، لكنى لا أذكر من تلك الزيارة التاريخية سوى أننى "دلقت" طبق الشوربة على ترابيزة السفرة!
وتبقى صديقتها الصدوق هى الحاجة ياسمين الخيام، وبدأت تلك الصداقة بعد توصية من السيدة جيهان السادات لعمتى بأن تدعم المطربة الجديدة، ولم تكن عمتى تحتاج إلى توصية لكى تشارك فى كتابة أغانٍ لياسمين الخيام، إذ كانت تعرفها تقديرا لوالدها المقرئ الشهير الشيخ الحصرى صديق والدها.. وأنا نفسى أذكر علاقتنا الأسرية بالشيخ الحصرى، ولا أنسى يوما زارنا فى أحد الأعياد ومنحنا نحن أطفال الأسرة عيدية بـ "الدولار"!
احتضنت عمتى المطربة الصاعدة وقتها ياسمين الخيام وشاركت فى كتابة أغانيها الأولى، لكن العلاقة الإنسانية كانت هى الأبقى والأهم، ولك أن تعرف أن الحاجة ياسمين هى التى تولت "غُسل" عمتى يوم رحيلها، غسلتها وكفنتها بيديها.
وكما قيل عن ياسمين الخيام إنها مطربة جيهان السادات، قيل عن عمتى كذلك بأنها شاعرة السادات، وهى بالفعل كانت تقدره وكتبت فيه قصيدة أسمتها "بلبل التوحيد" ضمن ديوانها "أتحدى بهواك الدنيا"..
لكنها فى المقابل لم تكتب شعرا فى مبارك، مع أنه كان الأقرب لها وبينهما علاقة نسب، إذ كانت عمتى متزوجة من "سيف ثابت" ابن عم السيدة سوزان ثابت التى اشتهرت باسم سوزان مبارك زوجة الرئيس.. وكان أونكل سيف زميلها بكلية الحقوق وتخرج بتفوق وعمل بالسلك القضائى ووصل إلى منصب رئيس محكمة الجنايات، وبعد تقاعده عمل رئيسا لحى المُناخ ببور سعيد، وكان من بين أصدقائه المقربين السيد عصمت عبد المجيد وزير الخارجية الأسبق.
ولا أذيع سرا عندما أقول إن شخصية سعودية مرموقة طلب يد عمتى علية من والدها، وكانت تلك الشخصية المرموقة هى كفيله أثناء عمله فى المملكة بجامعة أم القرى، ولم يكن يعرف أن تلك الفتاة الصغيرة الجميلة متزوجة بالفعل، فقد تزوجت عمتى بعد قصة حب وهى طالبة فى الجامعة..
تكونت عندها شبكة علاقات وصلات واسعة مصريا وعربيا، كان منهم مثلا الشيخ عبد الحليم محمود والوزير عبد الأحد جمال الدين وشقيقة الملك فهد والأمير عبد المحسن أمير منطقة المدينة المنورة وابنه الأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن وغيرهم كثيرون.. وهو ما نجحت فى توظيفه لخدمة قضايا الأمة الإسلامية، ولا ينسى أحد لها دورها القوى فى أثناء مأساة مسلمى البوسنة والهرسك، وما جمعته من تبرعات وما قامت به من تحركات، ووقتها تبرعت بمصوغاتها وملابسها الغالية لصالح البوسنة، وبإشراف شيخ الأزهر سافرت مع وفد لجنة الإغاثة الإسلامية بنقابة الأطباء لتقديم الدعم لمسلمى ومسلمات البوسنة، وأذكر أننى كنت وقتها أعمل مضيفة فى شركة طيران دولة خليجية، فكانت تطلب منى شراء أنواع معينة من المنظفات والصابون والشامبوهات لتحملها معها إلى البوسنة..
وهو ما تكرر فى دعمها لمسلمى الشيشان أثناء الغزو الروسى، وهو ما جعل الشاعر الكبير فاروق جويدة يسميها "الفدائية"..
وكتبت عمتى كثيرا عن هموم العالم الإسلامى وقضاياه، وهو ما يمكن أن نرجع إليه فى ديوانيها "على أعتاب الرضا" و"مهاجرون بلا أنصار"..
(4)
وعلى قدر تدينها وتصوفها كانت عمتى شخصية لطيفة المعشر لا تمل من جلستها وحكاياتها، وكذلك روحها الفنانة فقد كانت عذبة الصوت وموهوبة فى العزف على البيانو، وتعرف كل أنواع الموسيقى.
لكن هذه الرقة كانت تخفى تحتها وفوقها شخصية فى منتهى الصلابة والجلد، وهو ما تجلى فى محنتها الطويلة مع المرض، فقد عاشت 25 سنة بمرض السرطان، وأصابتها كل أنواعه، واضطرت إلى استئصال صدرها، وكانت تتحمل آلاما فوق طاقة البشر، لكنها أبدا لم تفقد إيمانها ولا أملها فى رحمة الله..
وفوق كل ذلك حدث أنها أصيبت بداء الهربس، وأصيبت بالسُّل، ولا أنسى أننى كنت معها وهى ترفع بصرها إلى السماء وتخاطب الله عز وجل بابتسامة رضا: حبيبى يا رب.. بتمتحني؟.. باعت لى محنة جديدة علشان تشوف هاصبر لحكمك ولا لأ؟.. طيب ابعت كمان وشوف إنى هاصبر أكتر وهحبك أكتر.. أنت حبيبى يا رب!
هذا منظر رأيته بعينى.. قعدت تناجى ربنا وكأنها تكلم حبيبا.. وفعلا ظلت طوال سنوات مرضها الطويل وابتلاءاتها المستمرة صابرة ومحتسبة وقلبها عامر بالرضا.. ومع ذلك كانت تأخذ بالأسباب، يعنى فى سنواتها الأخيرة التزمت نظام الأكل الصحى أو الأورجانيك، وكانت تتابع الدكتورة مريم نوح وبرنامجها التليفزيونى الذى تقدم فيه طرقا للتغذية الصحية..
منحها الله شخصية قوية وقدرة على الثبات، يعنى فى فترة من حياتها كانت مستهدفة، وفرضت عليها وزارة الداخلية حراسة أمنية، وخصصت لها اثنين من أمناء الشرطة، يقفان على باب بيتها ويرافقانها فى تنقلاتها، لكنها أبدا لم تعرف الخوف ولا الخشية على حياتها..
بل طهرتها تلك المحن والآلام، وصفّت روحها وجسدها، وأصبحت حياتها لله وحده، لا ينشغل قلبها بغيره كجدتها فى الطريق وفى الحب الإلهى رابعة العدوية، فكتبت على منوالها:
أنا فيك أحيا منذ بدئك كان / ولا شيء يفصل بيننا فغرامنا فيه اختلطنا مهجة وكيانا / أنا إن قلت أنت فإننى أنت الذى أعنى وأقصد بالنداء إيانا / غُيبّت عنك لفترة ورأيتنى فعرفت أن لقاءنا قد حان / الحب وحّدنا فصرنا نبضة يعنى بها عبر الحياة كلانا..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة