هرب "نابليون" من "القاهرة" إلى باريس، وألقى الجنرال "كليبر" فى نار الغضب الشعبى المصرى، وكان "سارى عسكر" الجديد، دمويا لايعرف الرحمة، وكان مزاجه الدموى وقسوته السبب فى إضرام النار فى الفرنسيين،
وتفاقم الأمر، فتحول إلى "حرب إبادة" للشعب المصرى فى "بولاق" وبقية أحياء "مدينة مصر" وتخطى "كليبر" كل الخطوط الحمراء، فأهان الشيوخ الكبار، وفرض على كل أرباب الحرف والصنائع غرامة مالية قدرها عشرة ملايين فرنك فرنسى "تساوى مائتين وثمانين مليون بارة مصرية"، وبلغ الغضب حده الأقصى فى قلوب أهل العروبة والإسلام، فقرروا الانتقام من "سارى عسكر" وتطوع شاب من مدينة حلب اسمه "سليمان محمد أمين" للقيام بمهمة قتل القائد الفرنسى المتوحش، ونجح الشاب فى مهمته، وقبض عليه الفرنسيون وأعدموه بطريقة بشعة بعد أن أحرقوا يده، ومازالت "جمجمة سليمان" فى متحف "الإنسان" فى باريس معروضة وتحتها عبارة باللغة الفرنسية تصف صاحب الجمجمة بالمجرم..
رغم أن "سليمان الحلبى" الثائر الأزهرى معروف لجميع الناس فى مصر والشام وفرنسا لكن هناك خلافا حول أصله، بعض المؤرخين ينسبه إلى القومية "الكردية" والبعض الآخر يقر بعروبته، فالفرنسيون قالوا فى كتب تؤرخ للحملة الفرنسية على مصر والشام، إنه "سليمان محمد أمين" من مواليد قرية "كوكان" الواقعة فى منطقة "عفرين"، لأب مسلم ينتمى إلى عائلة "أوس قوبار" الكردية، والمؤرخ "خير الدين الأسدى" أسماه "سليمان ونس" والثابت أنه من مواليد العام 1777 الميلادى، وعائلة "ونس" عائلة عربيةحلبية، موجودة فى مدينة "حلب" فى حى "البياضة"، ولقب "الحلبى" استمده من مسقط رأسه، والبعض فى ـ مصرـ كان يظن أن "سليمان الحلبى" ينتمى إلى طائفة "الحلب" وهو الاسم الذى يطلق على "الغجر" فى محافظات الجنوب المصرى، والحقيقة أن "الحلب أو الغجر" لا يدينون للأوطان ولا الأديان، هم شعب "هند أوربى" يتلون بلون الأرض التى يعيش فيها، ويعيش ـ الغجرـ على سرقة حيوانات الفلاحين و"فلوس" الغافلين، ويمارسون هذه المهنة فى بيت الله الحرام، فى مكة المكرمة، فلا قدسية عندهم لدين أو معنى يقدسه العرب المسلمون، وهذا يجعلنا نؤكد أن "سليمان الحلبى" سواء كان كرديا أو عربيا، هو فى النهاية "ثائر مجاهد" فى سبيل رفعة الإسلام ونصرة المسلمين، ولم تكن فكرة "الوطن" معروفة فى الزمن الذى عاش فيه "الحلبى" وكان العرب والمسلمون يتوحدون تحت راية "خليفة المسلمين" ويعرفون "ديار الإسلام" وهى الديار التى يرفع فيها الأذان وتقام فيها الصلوات وتكون فيها العزة للمسلمين، و"ديار الكفر" وهى الديار التى لم تعرف دين الإسلام ولا المسلمين، و"سليمان محمد أمين" كان أزهريا، درس عدة سنوات فى الأزهر الشريف، وحج بيت الله الحرام مرتين، وعاش فى مكة والمدينة عدة سنوات، وكان والده "محمد أمين" تاجر "سمن" فى "حلب"، وأحب "سليمان" القاهرة أو "مدينة مصر" كما تسميها كتب مؤرخى تلك الفترة، وزار مدينة "القدس" ووصل القاهرة فى العام 1797 وانتظم طالبا فى الجامع الأزهر وأقام فى "رواق الشوام" وهو السكن المخصص لطلبة "الشام" وكان مثله "رواق الصعايدة" و"رواق المغاربة" وهى أروقة يقيم فيها الطلبة الفقراء الذين يعيشون على "الجراية" اليومية المجانية "الأرغفة" ولا يستطيعون اكتراء مساكن بعيدة عن الجامع، وتتلمذ على أيدى الشيخ "أحمد الشرقاوى" .
ثورة القاهرة الثانية
جاءت الحملة الفرنسية إلى "الإسكندرية" ومنها سلكت الطريق المؤدى إلى "القاهرة" أو "مصر المحروسة" التى هى "مدينة مصر"، وكان ذلك فى شهر يوليو من العام 1798، وفى شهر أكتوبر من العام نفسه ثار المصريون دفاعا عن بلادهم، رافضين وجود "الفرنسيس" ودخلت "خيول" الفرنسيس الأزهر الشريف، وأعدمت "القيادة العسكرية" الشيوخ الثوار، الذين كانوا يقودون الجماهير الغاضبة، وعلى المستوى الدولى، كان البريطانيون يحاصرون الحملة سياسيا وبحريا، ووقعت معركة أبى قير البحرية، وتحطم الأسطول الفرنسى، وانقطعت الأخبار الواردة من "باريس"، وكان "السلطان العثمانى" يسعى لاسترداد ـ الولاية على مصرـ وكان المماليك فى "الشام" و"الصعيد" بعد المعارك التى وقعت بينهم وبين جنود الحملة حريصين على طرد الفرنسيين، واستعادة السيطرة على مصر، وكان الشعب المصرى يعيش حالة من الغضب واليأس والفقر الرهيب بسبب الضرائب التى فرضها "مراد بك" وفرضتها "الحملة، والمهم هنا القول إن الأوضاع فى "فرنسا" فرضت على "نابليون" العودة إلى باريس ليكون فى قلب المشهد السياسى ويخوض الصراع على السلطة هناك، وفى "مصر" أصبح جنود الحملة وقادتها يائسين من الوضع الذى فرض عليهم، فقرروا التوسع فى تحصيل الضرائب من التجار والفلاحين وأرباب الصنائع، وتفجرت ثورة القاهرة الثانية فى "20 مارس 1800" وظلت مشتعلة نارها حتى "22 أبريل 1800" ويرسم المؤرخ والباحث الفرنسى "أندريه ريمون" فى كتابه "المصريون والفرنسيون فى القاهرة" ـ ترجمة "بشير السباعى" الذى صدر عن دار "عين" منذ سنوات صورة للثورة أو "تمرد القاهرة الثانى" فيقول:
تمرد سنة "1800" حدث مهم فى تاريخ الاحتلال الفرنسى، لأنه يشكل ذروة هذا التاريخ، وهو حدث مهم أيضا فى تاريخ مصر الحديث، وهو يندرج فى سلسلة التظاهرات الشعبية التى عاشتها "القاهرة"، وهذا التمرد يتميز بأن سكان القاهرة كانوا مشتركين مع غيرهم فيه، مثل العسكر العثمانى والعسكر المملوكى، وأدى اقتراب وصول القوات العثمانية من "القاهرة" إلى زيادة المواجهات العنيفة بين المصريين والفرنسيين.
وانتهت الثورة الشعبية، بهزيمة الثوار، وإحراق حى "بولاق" وإهانة كبار العلماء، حسب ما ذكره "أندريه ريمون" فى كتابه:
ليس من أحداث تلك المواجهة بين الفرنسيين والمصريين ما هو أكثر إيلاما للنفوس، من المحنة التى نزلت بالشيخ "السادات" الذى ظن "كليبر" أنه من قادة التمرد، وفرض عليه غرامة باهظة، ووضع تحت المراقبة المشددة، ونقل إلى "القلعة" ونام على الأرض، واعتدى عليه الجنود بالضرب، كان الجنود يضربونه فى الصباح خمس عشرة عصا، ومثلها فى المساء، وهو الشيخ البالغ من العمر ثمانية وستين عاما، وهذه المعاملة "الهمجية" التى عومل بها "الشيخ السادات" أغضبت الطلبة الدارسين فى الأزهر الشريف، وكانت من مقدمات مقتل "كليبر" بأيدى الأزهرى "سليمان الحلبى" .
مقتل سارى عسكر
قتل "سليمان الحلبى" كليبر، احتجاجا على القتل والترويع والإرهاب والتجويع الذى مارسه على الشعب المصرى، وسعيه لعصر الشعب كما يعصر بائع "الليمونادة " ثمار "الليمون"، وهذا كلام "كليبر" الموثق، هو من قال إنه "عصر الشعب" عصرا، فجعله جائعا مكسورا يتمنى الموت، وقد وصف ـ عبدالرحمن الجبرتى ـ مؤرخ تلك الفترة، فى كتابه المشهور "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار" ما جرى فى مقر "سارى عسكر" بحى "الأزبكية" يوم أن طعنه "سليمان الحلبى" طعنــــات قتلتــه:
"وقعت نادرة عجيبة، وهى أن سارى عسكر "كليبر" كان معه كبير المهندسين، يسيران بداخل البستان، الذى بداره فى الأزبكية، فدخل عليه شخص "حلبى" وقصده، فأشار إليه بالرجوع، وقال له "مافيش"، وكررها، فلم يرجع، وأوهمه أن له حاجة وهو مضطر فى قضائها، فلما دنا منه، مد إليه يده "اليسرى" كأنه يريد تقبيل يده، فمد إليه الآخر يده، فقبض عليه وضربه بخنجر، كان أعده فى يده "اليمنى"، أربع ضربات متوالية، فشق بطنه، وسقط إلى الأرض، صارخا، فصاح رفيقه المهندس، فذهب إليه، وضربه أيضا ضربات وهرب، فسمع العسكر الذين خارج الباب صرخة المهندس، فدخلوا مسرعين، فوجدوا "كليبر" مطروحا وبه بعض الرمق، ولم يجدوا القاتل، فانزعجوا وضربوا طبلهم، وخرجوا مسرعين، وجروا من كل ناحية يفتشون عن القاتل، واجتمع رؤساؤهم وأرسلوا العساكر إلى الحصون والقلاع وظنوا أنه من فعل أهل "مصر"، فاحتاطوا بالبلد، وعمروا المدافع، وحرروا "القنابر" وقالوا "لابد من قتل أهل مصر عن آخرهم"، ووقعت هوجة عظيمة فى الناس، وكرشة وشدة انزعاج، وأكثرهم لايدرى حقيقة الحال، حتى وجدوه منزويا فى البستان المجاور لبيت سارى عسكر المعروف بغيط مصباح، بجانب حائط متهدم، فقبضوا عليه فوجدوه شاميا، فأحضروه وسألوه عن اسمه وعمره وبلده.
ويضيف ـ الجبرتى ـ قوله:
فسألوه عن محل مأواه، فأخبرهم أنه يأوى ويبيت بالجامع الأزهر، فسألوه عن معارفه ورفقائه، وهل أخبر أحدا بفعله، وهل شاركه أحد فى رأيه وأقره على فعله أو نهاه عن ذلك، وكم له بمصر من الأيام والشهور، وعن صنعته وملته، وعاقبوه حتى أخبرهم بحقيقة الحال فعند ذلك علموا ببراءة أهل مصر من ذلك وتركوا ما كانوا عزموا عليه من محاربة أهل البلد.
ولأن ـ الجبرتى ـ يتمتع بدقة وموضوعية، نقل لنا "محضر التحقيق" الذى أجرته اللجنة العسكرية الفرنسية التى أمر بتشكيلها "مينو" القائد الفرنسى، ومنها اخترت هذا المقطع المكتوب بلغة "عامية"، كتبها مترجمون فرنسيون:
"المتهوم المذكور، كان إتشاف بين جماعة سارى عسكر، من حد الجيزة، وإتوجد مخبى فى الجنينة التى حصل فيها القتل، وفى الجنينة نفسها إنوجد الخنجر الذى به انجرح "سارى عسكر"، وبعض حوائج بتوع المتهوم، فحالا بدأ الفحص بحضور سارى عسكر "مينو" الذى هو أقدم أقرانه فى العسكر، وتسلم فى "مدينة مصر" والفحص المذكور صار بواسطة "الخواجة براشويش" كاتم سر وترجمان "سارى عسكر" العام، ومحرر من يد "الدفتردار سارتلون" الذى أحضره سارى عسكر "مينو" لأجل ذلك المتهوم المذكور، سئل: عن اسمه وعمره ومسكنه وصنعته فجاوب أنه يسمى "سليمان" ولادة "برّ الشام" وعمره أربعة وعشرون سنة، وصنعته "كاتب عربى" وسكنته فى "حلب"، وسئل: كم زمان له فى "مصر" فجاوب أنه بقى له خمسة أشهر وأنه حضر فى قافلة، وشيخها يسمى "سليمان بوريجى"، وسئل: عن ملته، فجاوب أنه من "ملة محمد" وأنه كان سابقا سكن ثلاث سنين فى مصر، وثلاث سنين فى مكة والمدينة، وسئل: هل يعرف الوزير الأعظم "العثمانى" فجاوب: أنه ابن عرب، ومثله ليس يعرف الوزير الأعظم، وسئل: عن معارفه فى "مدينة مصر" فجاوب أنه لم يعرف أحداً، وأكثر قعاده فى الجامع الأزهر، وجملة ناس تعرفه وأكثرهم يشهدون بمشيه الطيب.
خطة اغتيال كليبر
يخبرنا "أندريه ريمون" الباحث والمؤرخ الفرنسى المستشرق فى كتابه "المصريون والفرنسيون فى القاهرة" بما عرفه من المصادر الفرنسية عن خطة اغتيال "كليبر" أو "كلهبر" القائد العام الفرنسى "سارى عسكر" فيقول:
كان "سليمان الحلبى" فى الرابعة والعشرين من عمره، يوم قتل "كليبر" وهو كاتب حلبى فقير، وفى حلب اتصل به ضابطان من الإنكشارية "العثمانيين" ليسافر لاغتيال القائد العام الفرنسى وهى مهمة الهدف منها تخليص الأمة الإسلامية من عدوها، مقابل التدخل لصالح والده "محمد أمين" وحل المشكلة التى بينه وبين "والى حلب"، وقد سافر "سليمان" إلى القدس، ثم إلى غزة، حيث تلقى من "ياسين أغا" تعليمات، ومساعدة مالية ضئيلة للسفر، قدرها "أربعون قرشا" وبعد أن وصل إلى "القاهرة" قبل واحد وثلاثين يوما من تنفيذه عملية الاغتيال، ذهب للإقامة بضعة أيام عند "مصطفى أفندى" وهو أستاذ سليمان، ثم ذهب إلى الأزهر، وتعرف إلى شيوخ شبان، من أهالى "غزة" كانوا قراء للقرآن فى الجامع، وأخبرهم بعزمه الجهاد ضد الكفار، واغتيال كليبر، وحاولوا منعه من القيام بالعملية..
إعدام الثائر الحر
قدم الفرنسيون "سليمان الحلبى" لمحكمة ضمت تسعة قضاة، وحكمت بإعدامه هو والشيوخ الذين علموا "ولم يبلغوا" باعتزامه قتل "كليبر" وهم "عبدالله وأحمد الغزّى والسيد محمد الوالى" وكلهم من قراء القرآن فى الجامع الأزهر، وهرب "عبدالقادر الغزّى"، ونفذت الأحكام فى منطقة "تل العقارب" بالقاهرة، أعدم الثلاثة ـ الشيوخ ـ وأحرقت يد "سليمان الحلبى" بالنار، ثم وضع على "الخازوق" حتى مات، ويقول الطبيب الفرنسى "دومينيك جان لارى" الذى شهد تنفيذ حكم الإعدام واصفا "الثائر الحر" سليمان الحلبى :
ـ لم يتخل الشاب ـ سليمان ـ عن وقفته الشامخة حتى مصرعه، وبقى جثمانه معلقا ثلاثة أيام.
وانتهى المطاف بجمجمة "الحلبى" فى "متحف الإنسان" الذى يشغل الجزء الأكبر من جناح "باسى" فى "قصر شايو" الواقع بالقرب من "برج إيفل" وكتب أسفلها "جمجمة مجرم" وبجوارها وضعت جمجمة "ديكارت" الفيلسوف المعروف، وكتب أسفلها "جمجمة عبقرى"، وفى العام 1965 كتب الكاتب المسرحى "ألفريد فرج" مسرحية بعنوان "سليمان الحلبى"، وكتب "محفوظ عبد الرحمن" مسلسلا تليفزيونيا بالاسم ذاته، أنتج فى "دبى" وقام ببطولته "عبد الله غيث وأحمد مرعى واسكندر منسَّى ويوسف شعبان ورشوان توفيق وأحمد توفيق" وأخرجه السورى "عباس أرناؤوط" وأذيع فى العام 1976 وأطلق اسم "سليمان الحلبى" على شارع فى مدينة "حلب" وعلى شارع فى "حىّ المنيل" بمدينة القاهرة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة