هل عاد " الربيع من تاني " كما أخبرنا المطرب فريد الأطرش فى أغنيته الشهيرة ، أم أن عبث الإنسان بالطبيعة قد خلط الفصول ، فلم نعد نتبين منها ربيعا من صيفا ، ولا خريفا من شتاء ؟ أيا كان الأمر تعالوا لنتعرف كيف كان أجدادنا منذ ثمانين سنة ينظرون إلى الربيع ، وهل اختلفت نظرتهم عن نظرتنا ؟ فى أوراقي القديمة عثرت على عدد خاص عن " الربيع " لمجلة " الهلال " ، ولأن غلافه مفقود فلم أتبين تاريخه المحدد ، ولكنه لا يخرج تقريبا عن أربعينات القرن الماضي ، وهو يحتوي على رؤية لبعض كبار كتابنا عن الربيع ، وقد اختصرتها لكم ، لعلها ترينا إن كانت الدنيا قد تغيرت فعلا ، أم أننا لم نبرح مكاننا بعد رغم تباعد السنين ، وعبورنا من قرن إلى قرن ؟
لأديبنا عباس محمود العقاد قصة طريفة مع " زهرة الربيع " و" الحمار " يحكيها لنا قائلا :
قبل أربعين سنة كنت أجلس فى قهوة بجوار دار البريد ومعي تاجر من تجار البلد الحصفاء .. ومر بائع الزهر فاشتريت منه طاقة من الفل والياسمين بعشرة مليمات – وكانت العشرة مليمات فى ذلك الوقت " مبلغا " ليس بالقليل عندي ، وليس بالقليل فى" تسعيرة " السوق ، فنظر إلى الرجل دهشا ، وسألني وكأنه يرتاب فى قواي العقلية ويوجه الخطاب إلى مجنون :
أفي مثل هذا تنفق نقودك ؟ !
قلت : ولم لا أنفقها فى مثل هذا ؟
قال : إن حزمة من " الفجل " ومعها " رغيف " ، أرخص من هذا القش الذى لا ينفع ، وفيها على ذلك غذاء مفيد ..
فلم أجبه جوابا يسمعه بأذنيه الطويلتين ، واكتفيت أن أجيبه الجواب الذى لا يسمعه ولا يفهمه إن سمعه ، فقلت فى نجواي :
لو أنني كنت أجلس إلى جانب حمار من ذوات الأربع لاستطاع أن يقول : إن حزمة من البرسيم أرخص وأنفع من طاقة الزهر ، ومن حزمة الفجل والرغيف .
وكانت حجته فى تفضيله للبرسيم على الزهر والفجل أقوي وأليق من حجتك على فى تفضيلك للفجل على الفل والياسمين .. أيها الإنسان!
نعم كان منطق الحمار فى هذه القضية من معدن ذلك المنطق بعينه . مع اختلاف عدد الأقدام . والحمد لله نحن فى زمن لا نحتاج فيه كثيرا إلى جواب كذلك الجواب ، من طرف اللسان أو من أعماق الضمير.
أما كاتبنا فكري أباظة شيخ الصحفيين فيري أن العلم قد جعل الربيع صناعيا ، أو كما كتب قائلا :
إن العلم الحديث والفن الحديث قد استطاع علماؤه أن يبتكروا ويخلقوا ربيعا صناعيا كالربيع الطبيعي سواء بسواء . حتى لقد استطاعوا أن يوجدوا فى الشتاء القارس " الدفء " ، وفى الحر القاتل " النسيم العليل " بمكيفاتهم الهوائية ، وآلاتهم التى سيطرت على الجو فخلطت بين الفصول وأنبتت زهور الربيع فى الصيف ، وزهور الصيف فى الشتاء .
هكذا يجدد العلم الربيع ويصنعه فى كل شئ ، فالأطباء يجددونه فى الصحة وفى العمر ، والمجربون يجددونه فى الحب وفى الزواج ، والمخترعون يجددونه فى مختلف الاختراعات . فلو شئت أن تكون حياتك كلها ربيعا فاقرأ وادرس ، واستخرج من تجاربك الوسيلة تعش حياتك فى ربيع مستمر رائع إلى أن يقضي الله بما يقضى به .
أما كاتبتنا أمينة السعيد فقد أدارت حديثا مع " الأزاهير " سجلت فيه على نفسها هزيمتها أمام حجتهن فى مواجهة حجتها ، قالت لهن :
أما تتمنين لو كنت فى بيت من الزجاج تحفظك جدرانه السميكة من تلاعب العواصف والأهواء ، وتمنحك أجواؤه المعتدلة الثابتة حياة طويلة ، وازدهارا متصلا ، وقدرة على الغلبة والانتصار ؟
قالت فى اضطراب ملحوظ :
أي بيت تقصدين ، أو ذلك السجن الشفاف البغيض الذى يصنعه الإنسان لبعض أخواتي ، ولا هدف له إلا قهر أمه الطبيعة ..
لا والله ، فالحياة فيه ممات ، والازدهار عقم ، والغلبة هزيمة نكراء . إنه قلب للأوضاع ، إذ ما قيمة الورود إذا توافرت صيفا وشتاء ، وأين سحر الربيع إذا نافسه الخريف فى الخضرة والإيناع ، وأي طعم لتتابع الأيام إذا سارت حياتنا على وتيرة واحدة لا تعترضها صعاب أو مشاق ..
إن لحياتنا على بساطتها فلسفة عميقة تقوم على الأمل الذى لا يضعف أو ينقطع . فنحن فى الشتاء براعم كامنة تترقب الربيع لتنطلق من عقالها ، ونحن فى الربيع كائنات ساحرة تتطلع إلى الصيف موسم الأثمار والانتاج .. فإذا جاء الصيف ، وقد أدينا رسالتنا تعجلنا الخريف فصلا للراحة والدعة ، ليتلوه الشتاء مرة أخري ، فنستقبل أخطاره مطمئنات أن لنا من نبتنا ما يحفظ النوع من بعدنا . هكذا حياتنا ، ومنها نستمد لذة البقاء ، ولكن بيوتكم الزجاجية تسلبنا فلسفتنا ، وتحيطنا بربيع مصطنع دائم يفرض علينا سيرة غير سيرتنا ..
أما الشاعر ميخائيل نعيمة فيري أن الإنسان بجبروته قد قضي على الربيع بشهواته ، مخاطبا :
ربي .. لعلك وهبتنا العيون لكي لا نبصر، والآذان لكي لا نسمع ، والأنوف لكي لا نشتم ؟ وإلا فما بالنا نحدق فى هذا المدي الأبيض فلا نبصر غير جراحنا وقد سالت منها دماؤنا غزيرة حمراء ، ونصغي إلى هذه السكينة البيضاء فلا نسمع غير دبيب شهواتنا السود ، ونستنشق هذا الأريك الأبيض فلا نستنشق غير روائح النتن والفساد ؟
ألعل الربيع مات ؟!
ما بالنا نفتش عن الأمن وقد دفناه فى مجالس الأمن ؟
وعن السلم وقد كفناه بمعاهدات السلم ؟ ، وعن الحرية وقد بعناها فى سوق النخاسة لعجوز شمطاء تدعي الديموقراطية ؟ ، وعن الإنسانية وقد ذبحناها وقدمناها محرقة لمعبودة عمياء اسمها الوطنية ؟
لقد تنكر الإنسان ، فالقلوب جليد ونار ، والعقول مكر ومين ، والشفاه فخاخ وشراك ، والألسنة عقارب وأصلال ، والوجوه تضليل وتمويه . تقاربت الأجساد وتباعدت الأرواح ، وتشابكت المصالح المادية وتفككت الأواصر المعنوية ، حتى أصبح الناس ولا شغل لهم إلا أن يقبح بعضهم بعضا ، وأن يرقص بعضهم فى مأتم بعض .
لعمري إن مدنية توغر قلب الإنسان على أخيه الإنسان لمدنية تقوض أركانها بيدها .
وأي خير فى مدنية تحاول تعزيز الإنسان بتذليله أو إحياءه بموته ، إنها لمدنية حل بها الخرف ، فهي من عمرها فى الشتاء .
وأنا إذ أقول إن مدنيتنا قد خرفت وأن ربيعها وصيفها وخريفها أصبحت وراءها . لا أقول ما يحط من قدرها . وإنه لمن دلائل عظمة الإنسانية وجبروتها وخلودها أن تخلع عنها المدنيات كما تخلع الأرض الفصول .
وإن فى ما نشهده اليوم من زعازع وأعاصير تجتاح البشرية ، لبشائر غالية كالبشائر التى تحملها إلينا أعاصير الربيع وزعازعه .
فلابد من يوم تنجلي فيه السماء عن ربيع بكر لإنسانية ما فتئت تحبل بالعجائب وتلد العجائب . وستبقي تحبل وتلد إلى أن تلد العجيبة الكبرى وهي عجيبة الإنسان المنعتق من ربقة الفصول ، وقد عانق أخاه الإنسان عناقا تصفق له الملائكة ، وتغني له المسكونة بكل ما فى قلبها من قوة وغبطة وحياة .
اللهم اعطني نورا غير الذى يستقر فى بؤبؤ العين ، وسمعا غير الذى يقرع طبلة الأذن ، وشما غير الذى يسري فى الخياشيم ، لعلنا نبصر موكب الشمس خلف الغيوم ، ونسمع معزوفة الربيع فى فحيح العواصف ، ونشتم أريج الزهر فى أنفاس ريح الشمال .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة