«الأزمات البشرية» فى ظــل الذكاء الاصطناعى

هل يقدم حلول للأزمات .. أم يساعد على تفجيرها؟

من الطبيعى أن يعيش الإنسان أزمات مؤلمة فى جزء من حياته، وتشعره آلامه بأنه فقد السيطرة على حياته بأكملها، وقد يؤدى ذلك حتما إلى ردود أفعال مختلفة، أشهرها الاعتلال النفسى.

الاعتلال النفسى فترة إشكالية فى حياة كل منا، تبدأ بحدث يصعب التعامل أو التكيف معه، ويكون نتيجة هذا الحدث الفجائى أو المتراكم المخبأ – الذى خرج للتو من قمقمه فى أى صدمة -  خسارات أو تغيرات حياتية تأتى تباعا بطريقة محتمة، ولا شك أن مواجهة موقف صعب يتوجب معه دخول الإنسان فى دوامة تشكل أزمة حقيقية يشعر معها بحالة من حالات الضياع، وقد لا يعرف شيئا عما يحدث له، ولا كيف حدث له، وماذا يريد الحاضر منه، وما هو المستقبل المستتر الغامض الذى ينتظره، وبلا شك أيضا أننا حين نخفق فى تحقيق ما نصبو إليه سنشعر بهذا الضيق الذى نترجمه بالترابط الشرطى مع مفهوم الأزمة التى من الممكن أن نعرف بعض أسبابها، لكننا دوما لا نعرف سوى الأثر السلبى من جرائها، وهذا لا يعنى بالطبع أن هناك لبعض الأزمات نتائج  إيجابية تدفع إلى تغيرات كبيرة لم تكن لتحدث لولا هذه الأزمة الصغيرة أو الكبيرة، ولعل الأمر هنا متوقفا على كل إنسان يبحث عن تلك الفضائل التى بانتظاره من وراء أية أزمة يتعرض لها، بما يمكن أن نطلق عليه: "النظر إلى نصف الكوب المملوء".

تختلف ردود فعل الناس إزاء الأزمات المختلفة، خاصة المتتالية المتتابعة، وهذا يرجع فى حقيقة الأمر إلى كوننا كبشر نختلف فى درجات حساسيتنا تجاه المفاجآت غير السارة، كما أن لبعضنا أحيانا خبرات سابقة تشعرنا بقرب وقوع أية مأساة، والشائع أن يشعر المرء تجاه ما يحدث له، سواء بتوقع سابق أو بمباغتة، بأنه قد وقع فى فخ التوتر والارتياب من أى شىء، كما يحس بالتعب والإرهاق الذهني، وبالتالى مواجهة مشاكل فى النوم، وبالطبع مشاعر اليأس والإحباط والوحدة والفراغ والفقد والغياب، وهذا كله طبيعى لا يوصف بالمرض، وإن كان له فى بعض الأحيان أثرا عضويا ينتقل من الإشكال النفسى إلى الجسمانى ويطلق عليه "النفسجسمية" ليمتد بطريقة أو بأخرى إلى ظهور أعراض جسمانية تبدو حقيقة يشكو منها البعض، وهى فى الواقع ليست إلا وقعا عرضيا بعيدا عن الصحة الجسدية.

  التعامل مع الأزمة

فى مواجهة الأزمات نجد أنفسنا نتعامل معها بأشكال مختلفة، فالبعض يفضل اللجوء إلى الكتمان ريثما ينجلى الأمر أو يمر بسلام، والبعض الآخر يميل إلى العزلة فى انتظار الفرج، والبعض يفضل عدم استشعار الحرج ولا يكبت مشاعره، ويميل للفضفضة مع شخص قريب منه يرتاح أو يأمن لاستشارته، وبناء عليه فإن تجاوز الأزمات ممكنا ويخضع هنا لطبيعة الشخص وللبيئة المحيطة به التى قد تمثل دعما كعامل مساعد فعال أو أن تكون بيئة ضاغطة هى الأخرى فتمثل عبئا إضافيا على المتأزم فيطول انتظاره للانفراج، هو ما يؤدى فعليا لحالة الاعتلال النفسى الذى سيصبح مع الوقت مزمنا، وهو ما يسمى هنا اصطلاحا بالوقوع فى "متلازمة الكرب".

  أنواعها

والأزمات مثلها مثل أى شىء لها أنواع مختلفة، وفى الأزمات تبدو التوليفة الأساسية من الأنواع إما "فردية" كأزمة فى مجال العمل مثلا أو فى الزواج أو كما فى بعض المشكلات الأسرية والعائلية، وإما "جماعية" تواجه مجموعة من الأفراد تجمعهم نفس المصلحة، أو "مجتمعية" ترتبط هنا بالمجتمع بأسره، وفى الغالب ترجع أسبابها الملموسة إلى أسباب سياسية أو اقتصادية أو فى مواجهة ظواهر اجتماعية.

هناك دوما مفهوم يربط بين الأزمة وبين الكارثة، بصرف النظر عن نوع الأزمة، ورغم وجود هذا الفرق، ذلك أن الأزمة فى تعريف علماء الاجتماع جوهرها مجرد تهديد مباشر وصريح لكيان، وهذا يحدث بشكل طارئ، وتتوقف مدى استمراريتها على عدة عوامل يكون الإنسان فى الأساس هو المسئول عنها، أما الكارثة فهى التى تأتى لتدمر فى وجهها كل شىء بخسارة تكون جسيمة، سواء فى الموارد المادية أو البشرية، ويعود سببها فى الأغلب إلى الطبيعة وظواهرها المتقلبة، وقد ترجع فى بعض الأحيان لخطأ بشرى، وعادة ما يكون هذا النوع من المفاجآت غير مسبوق وبلا إنذار، بعكس الأزمة التى فى العادة لها شكل من أشكال الإنذار المبكر، ومن حيث استمرارية الكارثة فهى أطول زمنا كى يعود بعدها الوضع للأمان والهدوء.

 عناصرها

للأزمات عناصر وخصائص أساسية، منها عنصر المفاجأة، حيث تنشأ فى لحظة لتتفاقم بعدها، وهو ما ينتج العنصر الثاني، وهو عنصر تهديد الأهداف فى الحاضر والمستقبل، مما يؤدى أيضا للعنصر الثالث، ونعنى به عنصر التوقيت، فالتوقيت هنا يكون هو المسئول الأول عن حدوث الأزمة بشكل رئيسي، حيث يكون ضيقا حرجا فيؤثر على الأطراف المختلفة، بما فيها صانع القرار الذى تكون الخيارات أمامه محدودة وقليلة وشبه مغلقة.

أما عن العوامل التى تعمل على إعاقة الاكتشاف المبكر للأزمة، فهى عديدة، ولعل من أهمها عدم التوقع، بمعنى غياب البيانات والمعلومات المسبقة المتعلقة التى تسفر عن وجود أزمة محتملة فى الأفق، كما أن فى حالة توفر البيانات المفترضة، فقد تكون غير كافية أو غير واضحة، بحيث لا تشير بالفعل لحدوث الأزمة، أما عن العامل الثاني، فهو متصل بعدم التنظيم أو الخلل فى مدى الاستجابة السريعة تجاه الخطر القادم، وهو ما يسمى علميا عدم تقدير الموقف على الوجه الصحيح، والثالث وجود صورة خاطئة أو قناعة زائفة بأن الأمور لن تؤدى أو تصل إلى مرحلة الأزمة، وهذا مع وجود درجات من التشابك والتناقض وعدم تحديد المسئوليات وتضارب الاختصاصات والصلاحيات، مما يؤدى بلا شك إلى حدوث هذه الأزمة وتفاقمها بشكل سريع، كذلك يكون من حدة الصراع بين الأطراف الفاعلة ما يخلق فى حد ذاته أزمة تكون هى الداعى لحدوث الأزمة الكبرى التى لا يحمد عقباها.

  مراحلها

الخبرات المتراكمة فى مجال دراسة علم الأزمات وطريقة إدارتها، تشير إلى أن أية أزمة إنما تمر بمراحل تلو الأخرى، مما يعنى أن هناك منحنى إما تصاعدى أو بالعكس، وهذا بالطبع فى حال نجاح التعامل السليم معها فى الوقت الملائم، وعلى ذلك فإن هناك لأية أزمة ما يسمى بمرحلة الإنذار المبكر، لكنها رغم ذلك تحدث لعدم - كما سبق – توافر المعلومة أو للسكوت  المتعمد إزاء إعلان الموقف الراهن، كما توجد مرحلة أخرى تسمى بوادر الأزمة، وتمثل دائما مؤشرا بقرب وقوعها، كما تمر المراحل حتى تصل إلى مرحلة نمو الأزمة، وهو الوقت الذى تتوافر فيه الأجواء لحدوثها فعليا، لتزداد فى مرحلة تالية نتيجة لقرارات خاطئة أو متهورة غير مدروسة مسبقا لم يتم معها استشعار تداعياتها، وبعدها يكون الدخول فى مرحلة نضوج الأزمة، وهى أخطر المراحل حيث تكون هى ذروة الأحداث التى ستصل إلى ما يسمى مرحلة التفاقم وبدء حدوث أضرار حقيقية.

  كيفية إدارتها

علم إدارة الأزمات قد أصبح رسميا علما معترفا به يدرس فى جميع الجامعات والمعاهد العلمية الدولية، وبالطبع بات يؤخذ بنتائجه وتوصياته لدى أكبر المؤسسات والحكومات والساسة فى العالم، وينظر الآن إلى هذا العلم على أنه التعامل الإيجابى مع أية أزمة، ولا يفكر هذا العلم بوقت حدوث الأزمة بل يعمل بطريقة التنبؤ والاستشراف، لاسيما ذلك النوع من الأزمات المهددة للنظام العام أو أمن المجتمعات والدول بأسرها، ومن هنا فهو المكلف بمنع حدوث الأزمة من الأساس، ثم التعامل معها فى حين حدوثها عن طريق دراسة المخاطر والتهديدات بشكل دورى والعمل على تلافيها، مع وضع آلية لحلول مناسبة تحول دون الوصول لمرحلة النضج أو التفاقم بأى شكل من الأشكال.

  خطر الأزمات القادم

لا مجال فى أن نشكك فى الوقت الراهن فى أن بكل زمان ومكان لا بد أن نجد أزمة، سواء صغيرة أو كبيرة ترقى لمستوى الكوارث، وربما هذا ما لفت نظر الفلاسفة والمحللين منذ القدم، قد شرح كل منهم وجهة نظره فى مفهوم الأزمة وتقييمه لها بعد حدوثها، وكان منهم "أدجار موران" الذى قال إن الأزمة هى اللحظة التى تأخذ فيها بعين الاعتبار اللا يقين، فهى لحظة يغيب فيها التأكد وتدعو للشك فيضطرب الإنسان ولا يعرف كيف يأخذ القرار، لذلك فهى تحتوى على الترقب والانتظار والتردد، وهى مفتوحة على جميع الاحتمالات، وعند "بول ريكور" تتمركز الأزمة حول كونها مستعصية تبحث فى مختلف الحلول حتى غير الواقعي، وهذا ما حدث مع فلاسفة الشك، أمثال "ديكارت" و"ماركس" و"نيتشه"، حيث يرى "ريكور" إنهم المسئولون بفلسفتهم وآرائهم عن ما يمر به الإنسان المعاصر الذى وقع حقا فى دائرة الارتياب المفرغة، لذلك فإن الأزمة تعنى ذلك الزيف الذى يعانى منه كل البشر فى هذا الزمان.

الدكتورة "صفية الشاهى" قالت: إن الأزمات على مر التاريخ لم تكن أبدا محايدة، بل شكلت كواليس حياتنا الفكرية والأخلاقية، وعلى ذلك فإن الأزمات فى وقتنا الحاضر معظمها أزمات فى الأصل فكرية تفتقت عنها أزمات أخلاقية، وقد باتت أزمات فردية من كثرة تحلل المجتمعات وتشرذم تحليل المواقف المختلفة بها، لذلك نواجه يوميا أزمة جديدة أو على الأقل بوادر لها، وهذا فى عصر أصبحت المعلومة والمعرفة فيه متوافرة، لكننا نحن كبشر من تحولنا إلى مجرد أرقام يرتفع شأننا أو ينخفض مع مؤشر البورصات أو على شاشات البنوك، وبالتالى باتت رغبات الإنسان وأحلامه وطموحاته، حتى العادية منها، مرهونة ومضبوطة على ساعة غيره، وأضحت المصائر الفردية متوقفة على سياسات عالمية، كما قال الفيلسوف "ميشال فوكو"، وهذا الحال يشى بأن سياسة الصوت الواحد قد عادت أدراجها للظهور، وعندما تدق طبول معركة البشرية مع الفناء ستتنازل الإنسانية آنذاك عن حريتها طواعية حتما مقابل ساعة واحدة بعيدا عن نشوب أية أزمة، فالأزمة تهون آنذاك فى مواجهة ذلك الموت المحدق، وفى الدقيقة والثانية التى تتلاحق فيها الأحداث بشكل مذهل وبأسرع وتيرة ممكنة، سيكون هذا هو مشهد النهاية، وهو ما نظر إليه الفلاسفة سلفا، لكن سيبقى للبشرية دائما بصيص أمل فيمن يمكن أن ينقذها خارج هذا الإطار المروع، بعدما ينهار أساس النظام الكبير الذى أرساه الإنسان منذ قدم الزمان لصالح نظام آلى أو ذكاء غير بشرى يراهن الجميع الآن على أنه من سينهى الأزمات حتى الفردية منها، لنستعد حينها لمواجهة أزمة تحدى لاقتسام العالم  بيننا كبشر وبين شيء لا نفهمه.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - فانوس كومبو

أيهما يحمل الآخر، الفتاة النحيفة التي تقبض بكفها الهشة على خصر الفانوس العملاق، وقد اختفى أغلب جسدها الهش خلف جرمه...

رجال حول الرسول «4» عمر بن الخطاب.. الذى فرّق به الله بين الحق والباطل

ينتمى إلى بنى عُدىّ وأخواله من بنى مخزوم فهو قرشىّ أصيل كان يقوم بدور سفير قريش لدى قبائل العرب الأخرى...

قبل «نجم » و «الطلب ».. شاهد يكشف أسرار سنوات «إمام » الأولى

حمد سالم: السادات داس على وشه بالجزمة بسبب «قوقة» كره المشايخ وخلع الجبة والقفطان بعد ما حدث معه فى الجمعية...

الإفرازات: متى تكون طبيعية ومتى تستدعي القلق؟

"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...


مقالات

مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م
حديقة الأزبكية
  • الخميس، 12 مارس 2026 09:00 ص