صفاء أبو صبيحة: الإبداع حرية.. والمبدع الحقيقـى لا يتحمل تقليم جناحيه

الجوائز لافتات مضيئة ترشده أنه على المسار الصحيح العمل الإبداعى أطول عمرًا من صاحبه / نحن الآن بصدد حركة شعرية جديدة / الشاعر وقصيدته أبناء لبيئتهم المجتمعية والثقافية

صفاء أبو صبيحة شاعرة شابة فازت مؤخراً بجائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية فى دورتها العاشرة، عن ديوانها الثانى "ميدان الأوضة"، وسبق أن حصلت على المركز الأول فى مجال الشعر بمسابقة إبداع، كما شاركت فى العديد من المهرجانات الشعرية مثل ابن عروس للشعر فى تونس، تحدثنا معها عن الجائزة وعن ديوانها الجديد وعن مشروعها القادم.

ما الذى تمثله لكِ جائزة "أحمد فؤاد نجم"؟

الجائزة التى تحمل اسم الشاعر أحمد فؤاد نجم هى جائزة ذات قيمة أدبية كبيرة، وشرُفت لكونى ضمن الفائزين بها، لكننى فى النهاية أرى أن الجوائز محطات لا يجب أن يتوقف المبدع كثيرا عندها، لأنها قد تستنزف طاقته الإبداعية أو تحدد توجهه الإبداعى، إذا قرر أن يكتب بهدف الحصول على جائزة معينة، فالإبداع يحتاج إلى الحرية، والمبدع الحقيقى لا يتحمل تقليم جناحيه.

 ماذا يمثل لكِ الشاعر أحمد فؤاد نجم؟

الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم شاعر فى قصائده وشاعر فى حياته، بالطبع يمثل لى قيمة إبداعية مهمة، وتعلمت من قصائده الكثير، ففى بداياتى الأولى تعرّفت على الشعر من خلال قصيدته (كلمتين لمصر) والتى كنت ألقيها فى الإذاعة المدرسية وأنا طفلة، كما تأثرت كثيرا بشاعرية الشاعر فؤاد حداد والشاعر عبد الرحمن الأبنودى وغيرهم من الرواد.

 حصلت على المركز الأول فى مسابقة إبداع، وحالياً جائزة أحمد فؤاد نجم، ما الفرق بين الجائزتين، وأيهما الأقرب لك؟

أعتز كثيرا بكلا الجائزتين، فالجوائز لافتات مضيئة تلوح إلى المبدع وتخبره بأنه على المسار الصحيح، وتشجعه على الاستمرار، وقد فزت بجائزة إبداع أثناء فترةٍ قلقة كاد أن يتمكن فيها الإحباط من قصيدتى، وحصلت على جائزة أحمد فؤاد نجم عن ديوانى "ميدان الأوضة" وهو الديوان الأقرب إلى قلبى، أما عن الفرق بين جائزة وأخرى فتحدده المرحلة الشعرية التى يمر بها الشاعر، وأين يقف من نفسه، فالمقياس هنا ليس الجائزة، ولكن عدد الخطوات التى أتقدم بها إلى الأمام، سواء على مستوى الكتابة أو القراءة أو الإدراك.

 ما أكثر تعليق جاء لك بعد حصولك على الجائزة وأسعدك؟

 المبدع يسعد بكل شىء له صلة بالكتابة، والكتابة فى ذاتها جائزة كبيرة تنتظرنى دائما  وراء ميلاد القصيدة الجديدة، وإثر كل قراءة لها، وأكثر ما يشغلنى فى تقييم الجوائز الأدبية أن يكون التقييم على أساس النص، بعيدًا عن شخص الكاتب، فالكاتب قد يخفق وقد يصيب، وتسعدنى كثيرا شهادة الاستحقاق التى يعطيها متلقى لا يعرفنى، فالعمل الإبداعى أطول عمرًا من صاحبه، والأمر فى النهاية بيد التاريخ الذى يغربل الإبداع، فيتساقط من يتساقط، ويبقى الحقيقى الذى يخلد بعد فناء صاحبه.

 كيف ترين موضع ديوانك "ميدان الأوضة" فى تجربتك الشعرية؟

ديوانى (ميدان الأوضة) يعتبر تجربتى الثانية التى صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة لعام 2022، وبالنسبة لى هو بداية التحرر والتجريب فى أشكال مختلفة فى القصيدة العامية بعيدا عن الكتابة الآمنة، سعيت فيه إلى التخفف من الزخرفة اللغوية والإيقاع الصاخب، واعتمدت على الارتكاز على الحالة الشعورية لكل قصيدة، دون أى قصدية للإبهار أو صناعة الدهشة، وتنقسم النصوص  تدريجيا فى الجزء الأول من الديوان ما بين صفاء العالقة فى مساحة جسدها كروح، وفى مساحة غرفتها كجسد، وتنتقل النصوص إلى استعراض الرغبة الملحة فى التمرد على مساحة الجسد ومساحة الغرفة، لتراقب الشارع وتحضره بما فيه من تفاصيل مادية، من شوارع وبيوت وأشخاص، وتفاصيل روحية كالتعثر والصدفة والارتطام، أما الجزء الثانى فيعرض تجربة شديدة الذاتية والخصوصية، والتى تتحدث عن وفاة أخى رحمة الله عليه.

 ما أهم القضايا التى تناولتِها فى الديوان؟

"ميدان الأوضة" يبدو لأول وهلة تجربة ذاتية من الدرجة الأولى، غير أن فلسفتى فى الكتابة تنبع من مراقبة الذات، فالإنسان نسخة مصغرة من العالم، وهو ما يطلق عليه (المونادولوجيا)، وهذه الفلسفة تعود الى العالم والفيلسوف الألمانى (غوتفريد فيلهيلم لايبنتز) والتى تفترض أن الإنسان هو النسخة المصغرة من الكون الكبير، لذلك تماست قضايا "ميدان الأوضة" مع المشترك الإنسانى، وتناولت القضايا المؤرقة للذات الإنسانية بشكل عام.

 الديوان 29 قصيدة، وبه أكثر من قصيدة تناولت فكرة "الهروب" لماذا اخترتِ هذه التيمة لتكون الفكرة الأساسية فى الديوان؟

فى الفترة التى كُتبت فيها قصائده، لم تكن الصورة النهائية لشكل الديوان واضحة بالنسبة لى، وبالطبع لم توضع بنفس الترتيب الزمنى للكتابة. تناولت فى الديوان فكرة الهروب ولكن من خلال زوايا مختلفة، سواء كان هروبا من...، أو هروبا إلى.... وكيفية الهروب؛ فتارة تهرّب الذات الشاعرة العالم بأكمله من نفسها، وتارة تهرب الذات الشاعرة وتختبئ من العالم، وتحتمى بغرفتها الصغيرة، حيث ترتكن هناك وراء التفاصيل الصغيرة، بالأحرى المخابئ السرية، وتهرب أحيانا من نفسها من خلال التناسخ والتخييل فى عوالم موازية تصنعها على عينها، ولذلك حاولت أن يكون ترتيب النصوص ترتيبًا نفسيًا من أول قصيدة وحتى آخر قصيدة فى الديوان.

 كيف ترين واقع شعر العامية فى مصر الآن؟ وهل نحن فى حاجة إلى حركة شعرية جديدة؟

قبل عشر سنوات كنت أقرأ شعر العامية، ولا أجد أى اختلاف بين شاعر وآخر، بل كنت أشعر بأننى أقرأ قصيدة واحدة ممتدة ذات صوت واحد ووجهة نظر واحدة، لكننى مؤخرا شعر العامية المصرية أخذ منحنى جديدا ومختلفا، بما يتناسب مع ما يحدث فى العالم من تطور، وما يحدث داخل الإنسان نفسه من النزوح نحو البساطة والانتقائية والتخفف من الزخارف والتعقيد، بالطبع نحن الآن بصدد حركة شعرية جديدة، أبطالُها شعراء شباب يجتهدون فى العثور على صوتهم الخاص والمتفرد، يحاولون الخروج من عباءة الشعراء الرواد، دون وضع أى حدود أو سقف لسماء إبداعهم.

 هل الشعر تراجع عما كان عليه فى الماضى؟

كثيرًا ما أسأل نفسى هذا السؤال، وفى كل مرة تختلف الإجابة، الشاعر وقصيدته هُم أبناء لبيئتهم المجتمعية والثقافية، والشاعر ليس شاعرًا فقط، بل هو إنسان مسئول فى محيطه الاجتماعى والعملى، والشعر يصيبه ما يصيب شاعره من إحباطات وتقييد واكتئاب، القصيدة كقلب شاعرها تجوع وتجف وتحزن وتقاتل وتسقط وتنجو، فهى ظله ومرآته السحرية. فلا يمكننى أن أحكم على الفترة الحالية كفترة مزدهرة أو متراجعة، فالحكم ليس لنا على كل حال، بل للتاريخ وللأجيال التى ستلينا فى المستقبل، والتى سوف تتعرف على المنجز الأدبى لهذه المرحلة الزمنية، وتقيمها وتقارنها بما سبقها.

 كيف تعامل النقاد مع تجربتك الشعرية؟

تجربتى الشعرية محظوظة إلى حد كبير  سواء ديوانى الأول "من بلاد أطرافها بردانة" أو ديوان "ميدان الأوضة"، فقد عنى عدد من الشعراء والنقاد بالقراءة والنقد، وحازت على الكثير من الاهتمام، فقد تم تناول ديوان "من بلاد أطرافها بردانة" بدراسة نقدية من قبل الناقد بهاء الصالحى وتم نشر هذه الدراسة فى كتاب (استدراك)، بعنوان "الإنسان الساعى لتجاوز الأنثى" ، كما تم تناول نفس الديوان بدراسة نقدية بعنوان "تشظى الذات -من بلاد أطرافها بردانة" ضمن أبحاث المؤتمر الأدبى لإقليم شرق الدلتا الثقافى. وتم تناول (ميدان الأوضة) بمقال نقدى بجريدة الدستور بعنوان (أن تسقط طواعية فى ٢٩ فخًا) للشاعر والناقد محمد هشام. وتناولته مؤخرا الناقدة والشاعرة د.رشا الفوال بدراسة نقدية أدبية من منظور نفسى بعنوان (ضبط الرغبات واستيعاب المتنافرات).  كما تناوله الشاعر والناقد د.أشرف الشحات بدراسة نقدية بعنوان (العالم المُختزل فى وجع الذات).

 اتجهتى مؤخرا لكتابة قصيدة النثر الفصحى، والتى تعتبر نقلة مختلفة فى حياتك الشعرية.. ما الذى جذبك إلى قصيدة النثر؟

تجربتى الأخيرة كانت انتقالية من حيث الشكل الكتابى والمضمون، فقد كنت أكتب القصيدة باللهجة العامية، وأنتجت من خلالها مجموعتين شعريتين، وكان من البديهى أن أكمل فى تجربتى التالية مستخدمةً العامية، إلا أن تجربتى جاءت فى ثوب قصيدة النثر، ولعل هذا الانتقال يحمل مقصدا منى وعفوية فى آن واحد، والقصيدة جاءت بدافع ملح من سعيى الدائم للتجريب والبحث عن النص المختلف، وقد حدث هذا بالفعل؛ لأن انتقالى لقصيدة النثر الفصيحة أظهر اختلافًا شكليًا وضمنيًا فى مشوارى الكتابى، أما العفوية فقد جاءت من منطلق التغيير اللاشعورى الذى يلحق بأى كاتب، فالقصيدة هى التى تختار الشكل الذى تُكتب به، وما على الشاعر سوى الانصياع إلى أصوات الأفكار التى تهمس إلى داخله، لذلك سرت إلى غابات النثر الفسيحة. والاختلاف فى الشكل هنا أدى إلى الاختلاف فى المضمون، مما فتح الباب نحو مساحات شاسعة ومناطق أخرى فى الكتابة، فالنثر له فضاء رحب متحرر من كل ما يقيد الشاعر ويقيد كتابته بالتبعية، فالشكل النثرى يتخلى عن المراوغة، ويعتمد على ما يريد أن يقوله الشاعر دون التقيد بأوزان وقوافى قد تلزمنى بإيقاع ثابت لا يلائم الإيقاع المتمرد بداخلى.

 شاركتِ فى الفترة الأخيرة فى مسابقة "المعلقة" بالمملكة العربية السعودية.. ما تفاصيل هذه التجربة؟

برنامج "المعلقة 45"، هو أكبر مسابقة شعرية تليفزيونية أُقيمت فى المملكة العربية السعودية بمناسبة عام الشعر، وكنت سعيدة جدًا بالمشاركة والتنافس مع ألمع الأصوات الشعرية فى الوطن العربى، والتعرف على تجارب مهمة من دول عربية مختلفة، وتكمن أهمية البرنامج الحقيقية بالنسبة لى فى كونه الاختبار الأول لجناحى الشعرى الثانى، وهو قصيدة نثر الفصحى.

 ما عملك القادم؟

أوشك حاليًا على الانتهاء من ديوانى الجديد "عين ٌسحرية فى جسدٍ موصد".

Katen Doe

أميرة حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

هدير عزت: الشعر يتغذى على معـانـاة الشاعـر

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص