شخصيات لها تاريخ «6» طومان باى.. السلطان المملوكى الشهيد

الشعب المصرى أحبه وجعله من الخالدين فى الوجدان الجمعى بعد إعدامه شنقا وتعليق جثته على باب زويلة بالقاهرة

هــى الـــمرة الــــوحيــدة التى رضى فيـــها المصـــريـــون عــن سلطـــــان ممــلــــوكــى، بـــــل اعتبروه شهيدا، ونسجوا له حكايات شعبية، تجعله مــــن أولياء الله الصــــالحين، لأنــــه "المملوك" الوحيد الذى خدم الناس، واحترم آدميتهم، فقرر حمايتهم من بطش المماليك، وفرض إنارة الشوارع فى الليالى، ومنع نزول المماليك بالأسلحة فى شوارع القاهرة بعد صلاة العشاء، ولما وقعت خيانة "خاير بك " و"جان بردى الغزالى" فى "الشام" وسقط "قانصوه الغورى" ميتا فى "مــرج دابق"، قـــرر "طـــومان باى" مــقــــاومـــة الاحــتــــلال العثمـــانى، وقـــاوم وخــــاض معــارك عـــديــدة  فـــى الجيــــزة وأطفيـح والــبهنسـا، وأسلمه "حسن بن مرعى" شيخ عربان الغربية، وقبض عليه جنود "السلطان سليم الأول" وأعدموه وعلقوا جثته على باب زويلة بالقاهرة..

كتب "دكتور عماد أبو غازى" فى كتابه "طومان باى .. السلطان الشهيد" أن المصريين صاغوا حكاية شعبية جرى تداولها، حول "طومان باى" ومسجد "فاطمة الشقراء" الموجود فى منطقة "تحت الربع" التى بها "باب زويلة" أو "بوابة المتولى"، تقول إن "أرملة الشهيد طومان باى"  تخرج كل ليلة حاملة "قلة ماء" لا تفرغ من الماء أبدا، تروى بها الجنود العطاشى العائدين من الحروب، ويؤكد ـ أبوغازى ـ أن هذه الحكاية خيالية، لأن "فاطمة الشقراء" ليست أرملة "طومان باى"، ولكن المؤرخ "إبن إياس" يقدم التفسير:

"كان طومان باى أميرا وسلطانا، لين الجانب قليل الأذى، كثير الخير، غير متكبر ولا متجبر، وكان صالحا فاضلا، زائد الأدب والخشوع والخضوع" .

ولم يكتف ـ ابن إياس ـ بوصف "طومان باى" بصفات كانت تميزه، ومشهورة عنه، بل كتب فيه قصيدة ودونها فى تاريخه قال فيها:

"لهفى على سلطان مصر..

وكيف قد ولى وزال كأنه لن يذكرا..

شنقوه فوق باب زويلة

ولقد أذاقوه الوبال الأكبر".

 مرج دابق.. الخيانة

وضعت الظروف "قانصوه الغورى" السلطان المملوكى، فى مواجهة لحظة حاسمة، فى "مرج دابق" فى بلاد الشام، فكان عليه أن يواجه جيشا متقدما مسلحا بالمدفعية و"البندق"، وكان عليه أن يدفع ثمن خيانات توالت فى ميدان المعركة، ورأى "الخيانة" واضحة فى المعركة، خيانة الأمير "خاير بك " الذى ،اسحب من الميدان، وأشاع الفتنة بين "القرانصة" و"الجلبان"، وهما  فرقتان  من فرق  العسكر "المماليك"، ومات "قانصوه الغورى" فى الميدان ، لما رأى الهزيمة تحاصره، سقط من فوق حصانه وتقيأ الدم، ودهسته الخيول، ولم يعثر له على جثة، وفى "القاهرة" كان المماليك بعد ـ الهزيمة فى الشام ـ يسعون جادين لخلق السلطان الجديد، فى ظل فراغ "الخزانة العامة" أو "بيت المال" من المال، لأن ـ قانصوه ـ أخذ معه كل الذهب على ظهور خمسمائة جمل، وهو متوجه إلى "مرج دابق"، وعثر "السلطان سليم  الأول" العثمانى على هذه الثروة، وأخذها لنفسه، وأصبح مماليك القاهرة حائرين، يبحثون عن سلطان شجاع يقبل المهمة فى ظل هذه الظروف القاسية، ومارسوا ضغوطهم على "طومان باى" وتمنع ورفض بكل ما أوتى من قوة، فلجأ الأمراء الكبار إلى الشيخ "أبوالسعود الجارحى" الصوفى الكبير الذى له مكانة كبرى فى نفوس المماليك، وجلس ـ الجارحى ـ معهم وألزم "طومان باى" بقبول "السلطنة" على أن يدعمه الأمراء ولا يخونوه ولا يعصوا له أمرا، وحضر "البيعة" فى القاهرة ـ الخليفة المعزول يعقوب المستمسك بالله ـ لأن الخليفة "المتوكل على الله ـ الثالث" وقع فى قبضة العثمانيين فى "مرج دابق"، وللتذكرة نقول ـ للقارئ العزيزـ إن منصب "الخليفة" انتهى مع سقوط "بغداد" واحتلال "المغول" البلاد التى كانت خاضعة للخليفة العباسى، واستحدث السلطان المملوكى "الظاهر بيبرس" بدعة سياسية غير مسبوقة، فأحضر واحدا من "بنى العباس" وجعله خليفة صوريا وجعل مقره القاهرة، وفقد منصب الخليفة قيمته، وأصبح المماليك هم الحكام، والخليفة مجرد ذكرى، وكان الهدف من وجود الخليفة الصورى تذكير المسلمين بما جرى فى بغداد، وظل الحال هكذا، حتى استولى "سليم الأول ط" على الشام ومصر، وأخذ من القاهرة ما استطاعت البواخر حمله إلى "اسطنبول" وكان "الخليفة" الرمزى الصورى من بين الذين أخذهم العثمانى الغازى المنتصر إلى عاصمة بلاده..

 رحلة طومان باى

كان "طومان باى" ـ السلطان الشهيد ـ حسب وصف المصريين له، جركسى أو "شركسى" صالأصل، اشتراه "قانصوه الغورى" وقدمه للسلطان "الأشرف قايتباى"، وكان ينادى "الله  طومان باى من قانصوه"، وليس صحيحا أنه ابن شقيق "قانصوه الغورى"، لأنه فى قابل الأيام، تكلم عن "قانصوه" واعتبره "أستاذه"، وهذا هو الصحيح، ولكن البعض يعتبره ابن شقيق "قانصوه"، والأصح أنه من ضمن مماليكه، وصار "طومان باى" من مماليك "قايتباى" واستمر فى هذا الوضع ، حتى اعتلى "قايتباى" عرش مصر، فأعتقه، وجعله من المقربين وخصص له الخيل والغلمان والرواتب، ولما استولى "قانصوه الغورى" على العرش، ارتقى "طومان باى" فى المناصب، فصار"أمير عشرة"، وبعد وفاة "محمد بن قانصوه الغورى" أنعم ـ الغورى ـ عليه  بمنصب "أمير طبلخانة "يرأس أربعين فارسا، ثم رقاه إلى "مقدم ألف" يرأس ألف فارس، وتولى منصب "دوادار كبير"، وهى وظيفة قربته من "السلطان الغورى" فهو المكلف بتبليغه الرسائل، وعرض الشكاوى والمظالم عليه، ثم أنعم عليه السلطان بمنصب "الاستادارية" ليكون المسئول عن حاشية وخدم السلطان، وفى العام "917 هجرى" أصبح "طومان باى" أميرا للحج، وسافر إلى الحجاز ومعه عدد من الأعيان والأمراء ومقدمى الألوف، وشيوخ العربان، وعند عودته من الحجاز، خلع عليه ـ السلطان الغورى ـ الخلع الحسنة، ونزل من "القلعة" فى موكب مهيب ليستقبل الأمير "طومان باى"..

وكتب المؤرخ المملوكى" إبن إياس" معلقا على ذلك المشهد:

"وقد رجع من هذه السفرة والناس عنه راضية، وأشيع عنه أخبار حسنة، مما فعله فى طريق الحجاز من البر والإحسان وفعل الخير وحمل المنقطعين، والصدقات بطول الطريق على الفقراء والمساكين فشكر له الناس ذلك".

وفى التاسع من رمضان "918 هجرى"  عينه السلطان على رأس الدواوين كلها فى السلطنة، وعندما سافر "قانصوه الغورى" إلى "الإسكندرية" أصدر مرسوما نص على أن يكون "طومان باى" نائب الغيبة، ينوب عنه فى غيابه، ومما جعل الناس يحبونه أنه أشاع الأمن فى "القاهرة" وكبح جماح "المماليك"،  فأمر بأن ينادى فى المدينة بالأمان والإطمئنان، وأن يعلق على كل "دكان" قنديل، من بعد صلاة "المغرب" وأن لا يخرج "مملوك" ومعه "سلاح" من بعد صلاة "العشاء"، ولما ثار "المماليك الجلبان"، على "الغورى" فى العام "910 هجرى"، ومنعوا الأمراء من دخول القلعة، تصدى لهم ـ طومان باى ـ وفى العام" 916 هجرى" تمرد ـ مماليك ـ بسبب نقص النفقة، والمخصصات من اللحوم والكساوى والعلف، فنهبوا سوق "ابن طولون" والدكاكين الواقعة حوله، فانطلق ومعه قواته للسيطرة على المماليك المتمردين، واستعادة المسروقات وردها إلى أصحابها من التجار.

 عدو العربان

العربان فى مصر، هم سكان البادية، وينتمون لقبائل من نجد والحجاز واليمن، وهما فرقتان "المشارقة" سكان الصحراء الشرقية، و"المغاربة" سكان الصحراء الغربية، ويسمون أيضا "عرب الهجرة الواحدة" و"عرب الهجرتين"، والمقصود بالتعريف الأول، العربان الذين قدموا من الحجاز ونجد واليمن واستقروا فى الشرقية وسيناء وعلى تلال البحر الأحمر، وفى الصحراء الشرقية، والتعريف الثانى يقصد به العربان العائدون من "فاس ومكناس" و"تونس" و"برقة" و"الجزائر" بعد أن شاركوا فى "تغريبة بنى هلال" التى وقعت أحداثها فى عصر "المستنصر الفاطمى"، وكانت عودتهم فى القرن السابع عشر والثامن عشر والخامس عشر، إلى غرب النيل فى مصر واستقرارهم فى البحيرة ومطروح والإسكندرية والغربية والمنيا والفيوم وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان، وطوال سنوات العصر المملوكى، كان الصراع بين "العربان" والمماليك قائما، لأن العربان رأوا فى المماليك، خونة، تنكروا للسادة الأيوبيين، وحكموا مصر والشام بقوة السيف، ورأوا فيهم "العبيد" الذين يباعون ويشترون بالمال، وبالتالى لا تصح لهم ولاية ولا يجوز لهم أن يحكموا الأحرار من المسلمين، وظلت العداوة قائمة بين "العربان" و"المماليك " وكان "الصعيد" مسرحا للحروب، وفى زمن ـ السلطان الظاهر بيبرس ـ تفجرت ثورة "حصن الدين بن ثعلب" وفقد السلطان السيطرة على هذا الإقليم، الغنى بالحبوب وأهمها "القمح والشعير"، واستطاع بعد عدة معارك القضاء "ثورة عربان الصعيد" وقبض على "حصن الدين" ودفنه حيا فى مدينة الإسكندرية، ولما وقعت فتنة "بنى عدى" و"بنى كلب" فى "أسيوط" خرج "طومان باى" فى "27محرم 916 هجرى" لإخماد الفتنة، وقضى فى الصعيد خمسة شهور، ثم عاد إلى "القاهرة" وأمره "السلطان الغورى" بالسفر إلى "الغربية" ومعه قوة من المماليك، لتأديب "عيسى بن يوسف" شيخ عرب الغربية، وفى العام "918 هجرى" تمرد عربان "البحيرة" وأفسدوا الزروع ونهبوا المحاصيل وهاجموا قرى "الفلاحين"، فقرر السلطان إرسال ـ طومان باى ـ قاهر العربان وعدوهم الأول، لقمع عربان البحيرة المتمردين، ولما تمرد عربان "جبل نابلس" على نائب السلطان فى "غزة" أرسله على رأس قوة من العسكر المماليك لقمع المتمردين، وأنجز مهمته وعاد إلى القاهرة سالما غانما..

 قائد المقاومة الشعبية

بعد هزيمة المماليك فى مرج دابق، وموت السلطان الغورى، وتوغل ـ العثمانى سليم الأول ـ فى الشام واتفاقه مع "جان بردى الغزالى" نائب "حماة" واتفاقه المبكر ـ قبل مرج دابق ـ مع "خاير بك"  ، وسيطرته على "حلب" و"دمشق" أصبح المطلوب، التصدى للجيش العثمانى الزاحف نحو "القاهرة"،واختير "طومان باى" سلطانا على مصر، ودعا الأمراء والعسكر للتحرك نحو "غزة" لمقاومة الجيش الغازى، ودعا ـ الشعب ـ للمقاومة والاشتراك مع الجيش فى المعركة المصيرية، ولم يستجب الأمراء لنداء "طومان باى" فى البداية وحسب ما أورده ـ ابن إياس ـ فإن "طومان باى" عنف الأمراء المتخاذلين بقوله:

"اخرجوا، قاتلوا عن أنفسكم وأولادكم وأزواجكم، فإن بيت المال لم يبق فيه درهم ولا دينار، وما عندى نفقة أنفقها عليكم".

ورغم أن "جان بردى الغزالى" كان خائنا، مثله مثل "خايربك" إلا أنه لم ينكشف سره، فكان هو قائد "المماليك" فى "غزة" وكان "سنان باشا" هو قائد الجيش العثمانى، ووقعت المعركة بالقرب من "بيسان"، وهزم الجيش المملوكى، لأسباب عسكرية هى امتلاك الجيش العثمانى "المدفعية" و"البندق" ،واستخدام العثمانيين طريقة "الكلاليب" وهى طريقه"اختطاف" الفارس من فوق فرسه بالخطاطيف والكلاليب الحديدية، وارتفاع أعداد الجيش العثمانى، وقال المؤرخ الذى عاصر تلك الحقبة "ابن زنبل الرمال ":

"ولا ضرهم "أى المماليك" إلا البندق، فإنه يأخذ الرجل على حين غفلة، لا يعرف من أين جاءه، فقاتل الله أول من صنعها "أى البندقية" وقاتل من يرمى بها على من يشهد لله بالوحدانية".

وبعد موقعة "غزة" وصل وفد من السلطان العثمانى إلى "طومان باى"، يحمل رسالة تهديد ووعيد، صاغ مضمونها الخائن الأكبر"خاير بك"، وكان القصد منها استفزاز السلطان المملوكى:

"من مقامه السعيد إلى الأمير طومان باى..

أما بعد، فإن الله قد أوحى إلىّ بأن أملك البلاد شرقا وغربا كما ملكها الإسكندر "ذو القرنين"، إنك مملوك تباع وتشترى، ولا تصلح لك ولاية، وأنا ملك ابن ملوك، وإن أردت أن تنجو من سطوة بأسنا فاضرب السكة فى مصر باسمنا وكذلك الخطبة، وتكون نائبنا فى مصر ولك من "غزة" إلى مصر، ولنا من الشام إلى الفرات، وإن لم تدخل تحت طاعتنا، أدخل إلى مصر وأقتل جميع منها من "الجراكسة" حتى أشق بطون الحوامل وأقتل الأجنة التى فى بطونهن من الجراكسة".

وكان رأى "طومان باى " قبول ما عرضه "السلطان سليم الأول" حقنا لدم المسلمين، لكن الأمير "علان الدوادار" الكبير، قتل الوفد العثمانى ـ حامل الرسالةـ وأعلن عزمه على القتال.

ووصل السلطان العثمانى إلى " الخانكة "ـ تتبع حاليا محافظة القليوبية ـ وحشد "طومان باى" الجيش، وكان من بين قادته "جان بردى الغزالى" الذى أسفر عن وجهه القبيح، وعمل ضد الجيش المملوكى، فهو الذى نصح بضرورة إخفاء "المدافع" التى كان "طومان باى" اشتراها، بعد أن عرف أنها كانت السبب  فى هزيمة "المماليك"،فى "مرج دابق"، وإخفاء المدافع برره ـ الغزالى ـ بالخوف من جواسيس "السلطان سليم الأول" العثمانى، وهو نفسه "جاسوس" للعثمانيين، وكان طموحه الجلوس على عرش مصر بدلا عن طومان باى، وأخبر الغزالى العثمانيين بأهمية دخولهم من جهة "الجبل الأحمر"، وأن لا يهاجموا من جهة "الريدانية " ـ العباسية حاليا ـ واستفاد "السلطان العثمانى" بما أخبره به "جان بردى الغزالى" الخائن، وجعل قواته فى ثلاث فرق ، فرقة مقابلة لجيش المماليك فى "الريدانية"، وفرقة أخرى اتخذت طريقها بمحاذاة الجبل الأحمر والمقطم، وأحاطت بالمماليك من اليمين والخلف، والفرقة الثالثة مضت فى اتجاه "بولاق" وسيطرت على الاتجاه الشمالى، وهنا أدرك ـ طومان باى ـ الخيانة التى ارتكبها ـ الغزالى ـ ورغم هذا الوضع الصعب، انطلق السلطان طومان باى ومعه جماعة الأمراء "الأمير علان، والأمير كرتباى وآخرون" وانطلق الأمراء فى اتجاه السلطان العثمانى قاصدين قتله، ويصف "إبن زنبل الرمال" تفاصيل المعركة:

"فمازالوا فى مشوارهم، وهو يطعنون بالقنطاريات "آلة حربية" حتى غاصوا فى جميع عساكر الروم "العثمانيون" بجملتها، فلله درهم من فرسان، لكونهم لقوا هذا الجيش العظيم بنفوسهم، فمازالوا يضربون، ويطعنون حتى وصلوا "سنجق السلطان" وقتلوا من حوله، وأسروا وزيره "سنان باشا"، وقتله "طومان باى " ظنا منه أنه "السلطان سليم"، وقد حزن عليه "سليم" حزنا شديدا".

ودخل العثمانيون القاهرة "يوم الجمعة 30 من ذى الحجة 922هجرى ـ الموافق 23 يناير 1517 ميلادى"، وخطب للسلطان العثمانى على المنابر، وسلمت له مفاتيح القلعة، واستبيحت المدينة ثلاثة أيام، فسلب الجنود العثمانيون ونهبوا وهتكوا الأعراض وتجرع سكان المدينة الذل والهوان..

وفى ليلة الأربعاء "5 محرم 923 هجرى ـ 28 يناير 1517 ميلادى" اجتمع "طومان باى" وسبعة آلاف فارس، ودارت المعارك بين قواته وقوات "السلطان العثمانى" فى شوارع القاهرة، وتولى "العربان" مهاجمة معسكرات "العثمانيين" فى "الريدانية"، وتحصن "طومان باى" فى "الصليبة" واتخذ من "جامع شيخون" مركزا للمقاومة، وحفر الخنادق وأقام تحصينات عند رأس الصليبة، وقناطر السباع ورأس الرميلة وجامع "ابن طولون"، وقاوم القوات العثمانية بكل ما يملك من قوة، وتمكن "العثمانيون" من السيطرة على "القاهرة" واستباحوها، وارتكبوا المذابح والمجازر حسب وصف "إبن إياس":

"فقتلوا جماعة كثيرة من العوام، وفيها صغار وشيوخ لا ذنب لهم، وحطوا غيظهم فى العبيد والغلمان والعوام، ولعبوا فيهم بالسيف وراح الصالح بالطالح، فصارت جثثهم مرمية فى الطرقات، فكان مقدار من قتل فى هذه الواقعة فوق العشرة آلاف إنسان فى عدة هذه الأيام الأربعة".

وهجم العثمانيون على زاوية الشيخ عماد الدين فى "الناصرية" ونهبوا ما فيها من قناديل وحصر، وأحرقوا البيوت من حولها، كما نهبوا محتويات "مسجد السيدة نفيسة"، أما "جامع شيخون" ـ مركز المقاومةـ فقد أحرقه العثمانيون وقبضوا على ثمانمائة مملوك، وضربوا أعناقهم.

 على باب زويلة

كان "طومان باى" قد خاض معارك عديدة، من أهمها بعد معركة "الصليبة" معركة "أطفيح" التى شارك فيها "العربان" والعسكر المماليك بقيادة "الأمير شادى بك" واستطاع ـ المصريون ـ إبادة القوة العثمانية عن آخرها، ولم يبق على قيد الحياة سوى "إياس أغا" قائد فرقة "الإنكشارية" والمملوك الخائن "أبوحمزة"، وهرب "طومان باى" إلى قرية "سخا" ليحتمى بصديقه "حسن بن مرعى" شيخ عربان الغربية، واستقبله صديقه، وكان "طومان باى" تشفع له فى يوم من الأيام لدى "السلطان الغورى" وأنقذه، بعد أن أمر الغورى بسجنه وكتب على قيده "لا يخرج من السجن إلا إلى القبر"، ولكن "حسن بن مرعى" خان العهد، وأسلم طومان باى" إلى السلطان سليم العثمانى، واقتيد "طومان باى" إلى "باب زويلة" ونفذ فيه حكم الإعدام شنقا، ووصف "ابن إياس" المؤرخ، مشهد النهاية:

"وكان الناس فى القاهرة،  قد خرجوا ليلقوا نظرة الوداع على سلطان مصر، وتطلع "طومان باى" إلى قبو البوابة، فرأى حبلا يتدلى، فأدرك أن نهايته قد حانت، فترجل، وتقدم نحو الباب بخطى ثابتة، ثم توقف وتلفت إلى الناس الذين احتشدوا، من حول باب زويلة، وتطلع إليهم طويلا وطلب من الجميع أن يقرأوا له الفاتحة، ثم التفت إلى الجلاد وطلب منه أن يقوم بمهمته، فلما شنق، وطلعت روحه، صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف، فإنه كان شابا حسن الشكل، كريم الأخلاق، وكان شجاعا تصدى لقتال "ابن عثمان" وفتك فى عسكر ـ العثمانيين ـ وقتل منهم ما لا يحصى، وكسرهم ثلاث مرات وهو فى نفر قليل من عساكره".     

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات