تحية كاريوكا.. راقصة مثقفة ومناضلة من أجل حرية الوطن

سيدات النهضة المصرية «47»

قبل "تحية كاريوكا" كانت المسافة بين "الراقصة" و"فتاة الليل" ضائعة، وبعد ظهورها، أصبح الرقص الشرقى فنا راقيا، له قواعد وأصول، وضعتها الراقصة المناضلة المثقفة، وحتى تصل إلى هذه المرحلة، عانت "بدوية محمد على النيدانى" كل صنوف العذاب والجوع والحرمان، ولكنها استطاعت أن تجعل أقلام الكبار من المفكرين تنشغل بها وتمتدح أسلوب الرقص الذى ابتدعته، فهى أعادت الرقص الذى كان ضائعا، وجعلته الفن التعبيرى، وكان ـ محمد عبدالوهاب ـ الموسيقار الكبير صادقا عندما قال عن "توحة" إنها قادت "ثورة" فنية، فخلصت الرقص الشرقى من الأثر الغربى، وهى تشبه فى ثورتها، الراحل السيد درويش الذى خلص الموسيقى من الأثر التركى، وهذا رأى مهم لأنه صادر عن فنان كبير، له بصمة فى مجال التلحين، وصاحب أجمل صوت رجالى فى زمانه، ومن الرقص إلى السياسة والانشغال بقضية التحـرر مـــــــــــن الاستعمار، وجدت -تحية كاريوكا ـ الجسر الذى يربط بين الفن والوطن وأهله وعاشت مخلصة لكل ما آمنت به ورحلت فى هدوء وبقى كتاب تاريخها نقيا ناصعا..

    منذ سنوات، سمعت "تحية كاريوكا" تتكلم فى "الراديو" ضمن حلقة من برنامج "جرب حظك" مع الرائد الإذاعى "طاهر أبوزيد" وكانت حزينة لأنها أرادت أن تتبنى طفلة، فرفضت إدارة "الملجأ الخيرى" لأن ـ تحية ـ راقصة، وهى مهنة غير محترمة فى نظر القانون، وهذه المهنة ذاتها، مقرر عليها "ضرائب" تدفعها الراقصات لخزانة الدولة، والراقصات لهن مسمى وظيفى "فنانات الاستعراض"، ولكن حديث ـ تحية ـ مع الإذاعى طاهر أبوزيد، الذى تم تسجيله فى خمسينيات القرن الماضى، إشتمل على رؤية ناضجة قدمتها الراقصة المثقفة، وهذه الرؤية كانت تتعلق بالأحداث السياسية التى تعيشها مصر، وتحدثت عن رواية "الحرب والسلم" للكاتب "تولستوى" وإعجابها بها، وهذه الرواية ـ يا عزيزى القارئ ـ ضخمة مكونة من أربعة أجزاء، لايقل الجزء عن الألف صفحة، فيها صورة لأوربا فى زمن الغزو الذى قام به نابليون لروسيا القيصرية، وقلة قليلة من الأدباء تعرفها، وهذا يعنى أن "تحية " كانت تعرف قيمة الثقافة وقيمة الأدب العالمى منذ وقت مبكر من عمرها، ورغم أن تاريخ ميلادها مجهول، هناك من يقول إنها من مواليد 1915 وهناك صحيفة قديمة، نشرت خبرا عنها ينص على أنها من مواليد 1920، وتاريخ وفاتها معروف "1999"، ولكن نحن الآن، نحاول قراءة تاريخ هذه "الراقصة المناضلة" التى ولدت فى عائلة غريبة التكوين والأخلاق، فما هو معروف من المعلومات المتاحة والتى نقلها الصحفيون، أن "تحية كاريوكا" هى "بدوية محمد على النيدانى"، واسم "بدوية" هو من سمات "عربان الحيط" الذين هجروا البداوة والترحال واستقروا فى القرى، فظلت الثقافة البدوية حاضرة فيهم، والهوية تشغلهم، ومن أسماء أولادهم "بدوى" وبناتهم "بدوية"، وإقامتها فى "الإسماعيلية" تثبت انتماءها لعربان الحيط، سواء كانت من "الشرقية" وانتقلت إلى الإسماعيلية، أو كانت من "نيدة ـ أخميم ـ سوهاج "، والملامح التى حملتها ـ توحة ـ والقوة التى تمتعت بها والجرأة والثقة بالنفس، تثبت انتماءها للعربان، رغم أن مهنة "الرقص" لاتحترفها بنات العربان، وهذا هو سر الشقاء الذى جعل حياتها الأولى قاسية، فلما رقصت وغنت وعبرت عن موهبتها، قام أخوها الأكبر، بحلق شعرها، وتقييدها بالحبال، ومنع الطعام عنها، لأنه لا يريد "العار" للعائلة، و"العار" هو انكشاف جسد "امرأة" تحمل "شرف العائلة" وشرف رجالها، وكان هروب "بدوية" من بيت العائلة هو بداية "التمرد" والخروج من الدائرة الضيقة إلى الدائرة الأكبر، وفى حلقات مسلسل "كاريوكا" الذى قامت ببطولته "وفاء عامر"، سرد لرحلة "تحية" وفيه تظهر شخصية "سعاد محاسن"، الراقصة التى عرفتها "تحية" فى سن الطفولة وبدايات المراهقة، ومن أجلها جاءت إلى "القاهرة" ولم تجدها، ومنحتها الظروف فرصة التعرف إلى "بديعة مصابنى" صاحبة "أكاديمية الرقص" فى سنوات الثلاثينيات والأربعينيات، وهى التى قرأت بعينها الخبيرة، أبعاد موهبة "بدوية" وجعلت منها "تحية" ولما رقصت رقصة "الكاريوكا" ضمن ما تقدمه على مسرح "بديعة" اكتسبت لقب "كاريوكا" وأصبحت "تحية كاريوكا" حتى ماتت فى أواخر تسعينيات القرن العشرين.

 سليمان نجيب.. الأب الروحى

    كل ما ورد عن "سليمان نجيب" يؤكد أنه كان راقيا، يمتلك اتصالا روحيا بالمولى عز وجل، والله أعلم بالقلوب، لكنه كان رجل خير، يساعد ويعطى المحتاج، فهو الذى دعم "تحية كاريوكا" وقدم لها فرصة النجومية فى السينما، لما رشحها للوقوف أمام "نجيب الريحانى" فى فيلم "لعبة الست" وكان فى ذلك الوقت، هو النجم الكبير الذى لا يجرؤ أحد على منافسته، ولما رآها "نجيب الريحانى"، كانت خائفة، فهى فتاة ترقص فى "صالة بديعة" وترقص فى فيلم، لكن "التمثيل" أمام "النجم الأكبر" كان أمرا فوق قدرتها، لكن "الريحانى" جلس معها، وتباسط فى حديثة حتى يشجعها على القيام بالدور، ونجحت نجاحا كبيرا، وتحول "لعبة الست" إلى نقطة تحول فى مشوارها الفنى، ويا عزيزى القارئ أرجوك، استرجع مشاهد "تحية كاريوكا ونجيب الريحانى" فى هذا الفيلم الجميل، لترى كيف كانت الأقدار رحيمة بالفنانة "تحية كاريوكا" فوضعت فى طريقها الفنان النبيل "سليمان نجيب" الأرستقراطى، مدير الأوبرا الملكية، الممثل الكبير، ليقدمها إلى "الريحانى"، ويعطيها الريحانى فرصة عمرها، لتكون "البطلة" التى تقف أمامه وهو فى ذروة مجده الفنى، وكأن الأقدار أرادت لها الانعتاق من الوضع القاسى الذى كانت عليه، ويكفى أن تسمع ـ تحية ـ وهى تحكى عن "الجوع" الذى عانت منه فى بدايات عملها فى الفن، لتعرف أن "لعبة الست" كان منحة ربانية لها وطوق نجاة، وبالفعل، عرفت تحية الأجر الأعلى فى السينما فى تلك الفترة، حصلت على ألفين وخمسمائة من الجنيهات، مقابل تقديمها شخصية "لعبة" فى هذا الفيلم الرائع، الذى كان أبطاله "عبدالفتاح القصرى، مارى منيب، سليمان نجيب، نجيب الريحانى" وهم النجوم الكبار فى السينما المصرية، أى أنها حصلت على "الشهرة والنجومية" و"الثروة" فى ضربة حظ، صاغتها الأقدار الرحيمة، ولم ينته دورـ سليمان نجيب ـ عند هذا الحد، بل أصبح الراعى والأب الروحى للفنانة الشابة، فهو الذى شجعها على دراسة اللغات الأجنبية، وتعلم دروس "الباليه" والقراءة والاطلاع والجلوس فى تجمعات المثقفين، والثقة بالنفس، ووجدت "تحية" نفسها فى سياق سياسى يأخذها فى اتجاه الانشغال بالقضية الوطنية، وقضية الحرب والسلام فى العالم كله، فانضمت إلى جماعة "أنصار السلام" وهى جماعة كان أعضاؤها من جنسيات متعددة وهدف الجمعية التصدى للنازية التى كانت تحارب العالم كله تقريبا فى سنوات الأربعينيات من القرن الماضى، ومن خلال هذه الجمعية عرفت "تحية" المناضلين والثوار المصريين..

 عن السادات وناصر والفدائيين

    كانت "تحية كاريوكا" قريبة من مركز صنع القرار السياسى، فهى عضوة فى جمعية أنصار السلام، وهذه الجمعية تضم أعضاء من "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى" وهذه الحركة كانت شريكة "الضباط الأحرار" فى التجهيز لطرد الإنجليز، والثورة على "فاروق" ونظامه الملكى الفاسد، ولما وقعت حادثة "25يناير1952" التى قتل فيها خمسون من رجال "بلوكات النظام" فى محافظة الإسماعيلية، تفجر الوضع، وانفجر الشارع المصرى، بمظاهرات صاخبة فى القاهرة، تحولت على أيدى الاستعمار وأذنابه إلى "حريق القاهرة" ولكن كفاح "الفدائيين" فى مدن قناة السويس، لم يهدأ، وكان "الضباط الأحرار" يساهمون بقوة فى هذه المعارك، وكانت "تحية" تحمل السلاح إلى الفدائيين، وتقدم لهم كل ما يطلبونه من دعم، وهى نفسها التى أخفت "السادات" ـ الضابط بسلاح الإشارة ـ المتهم بقتل "أمين عثمان"، فى مزرعة شقيقتها "مريم"، وكانت منحازة للضباط الأحرار فى كل قراراتهم، ومع الأزمات المتوالية والصراعات داخل حركة الضباط الأحرار، وجدت ـ تحية ـ نفسها فى السجن، لأنها عبرت عن رفضها ما يجرى على الساحة السياسية، وكانت فى تلك الفترة زوجة للضابط "مصطفى كمال صدقى" عضو الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى، التى اختلفت مع "الضباط الأحرار" حول قضية الديمقراطية وعودة الدستور وعودة الجيش إلى الثكنات، فى الأزمة المشهورة "أزمة مارس 1954" وفى المائة يوم التى قضتها فى السجن، كانت "تحية" تقوم بدور سياسى مهم تمثل فى تنظيم المساجين السياسيين من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية داخل السجن، وتنظيم "فصل محو أمية" للسجينات!

 مع الوطن فى كل معاركه

    عاشت "تحية كاريوكا" حياة صاخبة، تناسب قدراتها الرهيبة، كما يقولون فى الأمثال الشعبية "ربك رب عطا، يدى البرد على كد الغطا"، ونفس المعنى قاله الشاعر العربى "على قدر أهل العزم تأتى العزائم، وعلى قدر الكرام تأتى المكارم"، وهذا يفسر لنا "القوة النفسية" التى تمتعت بها "بدوية" أو "تحية" فيما بعد، فهى من أجل الرسالة الفنية التى تحملتها راضية، عذبها أخوها، وحلق شعرها وربطها بالحبال، وكأنه كان ـ دون قصد منه ـ يجهزها لما ينتظرها فى "القاهرة"، فعرفت الفقر والحرمان، وعرفت العز والثراء وجالست الحرافيش وعاشت مع القادة والساسة والنجوم، وهى التى كتب عنها المفكر الفلسطينى "إدوارد سعيد" فى مذكراته التى نشرتها "دارالآداب" فى العام "2000" وبالتحديد فى الصفحة رقم "242" ما نصه:

"فى إحدى أماسى الربيع من العام 1950" شديدة الحرارة، تدبر"سمير سيف" أمر حجز طاولة فى "مسرح بديعة" فى الهواء الطلق، ولأول مرة فى حياتى اهتززت لمشهد إيروسى بامتياز، لم أشاهد مثيلا له من قبل، إنها تحية كاريوكا، أعظم راقصات زمانها، ترقص ويرافقها المطرب عبدالعزيز محمود، رقصت تحية ثلاثة أرباع الساعة مؤدية تأليفا طويلا ومتواصلا، يتكون فى معظمه من الدوران البطىء، ومن إيماءات اليدين، فيما الموسيقى تعلو وتهبط نغماتها المتجانسة، فتكتسب معناها من أداء "تحية" النورانى’, وكتب عنها "سلامة موسى وعباس العقاد ومصطفى أمين" وهؤلاء كانوا قادة الرأى فى سنوات الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى، وهذا يعنى أن "ثورة كاريوكا" فى إعادة الفن للرقص الشرقى وتحريره من الأثر "الغجرى" كانت واضحة ومعلنة ومعروفة لدى هؤلاء المثقفين والكتاب والصحافيين الكبار، ورغم هذا العمل الإبداعى الشاق، كانت "تحية" مع الوطن فى كل معاركه، لم تبخل ولم تنأ بنفسها، بل دخلت "السجن" لأنها اعتادت المواجهة والصدق، وفى العام 1968 خاضت معركة أخرى ضد "شعراوى جمعة" وزير الداخلية لأنه منع عرض مسرحيتها "كدابين الزفة"، واعتصمت أمام المسرح، فى مدينة الإسكندرية، وتم حل الأزمة، وعرضت المسرحية بعد حذف المناظر التى أزعجت أجهزة الأمن، وفى الثمانينيات، تفجرت أزمة قانون النقابات الفنية، واحتشد الفنانون دفاعا عن نقاباتهم، وكانت "تحية" من قادة الاحتجاج على المادة التى تجعل الحكومة وصية على النقابات، وأضربت عن الطعام، رغم أن عمرها كان قد جاوز السبعين، وتواصل معها ـ مبارك ـ وطلب منها وقف الإضراب عن الطعام، وحل الأزمة بما لديه من سلطات منحها له الدستور، وهناك معارك خاضتها ـ تحية كاريوكا ـ من خلال أفلام سينمائية شاركت بالتمثيل فيها، منها، معركة "الديمقراطية " والتصدى لتغول أجهزة الأمن السياسى فى السنوات التى سبقت "هزيمة 5يونيو"، فى فيلم "الكرنك" المأخوذ عن رواية الكاتب الكبير "نجيب محفوظ"، وأخرجه على بدرخان، وشاركها فيه فريد شوقى وسعاد حسنى ونور الشريف وفايز حلاوة، وقضية الدفاع عن "الرقص الشرقى" فى مواجهة الذين يحرمونه، ويحتقرونه رغم حرصهم على مشاهدة الراقصات والتمتع بما يقدمنه، فى فيلم "خلى بالك من زوزو"، وهو فيلم قيل عنه إنه فيلم "الهروب من المعركة" الأصلية، معركة التصدى لأعداء التوجه الوطنى العروبى، وكانت التهمة من نصيب "صلاح جاهين" رحمه الله.

    وعاشت "تحية" مع رجال كثيرين، كانوا أزواجا لها، بلغ عددهم سبعة عشر، منهم الفنان ومنهم الضابط والمطرب والطبيب، والنصاب والصادق والمزيف والمناضل والدجال، وهذا العدد الكبيرمن الأزواج، يثبت أنها لم تكن سوى "شخصية استثنائية"، جذبت هؤلاء، وجعلتهم يتعلقون بها وبسحرها، وحضورها، وكل ما فيها من جمال، وكل واحد منهم ترك فى قلبها بصمة وعلامة، وكما جاءت من "الإسماعيلية " فقيرة هاربة، انتهى بها المطاف، فقيرة تسكن فى شقة متواضعة، يتكفل بنفقاتها أصدقاؤها الفنانون، لكنها لم تغير قناعاتها، ولم تتنازل عن معنى أو فكرة أو مبدأ آمنت به.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص