مى زيادة.. سحرت عقول المفكرين وطالبت بالمساواة بين الرجل والمرأة

كانت مى مثقفة ثقافة فرنسية ومتحررة تحرراً حقيقياً وتتعرف إلى مبدعين ومثقفين وصحافيين وساسة

الكاتبة "مى زيادة" لبنانية الأصل، فلسطينية النشأة، مصرية التكوين والتجربة، كانت مثل وردة فى حديقة، أحبها كل رموز الفكر والثقافة فى بدايات القرن العشرين، وكتب فيها الشعراء القصائد التى تشيد بجمال عقلها وروحها وروعة أنوثتها، وكان وجودها فى "القاهرة" فى سنوات النهضة السياسية والفكرية مهما وضروريا، فهى كانت تعقد فى بيتها "صالون الثلاثاء" الذى يجتمع فيه المبدعون والمفكرون من أمثال أحمد لطفى السيد وطه حسين وإسماعيل صبرى والعقاد وغيرهم، وكان الصالون بمثابة "برلمان ثقافى" تناقش فيه العقول الكبيرة كل ما يشغل المجتمع من هموم ومشكلات ورؤى، ووقع الجميع فى حبها، لكنها فى الوقت ذاته لم تحب غير الشاعر "جبران خليل جبران" الذى لم تره، وكان حبهما عبر الرسائل البريدية، ونشر ـ جبران ـ الرسائل فى كتاب، وعقب موته، أصيبت باضطراب فى النفس والعقل وسافرت إلى لبنان فأدخلت مستشفى "العصفورية" المتخصص فى علاج الأمراض العقلية، وجاءت بعد سنوات لتموت فى القاهرة، حزينة وحيدة..

هذه الفتاة اللبنانية، رائدة من رائدات النهضة النسوية المصرية والعربية، كانت مثل الشهاب، لمعت وانطفأت وتركت وراءها تراثا إبداعيا تمثل فى عدة مؤلفات، وعشرات المقالات التى نشرت فى صحف زمانها ومنها "الأهرام، الهلال، المقطم، المقتطف"، ومن الجائز اعتبارها مبشرة بالفكر التقدمى الهادف إلى تحرير المجتمع من قبضة الاستبداد، والديكتاتورية، ومن الجائز اعتبارها من الجيل الثانى للشوام الذين هربوا من "سوريا"ـ وكانت تضم لبنان بداخلها ـ بسبب الاستبداد العثمانى، وكان اختيارهم ـ مصرـ موطنا، لأنها كانت تتمتع بحكم ذاتى، جعلها مختلفة عن بقية الولايات العثمانية، فكانت تصدر فيها الصحف حاملة الرؤى والأفكار المطالبة بالحرية، وجاء المثقفون الشوام الليبراليون، وأنشأوا الصحف وكتبوا فيها آراءهم، ومن مشاهيرهم "عبدالرحمن الكواكبى" المفكر المعروف بمناهضة الاستبداد السياسى، وجورجى زيدان مؤسس "دار الهلال" وأنطون الجميل، وغيرهم، وهذه الفتاة التى شغلت رجال عصرها، كانت متمتعة بالذكاء والموهبة فى الكتابة، تجيد سبع لغات حية، وتجيد لغتين قديمتين "السريانية، اللاتينية"، ودرست حتى حازت شهادة الليسانس من الجامعة المصرية فى تخصص الفلسفة والتاريخ، فى زمن كان فيه تعليم الفتيات نادرا، ومدهشا فى آن، ولكن من يتأمل مسيرة حياتها سوف يعرف أنها جنت ثمار التفوق الثقافى لعائلتها، فوالدها كان معلما فى المدارس الفلسطينية، ووالدتها كانت متعلمة، و"مى" ابنتهما الوحيدة،  الأمر الذى جعلهما يهتمان بتعليمها اهتماما كبيرا، فوالدها "إلياس زيادة" أصله من "لبنان" وكان معلما فى مدرسة "الأرض المقدسة"، ووالدتها من أصل سورى، لكنها كانت تعيش فى فلسطين، و"مى" ولدت فى "الناصرة" فى العام 1886، ونبغت فى دراسة اللغات العربية والأوربية، وكتبت فى الصحف منذ سن السادسة عشرة، ومشوارها التعليمى بدأته فى مدرسة "الناصرة" الإبتدائية، ومدرسة "دير الراهبات" فى "عينطورة"، ثم درست فى كلية الآداب فى الجامعة المصرية، وحصلت على درجة الليسانس، وكتبت فى صحف زمانها بأسماء مستعارة منها "شجية، إيزيس كوبيا، عائدة، السندبادة البحرية الأولى".

 أسرة مثقفة

كان "إلياس زيادة" والد "مى" مسيحى الديانة، مارونى المذهب، لبنانى الأصل، يعمل معلما فى مدرسة "الأرض المقدسة" بمدينة "الناصرة" فى "فلسطين"، وانتقل إلى ـ الناصرة ـ فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وقبلها كان يسكن فى قرية "شحتول" فى "لبنان" وفى "الناصرة" كان لقاؤه مع "نزهة معمر" زوجته، التى أنجب منها "مى"، وعاد إلى لبنان ليعمل فى قرية "عينطورة"، ودرست "مى " فى دير المدينة، ومدرسة راهبات "عينطورة"، ودرست اللغة العربية، وتعلمت العزف على آلة "البيانو"، ودرست الأدب الفرنسى، وأجادت اللغة الفرنسية وحفظت الكثير من الشعر الفرنسى، وأعجبت بالشعراء الصوفيين العرب، خاصة "عمر بن الفارض"، وعادت ثانية إلى "الناصرة" فى فلسطين، وفى العام 1908 انتقلت مع عائلتها إلى "القاهرة"، ومصدر امتياز هذه البقعة "بلاد الشام" هو ارتباطها المبكر بالحضارة الأوربية، فهى شهدت "المطبعة" عقب ظهورها فى أوربا، وهذا جعل صناعة الكتاب متقدمة فيها مقارنة بالمناطق العربية الأخرى، والمذاهب الدينية المسيحية فيها لها اتصال بالكنيسة الكاثوليكية والثورة الدينية التى عرفتها أوربا فى عصر النهضة، وهذا الاتصال خلق نخبة مثقفة كان لها الدور المهم فى العمل على نشر التعليم والصحافة والاهتمام بالثقافة، ولأن والدها كان معلما، ووالدتها كانت متعلمة، فكان من الطبيعى أن يفتحا لها مجال التعلم والترقى الفكرى، وكانت "القاهرة" فى تلك الفترة المبكرة ـ أوائل القرن العشرين ـ تعيش تحت الاحتلال البريطانى، ولكن الطبقة الغنية الوطنية استطاعت أن تتواصل مع أدوات التحضر والتقدم، فظهرت "الصالونات" التى كانت البديل للصحف، ثم خاض الوطنيون الأغنياء معركة تأسيس "الجامعة الأهلية" ومعركة تعليم الفتيات والسماح لهن باللحاق بالجامعة بعد تحويلها من "أهلية" إلى "حكومية" ترعاها وزارة المعارف، وكان المصريون يعيشون صراعا بين "الخديو عباس حلمى" والاحتلال البريطانى، فالخديو كان يرغب فى توسيع سلطاته، وكان الاحتلال يريده حاكما صوريا، يتلقى أوامر المندوب السامى البريطانى فينفذها، وحاول الخديو أن يستخدم "الحركة الوطنية "فى معركته ضد الاحتلال البريطانى، ولكن سرعان ما تبين للحزب الوطنى وزعيمه "مصطفى كامل" زيف مقولات الخديو، فوقع الانفصال، وكذلك انقلب ـ الخديو ـ على الشيخ الإمام "محمدعبده" لأن الشيخ عارض استيلاء الخديو على أموال الأوقاف، وجاء العام 1908 الذى انتقلت فيه "مى زيادة" وعائلتها إلى القاهرة، وقد مات الزعيم الوطنى مصطفى كامل وقبله مات الشيخ محمد عبده وقاسم أمين، ولكن "ملك حفنى ناصف" ودورها فى الدعوة لنهضة وتعليم المرأة كان حيا فى قلوب التقدميين من طبقة المتعلمين، وكان "أحمد لطفى السيد" ومجموعة "حزب الأمة" يقوم بدور تنويرى من خلال جريدة "الجريدة" رغم أنه لم يكن من الثوار، أو دعاة الصدام مع الاحتلال البريطانى، بل كان يحمل فكرة تقول إن التعليم والتثقيف يمكن أن يخلق الجيل القادر على التصدى للمحتل، و"مى" التى التحقت بالجامعة المصرية عرفت "أستاذ الجيل" وهو اللقب الذى أطلق على صاحب "الجريدة"، وعرفت تلاميذه المتنورين والمثقفين.

 شاعرة ومناضلة نسوية

مما حفظه التاريخ للكاتبة والشاعرة الراحلة "مى زيادة" هذه العبارات:

"ـ لا أطلب للمرأة المساواة بالرجل، لاعتقادى أنها تفوقه سموا بقلبها، والنظريات التى ترمى إلى تسويتها بالرجل تحول حتما بينها وبين عالمها الخاص الذى به وحده، تظل محلقة فوق كل أفق يستطيع الرجل فى جده وعبقريته أن يبلغه، فالمساواة هبوط لها، لا صعود".

وهى بهذه الرؤية تعلن أنها معتزة بكونها أنثى، ولا تشعر بالنقص تجاه الذكر، بل هى ترى أن المرأة تمتلك ما لا يمتلكه الرجل من قوة الشعور، وسمو القلب والروح، وهذه رؤية تختلف عن الرؤية النسوية التى ظهرت على الساحة فى فترات لاحقة، فالنسوية التى راجت فى الجيل التالى لجيل "مى زيادة" هى نسوية "تأنيب الضمير"، تحمل الرجال كل النواقص التى لحقت بالمرأة، وتفصل بين "حركة المجتمع" وأوضاع المرأة، فالمرأة التى تعيش فى قرية هامشية فقيرة محرومة من الخدمات، يشاركها الرجل نفس العيشة القاسية، وليس هو المسئول عن تدنى أوضاع المرأة، فالمسئول هنا "السلطة والمجتمع" وليس "الزوج" أو" الأخ" أو "الأب"، ورؤية "مى زيادة" كانت متقدمة تدعو المرأة للاعتزاز بذاتها وقدراتها، ولا تدعوها إلى تقليد الرجل، ومن ضمن الرؤى التى آمنت بها وكتبتها فى الصحف، رؤيتها لقيمة العمل وقيمة العلم ودورهما فى بناء شخصية المرأة، فهى ترى أن الرجال الذين دافعوا عن تعليم وعمل المرأة،  دافعوا عن رقى المجتمع كله، فالمرأة المتعلمة المثقفة المهذبة المشاركة فى إنتاج "ثروة المجتمع" هى الضمان لتقدم المجتمع كله، وهى ذات الرؤية التى صاغها الشاعر أحمد شوقى فى بيته المشهور "الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعبا طيب الأعراق"، ومن المصادفات التاريخية أن يكون "أمير الشعراء" واحدا من ضيوف "صالون الثلاثاء" الذى كانت تعقده "مى زيادة" فى بيتها، وكان من الذين هاموا بحبها، وهم كثر..

 كلهم عشقوها

وتفردت ـ مى زيادة ـ بحب الكبار لها، أحبها العقاد، وعشقها "إسماعيل صبرى" الشاعر الرائد وقال فيها الشاعر ـ ولى الدين يكن ـ "تعالى فجسى بقلبك كبدى، إن كان قد أبقى لى الهجر كبدا"، وقال إسماعيل صبرى فيها "روحى على بعض دور الحى قائمة كظامىء الطير تواقا إلى الماء، إن لم أمتع بـ"مى" ناظرى غدا أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء"، و"يوم الثلاثاء" هو يوم انعقاد الصالون الأسبوعى فى بيتها، والمهم هنا التوقف أمام ظاهرة "العشق الجماعى" لهذه  الفتاة، فهذه الظاهرة مبعثها "الجرأة والذكاء" الذى تمتعت به "مى"، فى زمن كان فيه هؤلاء المفكرون الكبار يحلمون بأنثى متحررة، ولا يجدونها فى محيطهم العائلى، فقد كانت ـ مى ـ مثقفة ثقافة فرنسية، متحررة تحررا حقيقيا، وكانت تسافر وتتعرف إلى مبدعين ومثقفين وصحافيين وساسة، وهذا منحها "الوزن الأدبى" الذى ميزها، وجعلها جذابة لعقول كبار المفكرين والشعراء فى زمانها، والعجيب أنها لم تحب واحدا منهم، بل أحبت "جبران خليل جبران" الشاعر والقاص والفنان التشكيلى المغترب فى أمريكا، دون أن تراه أو تجلس إليه أو تشم ريحه، وتصافحه ويشم عطرها، هى عشقت قصة له عنوانها "الأجنحة المتكسرة"، فراسلته وكتبت له رأيها، فتوطدت العلاقة عبر الرسائل، فدامت لمدة عشرين عاما، لم يلتقيا خلالها مرة واحدة، وفى حفل أقيم لتكريم الشاعر "خليل مطران" فى القاهرة، أرسل "جبران" رسالة تحية للشاعر المكرم بناء على طلب من الكاتب والصحافى "جورجى زيدان" ـ مؤسس دار الهلال الصحفية ـ وقرأت "مى" رسالة "جبران"، فذاب الحاضرون عشقا، وكان منهم "طه حسين" الذى طلب من "أحمد لطفى السيد" أن يعرفه ويقدمه إليها، وانضم الشيخ طه، إلى "صالون مى" ولم يكن حصل على الدكتوراه من الجامعة المصرية ولا سافر إلى فرنسا، ونشر "جبران" رسائله إلى "مى زيادة" فى كتاب حمل عنوان "الشعلة الزرقاء"، ومات فى العام 1931، بعد موت والدها فى العام 1929، فطغى الحزن على قلبها الطرى، وماتت أمها فى العام 1932، فسقطت فى براثن الألم والأسى، فقررت السفر إلى "لبنان" فى العام 1938، ولقيت من أقاربها سوء المعاملة، اعتبروها "مجنونة" وأودعوها مستشفى الأمراض العقلية فى "العصفورية" بالقرب من "بيروت" وقضت فيها ثلاث سنوات، وعادت إلى القاهرة فى العام 1941، وماتت فى "17 أكتوبر 1941" ومشى فى جنازتها ثلاثة رجال هم:خليل مطران وأحمد لطفى السيد وأنطون الجميل، ورثتها"هدى شعراوى"  بمقالة جاء فيها قولها عنها "كانت مى، المثل الأعلى للفتاة الشرقية المثقفة"..

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص